نظريات

خرافات علم النفس | حقائق وأساطير!

في أواخر ستينيات القرن الماضي، أجرى عالِم النفس الشهير (والتر ميشيل) واحدة من أشهر التجارب في مجال علم النفس الاجتماعي، أطلق عليها “تجربة المارشميلو”.

بنى “ميشيل” فكرته على فرضية وجود علاقة بين سلوك الطفل في سن صغيرة، وتحصيله الدراسي ونجاحه المهني في المستقبل.

فجاء بمجموعة من الأطفال ووضع أمامهم قطعة من حلوى المارشميلو، وخيَّرهم بين أكل هذه القطعة الآن،
وبين الانتظار لمدة خمسة عشر دقيقة فيحصلون على قطعة إضافية.

تتبع القائمون على التجربة هؤلاء الأطفال بعد سنوات عدة، لتأتي نتائج التجربة بأن الأطفال الذين تمكنوا من التغلب
على رغبتهم في الحصول على المتعة اللحظية قد أصبحوا أكثر قدرة على التحصيل الدراسي، وكذلك إدارة حياتهم الاجتماعية والمهنية بشكل أفضل.

تبدو الفرضية منطقية، أليس كذلك؟!

دعني أخبرك أن هذه الفرضية إحدى أشهر خرافات علم النفس الحديث، وقد أُثِيرت العديد من الشكوك حول دقة هذه التجربة.

ويرجع السبب لقلة عدد الأطفال الذين أُجرِيَت عليهم التجربة، وكذلك عدم مراعاة الظروف الاجتماعية والبيئية التي نشأ فيها الأطفال.

لم تكن هذه التجربة هي الوحيدة ضمن المعتقدات الخاطئة التي ترسخت في أذهاننا حتى الآن، والتي لا ترتكز على أساس علمي سليم، ولكن تتبدد الأساطير حين يعلو صوت العلم.

لذا، في هذا المقال نعرض لك أشهر خرافات علم النفس الحديث، ولماذا يرتبط علم النفس والخرافات ببعضهما البعض على مر العصور.

علم النفس والخرافات

ظهرت على مدى العقود الفائتة العديد من الأساطير والخرافات حول تفسير سلوك الأفراد، وآلية عمل الدماغ البشري.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

مشكلة هذه الخرافات أنها منتشرة على نطاق واسع، بل وأصبحت من البديهيات التي يصعب التخلى عنها لأن كثيرًا منها يبدو منطقيًا.

وربما بسبب توافقها مع المجتمع العام، فتأصلت ضمن ثقافته وتوارثتها أجيال، وبالتالي فالرأي المخالف أو المناقض يصعب تصديقه.

وفي عام 2009، جمع لفيف من أساتذة علم النفس -من بينهم العالم الشهير (سكوت ليلينفيلد)- قائمة بأشهر 50 خرافة في علم النفس، بكتاب يحمل نفس العنوان، ثم شرعوا في تبديدها واحدة تلو الأخرى.

والآن نستعرض لكم جزءًا من أشهر خرافاتِ علم النفس وأكثرها انتشارًا بين الناس:

الابتسامة هي سر السعادة

الابتسامة هي سر السعادة

روَّج علم النفس الإيجابي فكرة أن السعادة تكمن في الابتسامة، فإذا ما واجهت يومًا سيئًا في حياتك، فكل ما يجب أن تفعله كي تمحو هذا الشعور هو الابتسامة.

ونحن هنا لسنا بصدد الحديث عن الضحك وفوائده النفسية والجسدية للإنسان، بل مواجهة ادعاءات أن الابتسامة تصنع المعجزات.

وإن كان الأمر بهذه السهولة، فما بقي شخص تعيس على الأرض! فلا يمكن للابتسامة المصطنَعة أن تحل مشاكلك، أو تحوِّل بعض المشاعر السلبية -مثل الحزن واليأس والإحباط- إلى السعادة!

مشكلة هذه الخرافة أنها ترسخ وجوب السعادة وإحساس الراحة والسكينة طوال الوقت، وهو أمر لا يمكن أن يتحقق بسبب طبيعتنا البشرية.

بل أنه من الضروري تقبُّل مشاعرنا السلبية، وحقنا في الحزن في المواقف الصعبة، ومن ثَمَّ التعامل معها بشكل صحيح حتى تنتهي، لا أن نتغافل عنها أو ندعي عدم تأثيرها في صحتنا النفسية.

تذكر دائما أن تحسين حالتك المزاجية وشعورك بالرضا يتحققان بابتسامة حقيقية نابعة من القلب.

هل يراك الناس سعيدًا في حياتك بينما تشعر داخلك باكتئاب شديد لا تستطيع إظهاره؟ يمكن لهذا المقال أن ينفعك: الاكتئاب المبتسم | أخفي أحزاني خلف ابتسامتي!

يستخدم الشخص العادي 10% فقط من قدراته الذهنية

هذه واحدة من خرافاتِ علم النفس التي انتشرت بين الناس في أواخر القرن التاسع عشر، وبدت منطقية 

إذ تعطي تفسيرًا لوجود أناس عبقريين وذوي قدرات حسابية فائقة مثلًا.

هذا الأمر دفع مدربي التنمية البشرية والعلاج بالطاقة وغيرهم لاستغلال الأمر، فأطلقوا عديدًا من الدورات التدريبية تحت شعار” أطلق قدراتك الخفية”، والادعاء بإرشاد الناس للوصول إلى إمكاناتهم الكاملة! 

ولكن في حقيقة الأمر أننا جميعًا نستخدم 100% من قدرات دماغنا ونستفيد منها، الفكرة أننا نستخدمها على مدار اليوم وليس دفعة واحدة.

في حين وجود أجزاء معينة تتحكم بعمليات أساسية كالتنفس والرؤية وغيرها، فهناك أجزاء أخرى لا تنشط إلا عند الضرورة فقط كحل المشكلات والاستجابة للخوف.

بيئتنا وأنماط حياتنا كبشر مختلفة، وهو ما قد يجعل أدمغة البعض نشطة أكثر من غيرها، لكن كلًا منا في النهاية يستفيد من قدراته الذهنية بالكامل.

الأضداد تتجاذب

“الأقطاب المتشابهة تتنافر والمختلفة تتجاذب”، هذه إحدى القواعد الأساسية في علوم الفيزياء، ولكن على مستوى العلاقات البشرية، يبدو أن الأمر مختلف.

ربما ساعدت السينما على ترويج أن التباين بين الشخصيتين يحقق التوازن المطلوب؛ فتصور لك  قصص الحب الجميلة والناجحة بين البطل والبطلة بالرغم من تضاد شخصياتهم وطباعهم واهتماماتهم.

ولكن في الحقيقة فإن العلاقات الأكثر نجاحًا واستقرارًا هي تلك التي يتشابه بها الميول والطباع.

انتشار التوحد بين الأطفال سببه بعض اللقاحات

انتشار التوحد بين الأطفال سببه بعض اللقاحات

يُعرَّف التوحد على أنه اضطراب في النمو العقلي يتسم بصعوبة في تطوير المهارات الاجتماعية، وضعف مهارات اللغة، وبعض الاضطرابات السلوكية المختلفة.

قبل تسعينيات القرن الماضي، كان معدل انتشار التوحد في الولايات المتحدة الأمريكية يُقدَّر بطفل واحد من كل 2500 طفل.

في عام 2007، قُدِّر التوحد بمعدل طفل واحد لكل 150 طفلًا، مما أثار الذعر بين الآباء والأمهات، وزعم البعض أن بعض التطعيمات هي السبب.

وهذا ما دفع بعض الولايات إلى وقف هذه التطعيمات بسبب الضغط الإعلامي. ولكن عند مقارنة الباحثين لتأثير هذه اللقاحات في عصرهم مع سنوات مضت، وجدوا أن نسبة التوحد لم تتغير!

ويرجع السبب لوضع بعض المعايير التشخيصية من قِبَل المتخصصين، فبات من السهل تشخيص مرض التوحد عند الأطفال.

للمزيد اقرأ عن: التوحد عند الأطفال… سامحيني لأني مختلف!

تجربة سجن ستانفورد | هل الشر غريزة إنسانية بداخلنا؟! 

تُعَدُّ تجربة سجن ستانفورد واحدة من أشهر تجارب علم النفس، والتي أُجرِيَت عام 1971 تحت إشراف عالم النفس (فيليب زيمباردو).

كان (فيليب) يحاول تفسير وحشية بعض الحراس في السجون تجاه السجناء، وكذلك عدم احترام بعض السجناء للقوانين، وهل السبب وراء ذلك هو الميول العدائية للشخصيات أم بيئة السجن نفسها.

فجاء بمجموعة من الطلبة وقسمهم إلى مجموعتين؛ مجموعة تلعب دور الحراس، والأخرى تلعب دور السجناء داخل سجن وهمي بقبو جامعة ستانفورد.

كان يفترَض أن تستمر التجربة لمدة أسبوعين، لكن اضطر (فيليب) لإنهائها في اليوم السادس بعد أن خرجت الأمور عن السيطرة.

تصرُّف الحراس تجاه السجناء كان وحشيًا وساديًا بدرجة لا تصدَّق، مما أدى إلى تمرُّد بعض السجناء،
وإصابة آخرين باضطرابات عاطفية مختلفة، كنوبات الهلع والبكاء والحزن الشديد.

لاقت هذه التجربة كثيرًا من النقد، إذ اعتبرها البعض منافية للأخلاق، ولا يمكن بأي حال من الأحوال تعميم نتائجها،
وأن (فيليب) لم يكن محايدًا؛ بل وجَّه الحراس لإثبات زعمه.

خرافات لطيفة

الرجال من كوكب والنساء من كوكب آخر

ربما يذكِّرك هذا العنوان بصديق لك يشكو من صعوبة التواصل مع الجنس الآخر، ولا يستطيع أن يتوقع طريقة تفكيرهن، أو بفيلم سينمائي يتحول فيه البطل إلى أنثى ليقتحم عالم النساء، ويحاول فك طلاسم أدمغتهم!

لا هذا ولا ذاك؟ حسنًا، هل قرأت كتابًا يتحدث عن أن الرجال والنساء مختلفون تمامًا كما لو أنهم يتحدثون لغات مختلفة؟! وربما تعتقد بداخلك -مثل كثيرين- أن النساء لا تجيد القيادة وحوادث النساء أكثر بكثير من الرجال، أليس كذلك؟!

قد تترسخ هذه المعتقدات في ذهنك نتيجة تأصُّلها بثقافة المجتمع كله، وتصبح ضمن الموروثات الخاطئة التي تتناقلها الأجيال، وقد يكون السبب ببساطة هو توافق هذه المعتقدات مع أهوائك الشخصية.

لكن هذا -كما أخبرتك- يقع ضمن الخرافات اللطيفة في علم النفس؛ فما تعتقده من وجهة نظر علمية ليس صحيحًا
في الواقع.

فجميع نتائج الاختبارات العلمية والإحصائية أثبتت أنه بالرغم من وجود بعض الفروق بين الجنسين، إلا أنها
-على المستوى الإحصائي- لا تمثل شيئًا يمكن تعميمه؛ فالرجال والنساء لا يختلفون نفسيًا كما نعتقد.

تستقر شخصيتنا عند مرحلة البلوغ

يربط كثير من الناس بين مرحلة البلوغ والنضج الإنساني، إذ يعتقدون أن الدماغ البشري يجب أن يكون قد تطور تمامًا حينها، وأن شخصيتنا يُفترَض أن تصل لأعلى مستويات الاستقرار.

وهذا ما يشعِر كثيرًا ممَّنْ بلغوا الخامسة والعشرين بارتباك في حال عدم وجود أهداف واضحة للتقدم نحوها،
وهذا لأن طبيعتنا البشرية تميل للاستقرار.

ولكن لا يوجَد داعٍ للهلع؛ فجميل أن يسير الأشخاص نحو أهداف واضحة بخطى ثابتة، ولكن لا يرتبط هذا بالبلوغ
في سن المراهقة.

فقد أثبتت الدراسات أن الناس يصبحون أكثر قبولًا، وأقل عصبية، ومستعدون لخوض تجارب جديدة كلما تقدموا في العمر.

معظم مرتكبي الجرائم من المرضى النفسيين

يعتقد معظم الناس أن الأشخاص المصابون بمرض أو اضطراب نفسي عنيفون بطبيعتهم، ولكن هذا زعم غير حقيقي.

إذا أثبِتَ بالأبحاث العلمية أن 90% على الأقل من الأشخاص المصابين بمرض نفسي لا يرتكبون أي أعمال عنف،
وكذلك فالغالبية العظمى من مرتكبي الجرائم والخارجين عن القانون ليسوا مرضى نفسيين.

وعلى الرغم من وجود بعض عوامل الخطر في حالات معينة، مثل الضلالات الفكرية التي تحرض الشخص
على ارتكاب الجرائم، لكن أعمال العنف الحقيقية نادرة جدًا.

المرض النفسي واختلال التوازن الكيمياء بالدماغ

ارتباط المرض النفسي باختلال التوازن الكيميائي داخل الدماغ فكرة متأصلة في عقول كثيرين؛ يأتي جزء من دعم
هذه الفكرة أن مضادات الاكتئاب ترفع من مستويات بعض المواد الكيميائية، وتحاول موازنة الخلل الموجود في الدماغ.

لكن بالطبع لا يمكن تعميم هذه الفكرة على جميع الأمراض والاضطرابات النفسية؛ فالدماغ البشري معقد جدًا والعلم
يستكشف كل يوم معلومات جديدة حول آلية عمله.

فالمتخصصون أنفسهم لا يعرفون ما يجب أن يكون عليه التوازن الكيميائي الصحيح داخل الدماغ البشري،
وتبنِّى هذه الفرضية يشجع فكرة أن جميع الأمراض النفسية أمراض مزمنة لا يشفَى منها مطلقًا!

للمزيد اقرأ عن: هل يُشفَى المريض النفسي تمامًا بعد العلاج؟

في النهاية، وبعد أن تحدثنا عن بعض خرافات علم النفس، أقول لك أن الخرافة وعلم النفس مرتبطان ببعضهما البعض. لذا، أدعوك في المرة المقبلة -قبل أن تأخذ أي معلومة بشكل مسلَّم به- أن تحاول البحث عن مدى مصداقية المعلومة. وإن بدت منطقية لك، فربما تكون للعلم كلمة أخرى!

المصدر
16 Popular Psychology Myths You Probably Still Believe10 of The Most Widely Believed Myths in Psychology10 Surprising Pop Psychology Myths and the True Science Behind ThemThese Are The 10 Biggest Myths In Psychology
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى