مفاهيم ومدارك

ثقافة الاعتذار | هل تكفي “أنا آسف”؟!

“أنا آسف”، “اعذرني”، “حقك علي”…

ينحصر مفهوم ثقافة الاعتذار -عند بعض الناس- في ترديد هذه العبارات، دون التفكير في سبب الاعتذار أو مشاعر الشخص الآخر؛ ويكون هدفهم من هذا الاعتذار الخروج من مأزق ما، أو الوصول إلى غاية محددة، أو تحقيق راحة البال لأنفسهم.

لكن هل يكفي للاعتذار قول هذه العبارات؟ وما هي الطريقة الصحيحة للاعتذار؟ وما هي أهمية الاعتذار؟ وما فائدته؟

في هذا المقال، سنجيب عن هذه الأسئلة، ونتعرف -بشكل أكبر- إلى ثقافة الاعتذار.

ما الاعتذار؟ 

هو تحمُّلك مسؤولية أفعالك -سواء كانت عن قصد أو دون قصد- وشعورك بالندم لما نتج عنها من جرح مشاعر الآخرين أو أذيتهم.

ليس بالضرورة أن يعني اعتذارك أنك تصرفت بشكل خاطئ، لكن الأهم ما نتج عن هذا التصرف من أذية الآخرين،
فقد يكون ما تعتقده أنت مقبولًا غير مقبول لدى الشخص الآخر.

متى تعتذر؟

يجب أن تعتذر إذا شعرت أن ما قمت به كان له أثر سلبي في الشخص الآخر، سواء أكنت قاصدًا ذلك أَمْ لا،
وحتى إذا كنت معتقدًا أنك لم تخطئ.

توقيت الاعتذار مهم، ويُفضَّل عدم تأجيل الأمر، وسرعة الاعتذار فور معرفتك بأذية الشخص الآخر، حتى لا تتفاقم
المشاعر السلبية بينكما ويصعب حل الخلاف.

لكن هل يكفي أن تقول: “أنا آسف”؟ أَمْ أن هناك فن وأصول للاعتذار؟

هيا نتعرف سويًا إلى هذا الفن، ونتعلم ثقافة الاعتذار…

كيف تعتذر؟

ستساعدك الخطوات التالية في فهم ثقافة الاعتذار بشكل أكبر ومعرفة كيف يكون اعتذارك صادقًا وحقيقيًا:

  • الشعور بالندم

يكون الاعتذار صادقًا عندما يظهر شعورك بالندم على ما فعلت. ابدأ اعتذارك بالأسف على تصرفك، واحرص على أن تكون كلماتك -مثل مشاعرك- صادقة وحقيقية.

مثل قولك: “أنا آسف، أشعر بالخزي والندم مما قلت”.

  • تحمُّل المسئولية
تحمُّل المسئولية و كيفية الاعتذار

يتضمن ذلك اعترافك بما سبب أذية الغير، وتحمُّلك مسؤولية أفعالك وسلوكك وأقوالك، وإقرارك بما يشعر به الطرف الآخر، وتعاطفك معه دون تشكيك أو تهميش.

مثل قولك: “أعتذر عما قلته بالأمس، لقد جرحت مشاعرك وسببت الحرج لك”.

  • إصلاح ما يمكن إصلاحه

إذا أمكن، حاول إصلاح الأمر، واعرض المساعدة أو التعويض على الشخص المتأذى، مثلًا كأن تشتري له بديلًا لما كسرته، أو بتقديمك فرصة جديدة إليه بدلًا من التي فوتَّها عليه.

مثل قولك: “لا تتردد في إخباري إذا كان هناك ما يمكن أن أقدمه -تعويضًا- عن خطئي” أو “يمكنك أن تمثل فريقنا في الاجتماع القادم”.

لكن احذر؛ شعورك بالذنب قد يحركك في هذه اللحظة، لذلك كن عقلانيًا وحاول تجنُّب:

  • الوعود الفارغة التي لن تتمكن من تحقيقها.
  • العروض السخية التي تفوق المعقول.
  • العزم على عدم تكرار الخطأ

إقرارك بنيتك عدم تكرار هذا الخطأ في المستقبل يصلح علاقتكما ويعيد الثقة بينكما؛ لِمَا ينطوِى عليه -هذا الإقرار- من استعدادك للتغيير والتحسن.

مثل قولك: “من الآنَ فصاعدًا، سأحاول التحكم أكثر في انفعالاتي”.

انتبه، يتطلب ذلك منك الالتزام بوعدك، وسعيك المستمر للتغيير من نفسك، حتى لا تفقد ثقة الآخرين فيك.

  • كن عادلًا مع نفسك

عدلك مع الآخرين وتحمٌّلك مسئولية أفعالك، لا يعني ظلمك لنفسك وتحملك مسئولية ما لم تفعله. اعترف بما فعلت لكن أيضًا وضح للآخرين نصيبهم من المسئولية، وتناقش معهم فيما ترفضه من تصرفاتهم.

  • تجنَّب الأعذار والتبريرات

قد يكون مناسبًا -في بعض الأحيان- أن تفسر موقفك وتشرح وجهة نظرك، خاصة إذا كان تصرفك ناتجًا عن اختلاف في وجهات النظر، ويصعب الجزم بأن تصرفك كان خطأً.

لكن قد يُفهَم التبرير وتقديم الأعذار -أحيانًا- على أنه تهرُّب من تحمُّلك مسؤولية أفعالك، ومحاولة إلقاء اللوم على الآخرين أو الظروف الحياتية، مثل: عدم اختيار -الشخص الآخر- الوقت المناسب للحديث معك، أو ضغوطات العمل.

نصيحة: اجعل اعتذارك مختصَرًا وتجنَّب الشرح والتبرير، حتى يكون له قيمة ويُظهِر صدق نيتك.

  • لا تنتظر اعتذار الطرف الآخر في المقابل

إذا كنت تشعر أن الخطأ متبادل، لا تنتظر اعتذار الطرف الآخر منك في المقابل، ولا تغضب لرفضه الإقرار بخطئه.

قُمْ بواجبك، واتَّبع قناعاتك، وقدِّم اعتذارك، ووضِّح له ما أزعجك من تصرُّفه. أحسِّن الظن؛ فقد لا يكون السبب غروره، ويكون غير مدرك لما سبَّبه لك من أذية. وتذكَّر دائمًا أن جهل بعض الناس بثقافة الاعتذار لا يبرر معاملتك لهم بالمثل.

  • لا تتوقع الغفران الفوري

اعتذارك لا يضمن مسامحة الشخص المتأذى لك، لا تتعجل الصفح، ولا تشعر بخيبة الأمل إذا لم يعفُ عنك، أعطه الوقت والمساحة حتى يتغلب على ما عاناه.

تعلَّم ثقافةُ الاعتذار، واستوعب خطواتها، وفكر جيدًا قبل اعتذارك من أحد، حتى يكون اعتذارك صادقًا ومؤثرًا.

متى لا تعتذر؟

لا تعتذر إذا كان اعتذارك:

  • فاترًا، خاليًا من العواطف والتعاطف.
  • وسيلة لشن هجوم على الطرف الآخر وإلقاء اللوم عليه. 
  • غايته تبرير أفعالك وتقديم الأعذار.
  • يتضمن التشكيك في مشاعر الطرف الآخر، والتقليل مما يمُرُّ به.

لأن الاعتذار في هذه الحالات يضر أكثر مما ينفع، والاعتذار الصادق لا يتمحور حولك وحول أهدافك، ولكن حول الشخص الآخر وما يشعر به.

لماذا يصعُب الاعتذار؟!

قد يكون الاعتذار ثقيلًا عليك، وتتجنبه بشتى الطُرُق، من أسباب ذلك:

  • أنه يضعك في وجه المدفع

قد تفتقر إلى الشجاعة للاعتراف بخطئك وتحمُّل مسؤولية أفعالك، خوفًا من هجوم الآخرين وإلقائهم اللوم عليك.

  • الشعور بالخزي

 قد يمنعك من الاعتذار -ومواجهة الشخص المتأذى- خجلك من نفسك، وشعورك بالذنب مما فعلت.

  • التكبر

تكبرك وغرورك قد يعميان بصيرتك، ويصعبان اعترافك أنك على خطأ والآخرين على صواب.

فوائد الاعتذار 

 تكمن أهمية الاعتذار الحقيقي في:

  • تقوية الروابط في العلاقات المختلفة، وإعادة التفاهم والثقة.
  • شعورك بالراحة النفسية، وإراحة ضميرك.
  • أنه فرصة لتتعلم من أخطائك.
  • إتاحة مجال للنقاش، وزيادة فهمك الطرف الآخر.
  • أنه فرصة لإيضاح كل طرف قواعده وحدوده.

ما التسامح (Forgiveness)؟

ما هو التسامح؟

التسامح هو قرارك بعدم السماح لأفعال الآخرين أن تستمر في إيذائك، والتأثير في حياتك. 

اختر أن تسامح من أجلك أنت، لأن قرارك الصفح عمَّنْ أذاك يُطلِق سراحك، ويحررك من سلبيات الماضي وآلامه،
ويسمح لحياتك أن تستمر دون أن تعطلها أفعال الآخرين، أو يسيطر عليها الغضب والضغينة.

ثقافةُ الاعتذار والتسامح

الاعتذار والتسامح وجهان لعملة واحدة، لكن وقوع أحدهما لا يعني -بالضرورة- وقوع الآخر. قد لا يكفي اعتذارك -أحيانًا- حتى يسامحك الطرف الآخر؛ فقد يحتاج إلى الوقت والبعد حتى يتعافى من معاناته.

أما في حالة استشعارك صدق مشاعر وندم من أذاك، حاول أن تتقبل اعتذاره بلطف وتفهُّم، بالطبع إذا كنت راغبًا في
ذلك. وإذا كنت غير مستعد للتسامح، عبِّر له عن تقديرك لاعتذاره، وأنك تحتاج إلى بعض الوقت حتى تتعافي.

مسامحتك لمَنْ أذاك غير مرتبطة بقرارك بعدم الاستمرار في علاقتك به؛ حتى إن لم يَعُدْ في حياتك، يمكنك أن تقرر
التخلص من جميع المشاعر والأفكار السلبية التي بداخلك اتجاهه. 

قد تأخذ بعض الوقت لتحقيق التسامح، ويمكن للخطوات التالية أن تساعدك في ذلك:

  • تعبيرك عن مشاعرك والتحدث مَعْ من أذاك إذا أمكن.
  • تدوين مشاعرك السلبية، خاصة إذا لم يَعُدْ باستطاعتك التواصل مع مَنْ أذاك.
  • أن تكون إيجابيًا، وتنظر إلى الجانب المشرق من تجربتك السلبية، وتتعلم مما حدث معك، وتستفيد منه في علاقاتك المستقبلية.
  • ممارسة التأمل واليقظة الذهنية: قد تساعدك في فهم مشاعرك وأفكارك، والتعامل معها بإيجابية.
  • إذا وجدت صعوبة في مسامحة مَنْ أذاك ونسيان الأذية؛ يمكنك استشارة مختص في العلاقات والصحة النفسية، يساعدك بشكل محترف على الشفاء.

ما يجب عليك إدراكه، أن عدم التسامح ينغص عليك حياتك، ويثقل كاهلك، وأن الضغينة التي تحملها بداخلك تؤذيك
أنت فقط. سامح حتى تتمكن من استعادة حياتك، والاستمتاع بها.

تذكَّر… لا أحد معصوم من الخطأ، المهم هو رد فعلك عند استشعار أذيتك للغير، وتحمُّلك مسؤولية تصرفاتك واعتذارك منهم.

احرص على تطبيق ثقافة الاعتذار في جميع علاقاتك الاجتماعية: مع أسرتك، شريك حياتك، أصدقائك، زملائك،
وحتى مع الغرباء إذا سبَّبت لهم الأذى.

الاعتذار ثقافة راقية، تعلُّمها وتطبيقها في حياتك يجعلك جديرًا بالاحترام، ويقوي الروابط، ويعيد الثقة إلى علاقاتك.

المصدر
How to ApologizeWhy It's Important to Apologize in RelationshipsI’m Sorry: How to Make a True Apology and Find ForgivenessApologies and Forgiveness: Do They Go Together?5 Strategies for Forgiving OthersWhat’s Wrong with Apologies and How to Make Them Right
اظهر المزيد

د. أروى صبحي

صیدلانیة وباحثة. لدیها شغف دائم للبحث وفهم كل ما حولها؛ خاصة فیما یتعلق بجسم الإنسان. أشعر بالرضا عند تبسیط العلوم للغیر، ووجدت في الكتابة وسیلة لمساعدة الآخرین في الاستمتاع بالمعرفة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق