ترياق الطفل

دور المدرسة في التعافي من المرض النفسي

في إحدى جلسات العلاج النفسي الجماعي، جلست فتاة في السادسة عشرة من عمرها، تحكي تجربتها في التغلب على مرض الاكتئاب. 

“عانيت الاكتئاب بعد طلاق والديّ، كنت في الثالثة عشرة وقتها، كرهتُ حياتي وحاولتُ الانتحار أكثر من مرة، ظللتُ أعاني عذاب المرض النفسي وحدي، حتى اكتشف أحد المعلمين بمدرستي مشكلتي، وأخبر أمي باحتياجي إلى العلاج النفسي… 

الآن، وبعد مرور قرابة ثلاثة أعوام، أستطيع القول بأني تغلبت على مرضي وتجاوزت أزمتي، بفضل الله أولًا ثم بفضل مدرستي التي أولتني اهتمامًا خاصًا، وتفهَّمت حالتي، وساعدتني في الاندماج والعودة إلى حياتي الطبيعية.” 

يمثل دور المدرسة في التعافي من المرض النفسي حجر الزاوية الذي تعتمد عليه رحلة العلاج للأطفال والمراهقين ذوي المشكلات النفسية. 

فالطفل يقضي بالمدرسة وقتًا ليس بالقليل، وتشغل علاقاته بمعلِّميه وزملائه جزءًا هامًا من حياته، وقد تؤثر تلك العلاقات بالسلب أو بالإيجاب في مرضه النفسي. 

لذا؛ كان من الضروري أن يعي كل فرد في العملية التعليمية دوره جيدًا، ويتعلم كيفية التعامل الصحيحة مع الطفل المريض، وكيف يمكن مساعدته في التعافي من المرض النفسي. 

أولًا…

ما هو تعريف المرض النفسي؟ 

المرض النفسي -أو كما يُطلق عليه في علم النفس “الاضطرابات النفسية“- هو حالة عقلية أو نفسية تنتاب الشخص وتؤثر في مزاجه وتفكيره وسلوكه. 

من أمثلة الأمراض النفسية الشائعة:

 جديرٌ بالذكر، أنه من الطبيعي أن يمرَّ الإنسان في فترات من حياته ببعض العقبات التي قد تؤثر في مزاجه وسلوكه وسلامه النفسي.

يمكن علاج المرضِ النفسي بدون طبيب إذا كانت أعراضه مؤقتة، ولا تؤثر بصورة ملحوظة في حياة الفرد،
وذلك عن طريق الدعم النفسي من الأسرة والمحيطين، وأيضًا عن طريق اتباع نمط حياة صحي بعيدًا عن مسببات التوتر والقلق والاكتئاب. 

لكن عندما تستمر أعراض المرض النفسي فترات طويلة، فتتأثر سلبًا قدرة الشخص على القيام بمهامه الحياتية المعتادة؛ فإنه يُعَد في تلك الحالة اضطرابًا نفسيًا، يستدعي التدخل الطبي لعلاجه. 

تصرفات المرض النفسي 

تصرفات المرض النفسي

هناك بعض السلوكات والتصرفات التي تعد بمثابة جرس إنذار، ينبئنا باحتمالية أن يكون هذا الشخص مصابًا بمرض نفسي، ويحتاج منا إلى الدعم والمساعدة، مثل:

  • الشعور بالحزن والاكتئاب طوال الوقت. 
  • التشتت وضعف القدرة على التركيز.
  • الشعور المتزايد بالخوف وعدم الأمان. 
  • الشعور المبالَغ فيه بالذنب. 
  • تقلبات المزاج الحاد
  • الانسحاب من الحياة الاجتماعية. 
  • عدم القدرة على تحمل ضغوطات الحياة الاعتيادية.
  • مشكلات في النوم.
  • التفكير في الانتحار
  • الغضب المبالَغ فيه. 

الطلاب والمرض النفسي

الأطفال والمراهقون ليسوا بمنأى عن المرض النفسي. فبحسب الإحصائيات، يتعرض طفل من كل خمسة أطفال لضغوطات ومشكلات نفسية في فترة ما من حياته الأكاديمية. لذا؛ فإن الانتباه إلى حالة الطلاب النفسية والعقلية من قِبَل المعلمين وإدارة المدرسة ليس من الرفاهية. 

لماذا يُعَد دور المدرسة في التعافي من المرض النفسي أمرًا هامًا؟ 

لأن:

  • المرض النفسي أصبح من الأمور الشائعة في عصرنا هذا، وغالبًا ما تبدأ بوادره في الظهور خلال فترة الطفولة والمراهقة. 
  • كلما اكتشفنا المشكلة مبكرًا، استطعنا حلها بصورة أفضل.
  • حل هذه المشكلة النفسية سيساعد الطالب في النجاح والإنجاز في حياته الأكاديمية، وسيجنبه الرسوب أو الفشل الدراسي، الذي قد يؤثر سلبًا في مستقبله. 

كيف يؤثر المرض النفسي في أداء الطلاب الأكاديمي

يؤثر المرض النفسي في الحياة التعليمية للطلاب من جوانب عدة؛ فيؤثر في استيعابهم للمعلومات المقدَّمة إليهم،
كذلك يؤثر في تفاعلهم مع معلميهم وزملائهم، وهذا التفاعل مهم لبناء المهارات الاجتماعية والشخصية للطلاب. 

ما يجب على المعلمين الانتباه إليه عند التعامل مع الطلاب

ما يجب على المعلمين الانتباه إليه عند التعامل مع الطلاب

هناك بعض التصرفات والسلوكات التي يجب أن ينتبه إليها المعلم، فإذا لاحظ إحداها على أحد الطلاب،
فيجب عليه إخبار الآباء وإدارة المدرسة لاتخاذ الإجراءات اللازمة. 

على سبيل المثال، إذا:

  • لاحظ أن الطالب شديد الحزن، أو منسحب من المشاركة في الأنشطة التعليمية والاجتماعية، خاصةً إذا استمر ذلك السلوك من الطالب فترة طويلة، وكان مغايرًا لطبيعته الشخصية التي اعتاد عليها المعلم. 
  • تحدث الطفل عن رغبته في إلحاق الأذى بنفسه أو بالآخرين، وكان جادًا في ذلك. 
  • انتاب الطفل نوبات من الذعر والخوف غير المبرر. 
  • أظهر الطفل سلوكًا عنيفًا تجاه زملائه. 
  • كان الطفل غير متحكم في انفعالاته، وغير قادر على السيطرة على غضبه. 
  • ظهر على الطفل اضطرابًا من اضطرابات الأكل، مثل: امتناع إحدى الطالبات المراهقات عن تناول وجباتها من أجل إنقاص وزنها. 
  • كان يبدو على الطفل القلق والتوتر الشديد تجاه الأمور الحياتية الاعتيادية. 
  • لاحظ المعلم أن الطالب مشتت الانتباه وغير قادر على التركيز. 
  • علم المعلم أن الطفل مر بإحدى الصدمات النفسية -كفقد عزيز أو طلاق الوالدين- في الفترة الأخيرة. 

إذن…

ما هو دور المدرسة في التعافي من المرض النفسي؟ 

ينقسم هذا الدور إلى جزئين؛ الجزء الأول دور المعلمين وأفراد العملية التعليمية الذين يتعاملون مباشرة مع الطفل،
والجزء الثاني يمثل البرنامج التعليمي الذي يجب أن تتبناه المؤسسة التعليمية ككل، لمساعدة أبنائها في التمتع بصحة نفسية جيدة، وفي التغلب على أي مشكلة نفسية قد تواجههم. 

أولًا، دور المعلم في مساعدة الطفل صاحب المشكلة النفسية: 

دور المعلم في مساعدة الطفل صاحب المشكلة النفسية

1- شجِّع الطفل على التحدث عن مشكلته، إما بالكلام إن كان كبيرًا بما يكفي ويستطيع التعبير عن نفسه وعمَّا يشعر
به، أو بالرسم والغناء إن كان صغيرًا. في كل الحالات، يجب أن يكون المعلم مستمعًا جيدًا، ويولي اهتمامًا كبيرًا لشعور الطفل ولمشكلته. 

2- تحدَّث مع الطفل عن الجانب الجيد للمشكلة التي يمر بها. على سبيل المثال، اهتمام أبويه وأصدقائه به
ورعايتهم له وخوفهم عليه. كذلك، أخبِره عن آخرين مرُّوا بنفس المشكلة وتغلبوا عليها، وكيف أصبحوا أقوى،
وأكثر قدرة على مواجهة الصعاب في حياتهم. 

3- ساعد الطفل في وضع روتين يومي صحي لحياته، يساعده في تحسين مزاجه، وتقليل حدة القلق والتوتر لديه،
مثل: وضع روتين يومي لممارسة التمارين الرياضية، والنوم الجيد، والغذاء الصحي، وكذلك ممارسة الهوايات والأنشطة المحبَّبة إليه. 

4- حاوِل دمج الطفل تدريجيًا في الأنشطة المدرسية مع زملائه، ولا تنسَ أن تتحدث مع أقرانه عن الطريقة المناسبة للتعامل معه؛ حتى لا يؤثر ذلك بالسلب في مشكلته النفسية. 

ثانيًا، دور النظام التعليمي في تحسين الصحة النفسية للطلاب:

1- الحرص على أن ينال كل فرد من أفراد المؤسسة التعليمية تدريبًا كافيًا، لمعرفة كيفية التعامل مع الطلاب باختلاف طبائعهم وشخصياتهم وخلفياتهم الثقافية. 

2- الحرص على أن تكون البيئة التعليمية بالمدرسة بيئة صحية، وخالية من الضغوط على كل من الطالب والمعلم. 

3- تدريب الكادر التعليمي على كيفية اكتشاف المشكلات النفسية لدى الطلاب مبكرًا، وكيفية التعامل معها. 

4- الحرص على بناء قنوات اتصال آمنة وواضحة مع المؤسسات التي تقدم خدمات نفسية للمواطنين،
وأخبر بها ولي الأمر إن كان طفله بحاجة إليها.

5- دَمْج مواضيع الصحة النفسية ضمن المناهج الدراسية، وإقامة حملات توعية من وقت لآخر؛ لزيادة وعي الطلاب حول المرض النفسي، وكيفية التغلب عليه، وكذلك كيفية الحفاظ على صحتهم النفسية من ضغوط الحياة. 

في النهاية، دور المدرسة في التعافي من المرض النفسي دور مهم، لا يجب الاستهانة به، لأنها إن جهلت دورها أو
تقاعست عن القيام به، فإن مدة علاج المرض النفسي للطفل قد تطول، وهو ما يعني التأثير سلبًا في حياة الطفل
ومستقبله ككل. 

المصدر
Talk About Mental Health Mental illnessPROBLEMS AT SCHOOLTips for Talking With and Helping Children and Youth Cope After a Disaster or Traumatic Event: A Guide for Parents, Caregivers, and Teachers
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق