ترياق الأدوية النفسية

حمض الفالبرويك ومفعوله السحري في علاج اضطراب ثنائي القطب والتشنجات

لا تزال نظرة المجتمع للمصابين بالأمراض النفسية والعصبية نظرة مريبة، لا تخلو من المخاوف والظنون.

مع أن التاريخ أثبت لنا أن الكثير من الشخصيات المهمة التي تركت بصمات كبيرة على صفحة البشرية جمعاء، كانوا مصابين بأمراض نفسية وعصبية!

فكل من إسحق نيوتن وفان غوخ ونابليون بونابارت عانى الصرع والتشنجات، وأما السير ونستون تشرشل وإرنست همنغواي فكانا مريضين باضطراب ثنائي القطب.

لكن “لكل داء دواء”

ويعد “حمض الفالبرويك Valproic Acid” الخيار الأول لعلاج التشنجات واضطراب ثنائي القطب، الذي يوصف طبيًّا بشكل كبير في جميع أنحاء العالم.

فما هو حمض الفالبرويك؟ وكيف يعمل؟ وما هو اضطراب ثنائي القطب؟ وما هي التشنجات؟

سنجيب عن هذه الأسئلة -عزيزي القارئ- في السطور القادمة.

ما هو حمض الفالبرويك؟

هو مركب كيميائي صنع لأول مرة عام 1882، وبدأ استخدامه كدواء لعلاج اضطراب ثنائي القطب والتشنجات والصداع النصفي في 1967.

ويعمل “حمض الفالبرويك” على منع حدوث النوبات والتشنجات، وتقليل تكرارها.

كيف يعمل حمض الفالبرويك؟

يتحول هذا الدواء في الجسم إلى الصورة النشطة (فالبروات Valproate) التي تعمل بعدة آليات، أهمها:

  • زيادة تخليق الناقل العصبي جابا GABA (المسؤول عن تثبيط الناقلات العصبية المسببة للهياج العصبي) في المخ، عن طريق تثبيط إنزيم جابا ترانس أمينيز (المسئول عن تكسير الناقل العصبي جابا).
  • تثبيط قنوات الصوديوم في المخ؛ مما يقلل خروج الإشارات العصبية عالية التردد.

ما هو اضطراب ثنائي القطب (Bipolar disorder)؟

ما هو اضطراب ثنائي القطب

هو مرض نفسي يسبب نوبات من التقلبات المزاجية، تتنوع ما بين الهوس والاكتئاب؛ لذا يطلق عليه أيضًا (الهوس الاكتئابي).

تؤثر هذه التقلبات بالسلب على وتيرة الحياة اليومية للمريض؛ بتأثيرها في أدائه لأنشطته اليومية، ونومه، وتركيزه.

يشعر المريض بالسعادة والنشوة والطاقة والحيوية في أثناء نوبات الهوس، وبالحزن وفقدان الأمل والإحباط في أثناء نوبات الاكتئاب.

يمكن أن يتعرض المريض لمزيج من هذه النوبات مرة أو عدة مرات في السنة.

يمكن السيطرة على التقلبات المزاجية والأعراض الأخرى لاضطراب ثنائي القطب باستخدام “حمض الفالبرويك” على الرغم من كونه حالة مزمنة مدى الحياة.

ما هي التشنجات (Convulsions)؟

هي انقباضات عضلية لا يمكن السيطرة عليها، وتتعدد أسباب التشنجات، ومنها:

  • الصرع.
  • الحمى.
  • التيتانوس.
  • انخفاض مستوى السكر بالدم.
  • السعار.
  • بعض الأدوية.

سنسلط الضوء في هذا الجزء على التشنجات الناتجة عن مرض الصرع.

كيف تحدث التشنجات الناتجة عن الصرع؟

تحدث التشنجات الصرعية نتيجة لخلل في النشاط الكهربي للمخ (خلل في الإشارات الكهربائية بين خلايا المخ).

وتختلف أنواع التشنجات الصرعية، فإما أن تكون جزئية (بؤرية) أو عامة.

التشنجات (النوبات) البؤرية

تحدث التشنجات البؤرية نتيجة نشاط كهربي غير عادي بجزء واحد بالمخ، وتنقسم إلى نوعين:

  1. نوبات بؤرية مصحوبة بخلل في الوعي: يعاني المصاب بهذا النوع من النوبات خللًا في الوعي والإدراك، ويتجلى ذلك في عدم استجابته للبيئة المحيطة.
  2. نوبات بؤرية غير مصحوبة بفقدان الوعي: يعاني المصاب بهذا النوع تغيرًا في حاسة الشم أو التذوق أو اللمس أو السمع دون فقدان للوعي، ويشعر بانقباضات ورعشة في جزء من الجسم مثل: الساق أو الذراع.

التشنجات (النوبات) العامة

تحدث نتيجة نشاط كهربي غير عادي بكل أجزاء المخ، وتنقسم إلى ستة أنواع:

  1. النوبات الصغيرة (Absence seizures): تصيب الأطفال وتظهر على هيئة فقدان قصير للوعي، أو التحديق في الأشياء دون إدراك الوسط المحيط.
  2. النوبات التوترية (Tonic seizures): تتميز بتصلب في عضلات الظهر والذراعين والساقين؛ مما يسبب السقوط على الأرض.
  3. النوبات الارتخائية (Atonic seizures): تتميز بارتخاء العضلات؛ مما يسبب السقوط المفاجئ، وتعرف أيضا بـ “نوبات السقوط”.
  4. النوبات الرمعية (Clonic seizures): يعاني المريض بهذا النوع من النوبات رعشات متكررة بعضلات الوجه والرقبة والذراعين، وتسمى أيضا بـ “النوبات الارتعاشية”.
  5. النوبات الرمعية العضلية (Myoclonic seizures): يظهر هذا النوع على هيئة رعشات قصيرة أو تشنجات في عضلات الذراعين والساقين.
  6. النوبات التوترية الرمعية (Tonic-Clonic seizures): هي مزيج من النوعين الثاني والرابع، فيحدث تصلب ورعشات متكررة في العضلات مع فقدان الوعي، وأحيانًا فقدان السيطرة على المثانة وعض اللسان.

يستخدم حمض الفالبرويك في علاج النوبات البؤرية المصحوبة بخلل في الوعي والنوبات العامة.

الجرعة

تختلف جرعة حمض الفالبرويك في علاج التشنجات عن جرعته في علاج اضطراب ثنائي القطب.

التشنجات الصرعية

من 10 إلى 15 مجم لكل كجم بالفم يوميًا، وتزداد تدريجيًا كل أسبوع بمعدل من 5 إلى 10 مجم لكل كجم يوميًا، ولا تتعدى الجرعة اليومية 60 مجم لكل كجم يوميًا.

اضطراب ثنائي القطب

750 مجم بالفم يوميًا، وتزداد تدريجيًا إلى أن تصل إلى التأثير العلاجي المرجو، ولا تتعدى الجرعة اليومية 60 مجم لكل كجم يوميًا.

يؤخذ حمض الفالبرويك بعد الأكل.

يجب أن يُوقَف تناول العلاج تدريجيًا؛ فالتوقف المفاجئ قد يسبب ظهور نوبات الصرع من جديد.

تحليل حمض الفالبرويك

تحليل حمض الفالبرويك

يُطلب هذا التحليل من المرضى المداومين على تناول حمض الفالبرويك؛ لمعرفة تركيزه في الدم حال ظهور أي أعراض تسممية.

تؤخذ عينة دم من المريض قبل ميعاد تناول الجرعة التالية من الدواء؛ حتى يكون مستوى الدواء في أقل مستوياته الفعالة.

أشهر الأسماء التجارية لحمض الفالبرويك

يوجد العديد من الأسماء التجارية لهذا الدواء، ومنها:

  • ديباكين (Depakene)
  • كونفيولكس (Convulex)
  • ديكاديل (Dekadel)
  • فالبوويست (Valpowest)
  • فالبونكس (Valponex)

الآثار الجانبية

تختلف الآثار الجانبية لأي دواء من شخص إلى آخر، وتشمل الآثار الجانبية الشائعة لـ “حمض الفالبرويك” ما يلي:

  • انخفاض عدد الصفائح الدموية.
  • انخفاض كرات الدم البيضاء والحمراء.
  • انخفاض مستوى الفيبرينوجين بالدم.
  • انخفاض مستوى الصوديوم بالدم.
  • الشعور بالغثيان والقيء.
  • آلام بالبطن.
  • إسهال.
  • دوخة.
  • تساقط الشعر المؤقت.
  • أعراض تشبه الإنفلونزا.
  • فقدان الشهية
  • رعشة خفيفة باليدين.

موانع الاستعمال

يحظر تناول حمض الفالبرويك في الحالات الآتية:

  • الحساسية لحمض الفالبرويك أو أحد مشتقاته.
  • الإصابة بأمراض الكبد.
  • الإصابة بأمراض الكلى.
  • الحمل.
  • البُرفيرِيّة Porphyria: تراكم البُرفيرِنيات (Porphyrins) نتيجة لخلل في بعض الأنزيمات المسؤولة عن إنتاج الهيم Heme (أحد مكونات الهيموجلوبين) وإنزيمات الكبد.

التداخلات الدوائية

التداخلات الدوائية

تختلف تداخلات الأدوية عند تناولها مع حمض الفالبرويك، فمنها ما يتأثر تركيزه بالدم، مثل:

  • كاربامازپين (لعلاج التشنجات الصرعية واضطراب ثنائي القطب): يزداد تركيزه بالدم.
  • مينوكسيديل (لعلاج الصلع): يزداد تركيزه بالدم.
  • زيدوفودين (مضاد للفيروسات): يزداد تركيزه بالدم.

ومنها ما يؤثر على تركيز حمض الفالبرويك بالدم، مثل:

  • كاربابينيم (مضاد حيوي): يقلل تركيزه بالدم.
  • موانع الحمل التي تحتوي على الإستروجين: تقلل تركيزه بالدم.
  • أورليستات (لإنقاص الوزن): يقلل تركيزه بالدم.
  • السالسيلات، مثل الأسبرين (مضاد للالتهابات ومسكن ومضاد للتجلط): تزيد من تركيزه بالدم.

التداخلات المعملية

يؤثر تناول حمض الفالبرويك في نتائج بعض التحاليل؛ فيُظهِر:

  • نتائج إيجابية خاطئة لوجود الأجسام الكيتونية بالبول.
  • نتائج خاطئة لتحاليل وظائف الغدة الدرقية.

التداخلات مع الأمراض

يمكن أن يسبب حمض الفالبرويك آثارًا خطيرة عند تناوله في وجود بعض الأمراض، ومنها:

  • الاكتئاب: يمكن أن يؤدي إلى زيادة الاكتئاب والميول الانتحارية.
  • أمراض الكبد: يؤدي إلى تسمم الكبد، وقد يسبب الوفاة.
  • الاعتلال الدماغي بفرط أمونيا الدم: قد يسبب الوفاة.

وأخيرًا عزيزي القارئ، أقدم لك بعض النصائح:

  • المرض النفسي ليس وصمة عار أو عيبًا، ولكنه كسائر الأمراض، يشفى بالعلاج والمتابعة الدورية مع الطبيب المعالج.
  • ابتعد قدر الإمكان عن الضغوط النفسية التي قد تسبب تدهور حالتك المرضية.
  • استشر طبيبك قبل البدء في تناول أي دواء مهما كانت معلوماتك عنه.

بقلم د/ مصطفى أحمد

المصدر
Seizures
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق