ترياق الطفل

خصوصية الأبناء – Children’s privacy | مع أم ضد!

“عمري 17 عامًا، دائمًا ما أتشاجر مع والدتي؛ فكلما خرجتُ من المنزل، أسرعَتْ في البحث بين متعلقاتي، كما تتحين الفرص لمطالعة رسائلي الإلكترونية، فهي للأسف تظن أنني أخفي عنها شيئًا ما. أعلم جيدًا أن من حقها مراقبتي، ولكنني أطمح إلى المزيد من الخصوصية؛ فأنا أشعر أنها لا تثق بي!”.

هذا ما نشرته إحدى الفتيات على حسابها الشخصي؛ ردًا على أحد المقالات التي تتناول خصوصية الأبناء.

عادةً ما يتساءل الآباء عن مقدار الخصوصية التي يجب منحها للأبناء، وهل يجب احترام خصوصية الأبناء أم لا ضير في القليل من انتهاك الخصوصية؟

تابِع معنا هذا المقال لنعرف المزيد عن احترام خصوصية الأبناء، وهل هناك فرق بين مراقبة أبنائنا وانتهاك خصوصيتهم، كما سنتطرق إلى أشكال انتهاك الخصوصية.

خصوصية الأبناء (Children’s privacy)

خصوصيات الأبناء هي تلك المعضلة التي يواجهها الآباء، وللأسف يقع الكثير من الآباء في هذا الفخ.

فأنت كوالد -أو والدة- ينبغي لك أن تحقق التوازن بين احترام خصوصية الأبناء وحاجة الأبناء لذلك، وبين حاجتك لمعرفة ما يواجهه أبناؤك، لتحافظ عليهم وتُوجِّههم للتصرف الصحيح.

ولذا فإن الثقة والصدق مع أبنائك هما مفتاحك لتحقيق هذا التوازن.

كلما كبر الأبناء، ازدادت رغبتهم في الشعور بمزيد من الخصوصية؛ فهذا جزء لا يتجزأ من رحلة الأطفال للنمو والتطور.

تُعَدُّ خصوصية الأبناء الوجه الآخر لتقديرهم لذواتهم، وقدرتهم على الاعتماد على النفس في اتخاذ القرارات، بل وتحمُّل مسؤولية تلك القرارات.

ولذا عليك أن تدرك أن رغبة ابنك في الخصوصية لا تعني بالضرورة أن لديه ما يخفيه، واعلم أن خصوصية الأبناء تمشي جنبًا إلى جنب مع استقلاليتهم وتحمُّلهم للمسؤولية.

ولكن دعنا لا ننكر أن مصطلح “خصوصيات الأبناء” يزعج الكثير من الآباء ويخيفهم.

ولذا فإننا نرى الكثير من صور تحكُّم الآباء في الأبناء مثل: أن تفرض على ابنك دراسة معينة لا يرغب بها، أو أن تجبره على ممارسة رياضة أو هواية لا يحبها.

كما نرى الكثير من صور تجسُّس الآباء على الأبناء مثل: التجسس على مكالماتهم التليفونية، ورسائلهم الإلكترونية.

خصوصية الأبناء وثقة الآباء

تُعَدُّ خصوصية الأبناء جزءًا من رحلتهم في أثناء مرحلة النمو الجسدي والتطور العقلي.

عادة ما يواجِه الأبناء الكثير من التحديات في أثناء مرحلة المراهقة؛ فهم يكتسبون العديد من المهارات الجديدة، ويسعون إلى التعامل كراشدين.

ولكن قد تكون السِرِّية الشديدة -التي يريدها ابنك- ناقوس خطر، ويجب عليك الحذر لذلك.

فإن كان ابنك يقضي ساعات طويلة في عزلته، ويقطع كل محاولاتك للتقرب منه، ويبدو وكأنه لا يريد التحدث مع أحد؛ فلا تتردد في التدخل.

فقد يكون ابنك يعاني الاكتئاب، أو القلق، أو إدمان الكحول، أو المخدرات، أو يواجه بعض الضغوط من أقرانه.

كذلك فإن قضاءه الكثير من الوقت بمفرده على الهاتف والإنترنت يُعَدُّ من علامات الخطر.

ما سبق ذِكْره من علامات تحذيرية يستدعي مراقبتنا لأبنائنا، سنتحدث لاحقًا عن مراقبة الأبناء.

احترام خصوصية الأبناء

لا يعني احترام خصوصية الأبناء أن تُطلِق لهم العنان وتدعهم يتصرفون كما يحلو لهم. 

لا تنس أنهم مجرد أطفال، وليست لديهم الخبرة الكافية للتعامل كراشدين، ولكن حاجتهم إلى الخصوصية تساعدهم على الاستقلال وتعزيز ثقتهم بأنفسهم.

لذا فأنت تحتاج لوضع بعض القواعد لابنك بعد مناقشتها معه، مثل: موعد العودة إلى المنزل، أو معرفة المكان الذي سيقابل فيه رفاقه، ومَنْ سيقابل.

احترام خصوصية الأبناء

هناك بعض النصائح التي تساعدك على احترام خصوصية الأبناء، وتشمل:

  • اسمح لابنك بقضاء بعض الوقت بمفرده.
  • اطرق الباب قبل الولوج إلى غرفته.
  • اسأله قبل أن تبحث في حقيبته أو هاتفه.
  • اسمح له بإجراء مكالمات خاصة مع أصدقائه.

ولكن… يجب أن يستحق ابنك هذه الخصوصية؛ يجب أن ينالها بتحمُّله المسؤولية، واحترامه القواعد والحدود التي وضعتها (سنذكرها لاحقًا).

ولكن قد تتغير قواعد اللعبة، ويحتاج ابنك إلى المزيد من الرقابة، أو ما يسميه الأبناء “انتهاك الخصوصية”.

انتهاك الخصوصية

هناك بعض الأوقات التي يجب عليك كوالد أن تنتهك خلالها خصوصية الأبناء، من أجل الحفاظ عليهم.

كما أوضحنا سابقًا، إن دورك كوالد يُحتِّم عليك مراقبة ابنك لضمان سلامته وأمانه، وعلى ابنك أن يلتزم بالقواعد والحدود التي وضعتها له.

ولكن إن كان لديك شك بأن ابنك ينخرط في بعض الأنشطة الخطِرة؛ فعليك التدخل فورًا.

انتهاك الخصوصية

وتشمل علامات الخطر التي تُنذِر بوجود مشكلة يواجهها ابنك:

  • الاكتئاب.
  • مشاكل في النوم.
  • علامات أو كدمات على جسده.
  • العزلة.
  • مرافقة أصدقاء السوء.
  • تعاطي المخدرات أو الكحول.
  • أي سلوك غير متَّسِق مع طباع ابنك.

فهنا، قد يكون ابنك تخطَّى القواعد التي وضعتها له، ولا يستحق الثقة التي منحتها إياه، واعلم أن مسؤوليتك الأولى هي حمايته.

تحدَّث مع ابنك أولًا، واطلب تفسيرًا لتلك التصرفات التي تراها غير مقبولة. ولكن إن كانت إجابته “لا أعرف” أو تجاهَل أسئلتك، فليس لديك خيار آخر.

وهنا، يُعَدُّ انتهاك الخصوصية واجبًا عليك تجاه طفلك؛ فنحن لا نتحدث هنا عن تحكُّم الآباء في الأبناء، وفرْض سيطرتهم عليهم.

ولا نتحدث عن تجسُّس الآباء على الأبناء دون سبب يدفعهم لذلك.

أشكال انتهاك الخصوصية

يُقصَد بـ”انتهاك الخصوصية” الإطلاع على خصوصيات الأبناء دون علمهم ورغبتهم.

يتجسس كثير من الآباء على أبنائهم بهدف حمايتهم، وخاصة فيما يتعلق بشبكات التواصل الاجتماعي.

هناك الكثير من أشكال انتهاك الخصوصية، نذكر منها:

  • التجسس على المكالمات التليفونية.
  • التفتيش في المتعلقات الخاصة.
  • قراءة اليوميات الخاصة.
  • التجسس على الرسائل الإلكترونية.

لا تلجأ لهذا إلا إذا تخطَّى ابنك الحدود، أو لاحظتَ تغيرًا مشينًا في سلوكه.

تحدَّث معه، واجعله يسعى لكسب ثقتك من جديد، ليتمتع باحترام خصوصيته واستقلاليته، وتقديره لذاته.

مراقبة الأبناء

لا يزال الأبناء -في سن المراهقة- بحاجة إلى دعم آبائهم لاتخاذ خيارات سليمة.

ابنِ مع أبنائك علاقة قوية قوامها الثقة والصدق والدعم، ثم أعطهم الخصوصية التي ينشدونها.

لا يزال ابنك يحتاج إلى نصحك ودعمك، وأنت بحاجة لأن تبقى على اتصال به؛ فهو يحتاج الاستقلالية والخصوصية، وأنت تحتاج إلى أن تضمن سلامته وأمانه.

كيف نراقب أبناءنا؟

تعتمد مراقبة الأبناء على الثقة والتواصل اليومي معهم، ليشاركك الأبناء أفكارهم ومخاوفهم بلا خوف.

قواعد الأسرة

عليك وضع بعض القواعد التي يجب على أبنائك الالتزام بها، مثل:

  • الاتصال بعد العودة من المدرسة، في حالة عدم وجود الوالدين في المنزل.
  • تحديد وقت محدد لمشاهدة التليفزيون.
  • وقت محدد لمتابعة الإنترنت.
  • عليه إخبارك أين يذهب مع أصدقائه، ومن حقك كوالد أن تحدد موعد عودته.
  • انتبه لما يقرأه ابنك، أو يشاهده، أو يفعله على الإنترنت.

يجب أن يدرك الأبناء ضرورة احترام هذه القواعد؛ فهي سبيلهم لنيل الاستقلالية والخصوصية.

كن صديقًا لابنك

اجعل هدفك بناء علاقة قوية مع ابنك، قد تساعدك النصائح التالية:

  • استمع لابنك باهتمام.
  • تناوَلْ عشاء عائلي يتخلله الدردشة والضحك مع الأبناء.
  • تابِع تقدُّم ابنك الدراسي، وأداءه لواجباته المدرسية. 
  • تعرَّفْ إلى أصدقاء ابنك وامنحه المساحة لدعوتهم إلى المنزل، لكي تُبقِي عينيك عليه، وتتعرف إلى آبائهم ليسهل عليك التواصل معهم.
  • كُنْ صديقًا لابنك، ولكن هناك أوقات تستدعي الحزم لتحصل على إجابات، مثل: “لماذا تأخرت عن موعد عودتك من المدرسة؟”، “أين ستذهب مع أصدقائك؟”.

يجب أن ينمو الأبناء في بيئة تتسم بالثقة والصدق والدعم. فلا تتردد في أن تعطي لأبنائك الخصوصية التي ينشدونها، ولكن عليهم السعي لنيلها. 

فاحترام خصوصية الأبناء يبعث لهم رسالة مفادها أن الآباء يثقون بهم، وهو ما يعزز ثقتهم بأنفسهم.

المصدر
Privacy, monitoring and trust: the teenage yearsAdvice for Parents on Privacy and KidsWhy Teens Need Privacy From Their ParentsTeens and Privacy: Should I Spy on My Child?Children's Need for Privacy
اظهر المزيد

د. أمل فوزي

أمل فوزي، صيدلانية، أعمل في الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية. أعشق الكتابة، وأجيد البحث، أستمتع بكتابة المقالات الطبية بأسلوب سلس وبسيط، هدفي الارتقاء بمستوى المحتوى الطبي العربي، ونشر العلم من مصادره الموثوقة لينتفع به القارئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق