مفاهيم ومدارك

حاجة الإنسان لعبادة إله – psychology of religion

الإله والروح…

أتساءل في نفسي ما هي الروح؟ وهل هي شيء مادي يمكن رؤيته وتحسسه؟ أَمْ هي شيء معنوي لا يمكن رؤيته؟

خلق الله -تعالى- آدم من طين، ونفخ فيه من روحه، فميَّزه عن باقي مخلوقاته، وشرَّفه ونسب روحه إليه
-سبحانه وتعالى- كما قال: “فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ”.

فالروح شيء معنوي في نفس الإنسان، يستمد منها مشاعره وأحاسيسه، وهي التي تلهمه وتَدفعه لفعل الخير والشر،
ولولا هذه الروح لكان الإنسان أشبه بدمية من الصلصال لا حياة فيها!

ولما كانت الروح هي المحرك للإنسان، فإنها تحتاج لِمَا يغذيها ويهذبها، ويرشدها إلى فعل الخير واتقاء الشر،
فكانت العبادة هي غذاء الروح، وكان من الضروري للإنسان أن يعبد الله وحده لا شريك له.

فما هي حاجة الإنسان لعبادة إله ؟ وما هي ضرورة الدين في حياة الإنسان؟

تاريخ العبادة

يُقصَد بالعبادة التقرب للمعبود (الإله) بأداء الفروض والطاعات، وقد خلق الله مخلوقاته لعبادته كما ذكر في القرآن الكريم “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ”.

ارتبطت العبادة بخلق آدم وحواء في الجنة، وقد أمرهما الله -تعالى- بطاعته واتباع أوامره، ونهاهما عن اتباع الشيطان.

ولكن الشيطان -بحيله وألاعيبه- كان هدفه إخراج آدم من جنة الرحمن، واستجاب له آدم وحواء؛ فعاقبهما الله،
وأخرجهما من الجنة ليعيشا على الأرض، ويزداد نسلهما من البشر.

وأرسل الله الرُسُل ليعلموا الناس ويرشدوهم إلى عبادة الله وحده في مختلف الشرائع، فكانت كل الشرائع تدعو إلى الإسلام، وهو الاستسلام لله -تعالى- واتباع أوامره واجتناب نواهيه التي أنزلها في الكتب السماوية.

ضرورة الدين في حياة الإنسان

الدين هو الطريق الذي يقود الإنسان إلى وجهته وهدفه، وله تأثير في شخصية وتصرفات الإنسان.

يمكن تحديد دور الدين في حياة الإنسان في بعض النقاط، مثل:

  • تحديد هوية الإنسان الثقافية

تظهر هوية الإنسان الثقافية في تصرفاته وتعاملاته الدينية؛ فقد تستدل على ديانة الشخص عند تجنُّبه تناول الخمر والكحوليات، لأن بعض الأديان تحرم شرب هذه المشروبات.

  • القيم والأخلاق

يساعد الدين على إنشاء سور من القيم المنظمة في الحياة اليومية، كما يعزز بناء وتهذيب شخصية الإنسان؛
فكل الشرائع السماوية تدعو إلى الحب والتعاطف والتسامح والاحترام، وتستنكر العنف والقهر والقسوة.

  • الاتصال الروحي

يلعب الدين دورًا حاسمًا في تنمية وتقوية العلاقة بالله، وترسيخ الاعتقاد بالطاقة الإلهية العليا التي تعمل كمنظم في الحياة اليومية. فإن معظم العبادات -مثل الصلاة والصوم- تخلق الشعور بالارتباط الروحي والتعلق بالعبادة.

  • السلام النفسي والاجتماعي

يوفر الدين الانضباط النفسي للإنسان على المستوى الشخصي والاجتماعي؛ فهو يحفز الناس لعمل الخير ومساعدة الآخرين.

يساعد الالتزام بالتعاليم الدينية على وضع حدود في المعاملات بين البشر، والتفريق بين الخير والشر،
ويرشد الناس للسير على الطريق المستقيم.

كما تحث التعاليم الدينية -مع اختلاف الديانات بين الدول- على تجنُّب القتل، والعنف، والإرهاب، والحروب بين
الشعوب. هذا بدوره يرسِّخ السلام العالمي، ويقلل العنصرية والصراعات الدولية.

  • تقليل الضغوط النفسية

يقوي الالتزام الديني الصبر والرضا بكل أقدار الحياة؛ فالأشخاص الذين يتمتعون بالرضا عن حياتهم يشعرون بالراحة
النفسية والسعادة دائمًا، وقليلًا ما يشعرون بالتوتر والقلق والسخط على حياتهم.

ضرورة الدين في حياة الإنسان

حاجة الإنسان لعبادة إله (psychology of religion)

كلمة (psychology) تُقسَّم إلى مقطعين، وهما:

  • (psych)، كلمة يونانية يُقصَد بها (spirit)، وهي تعني “الروح” بالعربية.
  • والمقطع الثاني (ology)، يُقصَد به (science)، ويعني “علم”.

وهذا يعني أن معنى كلمة “psychology” هو علم الروح أو النفس.

يقوم علم النفس الديني على دراسة الثوابت والمتغيرات النفسية المتأثرة بالدين، ويُقصَد به المواقف والتصرفات التي يعتبرها الإنسان ذات أصول دينية.

هذا يعني أن اعتناق الدين له تأثير نفسي في الصحة النفسية للإنسان، والذي من الممكن أن تؤثر إيجابيًا فيه،
وتساعد في علاج بعض الأمراض النفسية.

تشير بعض الأبحاث إلى أن الالتزام بتعاليم الدين يقلل من حالات الضغط النفسي التي تتولد منها الأمراض النفسية،
مثل: الاكتئاب، والانتحار، وإدمان الكحوليات، والمخدرات.

حاجة الإنسان لعبادة إله تخلق نوعًا من الروحانيات العالية المريحة للصحة العقلية، وتُشعِرك بأنك مرتبط بشيء أكبر
من نفسك، هذا الارتباط يُشعِرك بالطمأنينة وعدم القلق، لأن رحمة الله وحمايته تحيط بك.

يعزز الدين التفكر والتأمل في المخلوقات من حولك، وكيف خُلِقَت، وكيف تتفاعل مع بعضها في منظومة مرتبة
ومتسلسلة. هذا التأمل والتفكير يعطيك الإحساس بالراحة والشعور بعظمة الله الخالق، ويزيد إيمانك به.

أشارت الأبحاث إلى أن الالتزام بالصلاة -مع تكرار الحركات في الصلاة- يُنشِّط مناطق الدماغ المسؤولة عن تنظيم
الاستجابات العاطفية (الفص الجبهي)، ويجعل الناس أكثر هدوءًا وقدرة على تحمُّل الضغوطات، والتقليل من ردود
الأفعال العصبية.

تأثير التربية الدينية على الصحة النفسية للأطفال والمراهقين

يعاني المجتمع -في الآونة الأخيرة- زيادة انتشار الاضطرابات النفسية، وخاصة في الأطفال والمراهقين، فزادت معدلات الانتحار، والاكتئاب، والتحرش الجنسي، والإدمان، وغيرها.

وُضِعَت بعض الاستراتيجيات لتقليل عوامل الخطر، وتعزيز العوامل الوقائية، مثل: استراتيجية التربية والتعليم الديني.

ما هو تأثير التربية الدينية على الصحة النفسية للأطفال والمراهقين؟

المراهقة مرحلة حرجة في مراحل التطور البشري -المعرفي والسلوكي- وفقًا لنظرية التطور العاطفي لـ”إريك
إريكسون”. خلال هذه المرحلة، يحتاج المراهق أو الطفل إلى الإجابة على أسئلة كثيرة مرتبطة بكونه ذكرًا أو أنثى،
تكون الإجابات على هذه الأسئلة عنصرًا أساسيًا في تطوير شخصية المراهق أو الطفل، وتؤثر فيه أخلاقيًا وروحيًا.

خلال هذه الفترة، تزداد علاقة الفرد وارتباطه بالدين، ويزداد الوعي بالمعتقدات والممارسات الدينية التي تؤثر في الفرد والأسرة والمجتمع.

لذا نوصي -في هذه الفترة- بالتركيز على بناء شخصية قوية على أُسُس دينية قويمة، وخاصة في أماكن التعليم مثل
المدرسة، حيث يقضي الأطفال والمراهقون معظم وقتهم.

ويهدف التعليم الديني إلى تزويد الطلاب بالفهم والمعرفة، بالإضافة إلى أنه يُعَدُّ نهجًا فعالًا في تعزيز الصحة النفسية
لدى الأطفال والمراهقين. 

يُصنَّف التعليم الديني إلى قسمين، هما:

١. التعليم الديني الطائفي: يسعى إلى تعزيز الالتزام تجاه دين معين.

٢. التعليم الديني غير الطائفي: يركز على توفير المعلومات حول الدين، والتسامح مع الديانات الأخرى.

يعزز التعليم الديني الوعي بالمعتقدات والممارسات الدينية، فمثلًا: الدين الإسلامي يحرم شرب الخمر والكحوليات،
ويحرم القتل والانتحار، ويحث على التسامح والعفو وحسن المعاملة، حتى مع الأديان الأخرى.

التربية على معايير دينية قويمة تعزز تكوين شخصية سليمة للمراهقين تخلو من المثلية الجنسية، وتساعد في علاج
اضطرابات الهوية والميول الجنسية.

وفي النهاية، اِعلمْ أن حاجة الإنسان إلى الدين حاجة فطرية خلقه الله -تعالى- بها، وأن الدين نعمة عظيمة أنعم الله بها على عباده وحثهم من خلالها على اتباع تعاليمه. وباتباع التعاليم الدينية الإسلامية، تسمو النفس البشرية وترقى.

المصدر
Psychology of ReligionWhat is the importance of religion in our lives?Does Religion Play An Important Role In Your Life?Religious education can contribute to adolescent mental health in school settings
اظهر المزيد

د. رشا النجار

طبيبة بيطرية أعمل في مجال الميكروبيولوجي. أحب التطوير ومعرفة المزيد في مجال عملي، شغوفة بالبحث الطبي وكتابة المقالات الطبية وأتمنى أن يكون لي بصمة حسنة وأحقق استفادة للجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق