ترياق الأمراض النفسية

جنون العظمة | هل للعالم قائدٌ غيري؟!

لا زلت أتذكر صوته وكلماته وطريقته في الحديث؛ فقد كان صديقًا للعائلة… 

كان مختالًا بنفسه، ومتباهيًا بذكائه الفذ، ومفتونًا بقدرته على حل المشاكل -على حد زعمه، كان يرى نفسه عظيمًا ولا مثيل له! 

لقد ظل يتحدث لساعات عن إنقاذه للعالم عندما أرسل رسائل تحذيرية لأصدقائه من قادة العالم؛ لقد كان يرى نفسه قائدًا للعالم!

ثم انقطعت أخباره عنا، وآثر الابتعاد عن الآخرين؛ إثر نصيحة المقربين له بضرورة الذهاب لطبيب نفسي؛ لأنه يعاني جنون العظمة.

لمعرفة المزيد عن مرض جنون العظمة، وأعراضه، وعلاجه، وكيفية التعامل مع مريض جنون العظمة؛ تابع معنا هذا المقال.

جنون العظمة – Delusions of grandeur

جنون العظمة أو “وهم العظمة” هو مرض عقلي يرتبط بالاعتقاد الخاطئ عند المريض بعظمته وسموه وامتلاكه قدرات خاصة.

يظن المريض أنه خارق، وأنه مقدَّر له أن يكون قائدًا للعالم، وهو ما يتناقض مع الواقع.

لا يستطيع المريض بجنون العظمة التفريق بين ما هو حقيقي وما هو خيالي، وغالبًا ما يصاحب العديد من الاضطرابات النفسية الأخرى، نذكر منها:

تشترك كل هذه الاضطرابات النفسية في أنها تغير إحساس المريض بالواقع، ويعيش في خيالاته وأوهامه وكأنها حقيقة.

أنواع مرض جنون العظمة

تتخذ أوهام جنون العظمة – Delusions of grandeur عدة أشكال، نذكر منها:

أنواع مرض جنون العظمة
  • امتلاك قدرة خاصة أو موهبة فذة

يظن المريض بجنون العظمة أنه يمتلك موهبة فذة أو قدرة خارقة لا يعلمها أحد، فقد يرى أنه يستطيع وقف الحروب العالمية أو إنقاذ البشرية.

  • أنه شخص مشهور

يرى المريض نفسه شخصًا مشهورًا، وقد يتهم الشخص المشهور بحق أنه دجال أو محتال.

  • قدرة روحانية أو دينية

وهنا يظن المريض أنه قائد ديني وله قدرات روحانية وأن لديه العديد من الأتباع.

  • لديه القدرة على الاتصال بشكل سري

يظن المريض أنه يمتلك قدرة على الاتصال السري مع شخص مهم أو شيء ما، فقد يرى نفسه جاسوسًا أو أنه مسؤول عن نقل الرسائل المهمة إلى قادة العالم.

أعراض جنون العظمة

السمة الرئيسية لمرض جنون العظمة هي الاعتقاد الخاطئ عند المريض بعظمته وسموه، ولكن هذا الاعتقاد ما هو إلا أوهام اختلقها عقل المريض.

هناك أعراض أخرى مصاحبة لأوهام جنون العظمة، تشمل ما يلي:

  • تغير في المزاج؛ فتصبح سريع الانفعال أو الغضب.
  • الهلوسة؛ فترى أو تسمع أو تشعر بأشياء لا وجود لها إلا في خيالك، ولكن الهلوسة ليست شائعة، وقد لا تستمر طويلًا.
  • صعوبة التعايش مع الآخرين بسبب تلك الأوهام.
  • الاعتقاد المستمر بحقيقة هذه الأوهام على الرغم من وجود الأدلة الدامغة التي تخالف ذلك.
  • الغضب تجاه من يرفض الإقرار بهذا الاعتقاد الوهمي.
  • السعي المستمر لجعل الآخرين يعترفون بعظمته.

قد يبدو المريض عاديًا ولا يتصرف بغرابة -بخلاف اعتقاده بعظمته، ولكن في بعض الأحيان قد تتداخل هذه الأوهام بشكل يؤثر على حياته الشخصية.

سبق أن ذكرنا أن أوهام جنون العظمة قد ترتبط مع بعض الاضطرابات النفسية؛ ولذا فقد يُظهر المريض الأعراض المصاحبة للمرض النفسي الذي يعانيه.  

أسباب الإصابة بجنون العظمة

لا يزال السبب الدقيق للإصابة بأوهام جنون العظمة غير معروف. 

ولكنها قد تكون أحد الأعراض المصاحبة لأمراض عقلية أخرى، مثل: الفصام أو اضطراب ثنائي القطب.

نادرًا ما تظهر أوهام جنون العظمة من تلقاء نفسها، فمن المحتمل أن يصاحبها أوهام الاضطهاد؛ إذ يظن المريض أنه مضطهد من الآخرين، وأنهم يحاولون إيذاءه والتآمر عليه.

هناك بعض العوامل التي تزيد من خطر الإصابة بأوهام جنون العظمة، نذكر منها:

  • تاريخ عائلي للإصابة بمرض عقلي.
  • اختلال توازن الناقلات العصبية في الدماغ.
  • بعض الاضطرابات النفسية.
  • التعرض لضغط عصبي شديد.
  • تعاطي المواد المخدرة.
  • العزلة الاجتماعية.

التشخيص

لا يوجد اختبار محدد يؤكد الإصابة بمرض جنون العظمة، ولكن الطبيب سيجري العديد من الفحوصات لاستبعاد الأمراض العقلية الأخرى.

سيتحدث معك الطبيب لمعرفة تاريخك العائلي، والأعراض التي تعانيها.

تُشخَّص الإصابة بمرض جنون العظمة عندما تستوفي المعايير التالية:

  • تعاني الأوهام لمدة تزيد عن شهر.
  • استبعاد الطبيب إصابتك بالشيزوفرينيا.
  • لديك نوبات من الهوس والاكتئاب، ولكنها لم تستمر لفترة أطول من الأوهام التي تعانيها.
  • الأوهام ليست نابعة من تعاطي المخدرات.
  • استبعاد الطبيب إصابتك بأمراض عقلية أخرى.

علاج مرض جنون العظمة

يعد علاج جنون العظمة صعبًا؛ إذ يعتقد المريض بصحة أوهامه، ولذا فهو لا يعترف بمرضه، وأنه يعاني خطبا ما.

كما أن أوهام جنون العظمة تمنحه شعورًا جيدًا؛ إذ يشعر بسموه وعلو مكانته على الآخرين، فلماذا يبحث عن العلاج؟!

تتحسن الأعراض التي يشعر بها المريض بعد الالتزام بخطة العلاج الخاصة به، وتشمل خيارات العلاج ما يلي:

  • الأدوية

يصف الطبيب عادة الأدوية المضادة للذهان والمضادة للاكتئاب؛ لتحسن من مزاج المريض، ولكن الأدوية وحدها ليست كافية لعلاج أوهام جنون العظمة.

  • العلاج النفسي

يعد العلاج بالتحدث -وخاصة العلاج السلوكي المعرفي- مفيدًا لتخفيف حدة أوهام جنون العظمة.

يساعد العلاج السلوكي المعرفي المريض على معرفة تلك الأوهام والأفكار المضللة، وكيف تؤثر سلبًا على حياته وعلاقاته.

كما يساعده العلاج على محاولة تغيير هذه الأفكار، وكيفية التعامل معها.

  • العلاج الجماعي

هو واحد من العلاجات النفسية المفيدة؛ إذ يشعر المريض أنه ليس وحده، وأن هناك من هو مثله.

العلاج الجماعي

كما يساعد المريض على تكوين علاقات مع الآخرين؛ فإن شعوره أنه ليس وحيدًا يحسن من مزاجه، ويخفف من أعراضه.

  • العلاج اللاإرادي

العلاج اللاإرادي هو العلاج ضد رغبة المريض.

إن كانت الأوهام التي تعاني منها تعرض حياتك أو حياة الآخرين للخطر؛ فقد تحتاج إلى البقاء في المستشفى أو مراكز العلاج المتخصصة إلى أن تستقر حالتك.

 كيفية التعامل مع مريض جنون العظمة

عادة لا يعترف المريض بأوهام جنون العظمة أنه يعاني مرضًا عقليًا يستدعي العلاج.

قد يعاني أيضًا من الاكتئاب إثر الصعوبات التي تواجهه بسبب تلك الأوهام التي يعيش فيها، وقد تؤدي أيضًا إلى العنف، وقد يصل الأمر إلى المساءلة القانونية.

في كثير من الأحيان، تؤثر أوهام جنون العظمة على علاقات المريض بالمحيطين به؛ ليجد نفسه في النهاية وحيدًا ومنعزلًا عن الآخرين.

لذا إن كنت مقربًا لمريض يعاني مرض جنون العظمة، فإنه يقع على عاتقك الكثير من المسؤولية؛ فعليك مراقبته لمعرفة إن كانت هذه الأوهام قد تعرض حياته أو حياة الآخرين للخطر.

بعض النصائح التي تساعدك في كيفية التعامل مع مريض جنون العظمة:

  • إقامة علاقة وثيقة  بالمريض قوامها التعاطف والثقة.
  • فهم ماهية هذا الاضطراب وأعراضه وأسبابه.
  • مساعدة المريض على التأقلم مع القلق والتوتر والمشاعر الأخرى التي تثير لديه الأوهام.
  • مساعدة المريض على تغيير نمط الحياة لآخر صحي، مثل: تناول الغذاء الصحي وممارسة الرياضة.
  • الدعم النفسي والمعنوي.

إن كنت تعاني أوهام العظمة، أو تعرف شخصًا مقربًا يعانيها، فاعلم أن الاعتراف بأنها أوهام وليست حقيقة هو أول خطوات العلاج؛ فلا تتردد في طلب المساعدة.
واعلم أنه مع الدعم والعلاج المناسبين؛ يمكن لمريض جنون العظمة أن يعيش حياة سعيدة، ويتمتع بعلاقات صحية.

المصدر
What are delusions of grandeur?What Are Delusions of Grandeur?Delusion of GrandeurWhat Are Delusions of Grandeur?
اظهر المزيد

د. أمل فوزي

أمل فوزي، صيدلانية، أعمل في الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية. أعشق الكتابة، وأجيد البحث، أستمتع بكتابة المقالات الطبية بأسلوب سلس وبسيط، هدفي الارتقاء بمستوى المحتوى الطبي العربي، ونشر العلم من مصادره الموثوقة لينتفع به القارئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق