ترياق الأمراض النفسية

رهاب التعرض للاستهزاء والسخرية | جلوتوفوبيا

في إحدى الليالي الصيفية كنت برفقة العائلة في طريقنا إلى البيت؛ نتجاذب أطراف الحديث وتتعالى أصوات ضحكاتنا، وبينما نحن كذلك مرت هي بجوارنا مسرعةً -امرأة مسنة- ثم توقفت فجأة وصاحت: 

لماذا تضحكون  عليّ؟!

ألم تروا امرأةً مسنةً تمشي في الشارع قط؟!

أم تضحكون على هيئتي وملابسي؟!

وانطلقت وهي لا زالت تهدر بهذا الصياح تاركةً إيانا وسط حالةٍ من الذهول وعدم الفهم. 

بعد مرور أعوامٍ على هذا الموقف؛ عرفت أنها ربما كانت تعاني “رهاب التعرض للاستهزاء والسخرية”.

في هذا المقال، نتحدث بالتفصيل عن كل ما يخص رهاب التعرض للاستهزاء والسخرية (الجلوتوفوبيا) من أسبابٍ وأعراضٍ وتشخيصٍ وعلاج.

ما هو رهاب التعرض للاستهزاء والسخرية (Gelotophobia)؟ 

عُرف رهاب التعرض للاستهزاء والسخرية في نهاية القرن التاسع عشر كواحدٍ من أنواع “الرهاب الاجتماعي” المشهور.

ويرجع تسميته بالجلوتوفوبيا إلى أصلٍ إغريقي؛ فمقطع geloto يعني “الضحك” وبذلك تكون الترجمة الحرفية للمصطلح هي “الخوف من الضحك”. 

رهاب التعرض للاستهزاء

ويعاني مريض الجلوتوفوبيا من خوفٍ مرضي من التعرض للسخرية أو الاستهزاء من قبل الآخرين؛ ذلك الخوف الذي يعيق سير حياته بشكلٍ طبيعي. 

ولا يتوقف الأمر على مجرد الخوف من التعرض للاستهزاء؛ بل يصل أحيانًا إلى عدم قدرتهم على التفرقة بينه وبين المزاح المعتاد.

هذا بجانب ردود الأفعال المبالغ فيها بشدة عند بعضهم؛ فمن الممكن أن تسبب لهم أصوات ضحكات الغرباء نوباتٍ شديدة من الهلع وهذا لأن السخرية منهم هي التفسير الوحيد الذي يمتلكونه لتلك المواقف.

لمعرفة المزيد من أنواع الفوبيا المختلفة اقرأ: أنواع الفوبيا – كلنا مصابون!

أسباب رهاب التعرض للاستهزاء والسخرية

على عكس ما يتوقعه البعض؛ فإن الجلوتوفوبيا من أنواع الرهاب المنتشرة بين الكثير منا حتى وإن لم يدركوا ذلك. فتشير الإحصائيات أن نسب انتشارها تتراوح تقريبًا من واحدٍ إلى ثلاث عشرة بالمئة؛ وتختلف تلك النسبة باختلاف المجتمعات والعوامل المؤثرة الأخرى.

ويمكن أن نُجمل العوامل المسببة لظهور هذا النوع من الرهاب في النقاط التالية:

  • عوامل اجتماعية: 

تزيد نسب الإصابة بالجلوتوفوبيا في الدول والأماكن التي تنتشر بين أفرادها العنصرية بأشكالها المختلفة. فالسخرية التي يتعرض لها الكثير من الأفراد نتيجة اختلاف اللون أو العرق أو الجنس تغذي هذا الرهاب وتنميه.

  • عوامل تربوية: 

تلعب أساليب التربية المختلفة التي يتبعها الآباء والأمهات دور مهم في تكوين شخصيات الأطفال، وتؤثر بشكل كبير على صحتهم النفسية.

فالأطفال الذين ينشَؤون في أسرٍ متحكمة تفرض أساليب حماية مختلفة عليهم؛ هم الأكثر عرضة عن غيرهم لرهاب التعرض للاستهزاء والسخرية. 

عوامل تربوية
  • عوامل نفسية: 

يصاحب ظهور الجلوتوفوبيا في الكثير من الأحيان العديد من الأمراض النفسية، مثل:

  1. الرهاب الاجتماعي.

للمزيد من المعلومات عن الرهاب الاجتماعي يمكنك قراءة: حقيقة الرهاب الاجتماعي

  1. التعرض لصدمات عصبية مرتبطة بحوادث تنمر متكررة.
  2. الأمراض العصابية، مثل: البارانويا؛ التي تلعب الهلاوس والضلالات المصاحبة لها دور هام في تغذية المرض.

لمعرفة المزيد عن البارانويا اقرأ: البارانويا ونظرية المؤامرة

  • عوامل مرضية 

يرجع بعض العلماء ظهور الجلوتوفوبيا لوجود خلل بنشاط المخ يجعله أقل قدرة على التمييز بين الفكاهة العادية وبين السخرية والاستهزاء.

فمن خلال دراسة أجري فيها تخطيط كهربي لدماغ بعض مرضى الجلوتوفوبيا -في محاولة لكشف نشاط المخ في أثناء التعرض لمثيرات هذا الرهاب مثل الضحك- لوحظ نشاطٌ زائد عن العادة في المسار العصبي الذي يربط بين القشرة الأمامية الجبهية للمخ والقشرة الخلفية له.

  • عوامل مرتبطة بالشخصية: 
  1. ضعف الثقة في النفس.
  2. تدني القيمة الذاتية.
  3. افتقاد الشخص لمهارات التواصل الاجتماعي المختلفة.

أعراض الجلوتوفوبيا

تختلف حدة أعراض رهاب التعرض للاستهزاء والسخرية من شخصٍ لآخر؛ فأحيانًا تكون طفيفة بالكاد يمكنك اكتشافها، وفي أحيانٍ أخرى تكون في غاية الوضوح.

فهناك من يقتصر عليه ظهور علامات الارتباك والخوف والإحراج في جلسات الضحك والفكاهة المعتادة، وهناك من تدفعه أصوات ضحك من حوله للجنون.

ويمكن أن نوجز أعراض رهاب التعرض للاستهزاء والسخرية فيما يلي:

  1. الشعور بالوخز أو الألم.
  2. القلق والتوتر.
  3. ضعف التركيز.
  4. الإرهاق الشديد.
  5. التعرق الزائد وفقدان القدرة على التنفس بشكل طبيعي.
  6. الشعور بصداعٍ مزمن.
  7. الشعور بجفاف في الفم.
  8. تقلبات مزاجية.
  9. اضطراب في ضربات القلب.
  10. الانعزال عن المجتمع.
أعراض الجلوتوفوبيا

الآن، بعد معرفة أسباب وأعراض رهاب التعرض للاستهزاء والسخرية؛ ننتقل إلى أهم جزء في المقال وهو التشخيص والعلاج.

كيف يمكن تشخيص رهاب التعرض للاستهزاء والسخرية؟

يعتمد علماء النفس في تشخيص هذا النوع من الرهاب وفي معرفة حدته على نموذج مشهور وموحد يسمى

 “GELOPH”.

 يتكون هذا النموذج من حوالي خمسة عشر موقفًا يُقَيَّمون من قبل المريض على حسب حدتهم من رقم واحد إلى أربعة.

  1. أشعر بالريبة والخوف عندما يضحك من حولي.
  2. أخاف أن أظهر نفسي في العلن خشية أن يدري الناس بشعور الخوف الذي يتملكني.
  3. أتجنب النظر في عيون الآخرين خوفًا من تقييمهم القاسي لي.
  4. أفقد القدرة على السيطرة على نفسي عندما يحاول الآخرون المزاح معي.
  5. أجد صعوبة في التصرف بشكل طبيعي عندما يحاول الآخرون الضحك معي.
  6. أحاول التحكم في نفسي وأخشى أن يأخذ الآخرون عني انطباعًا سخيفًا.
  7. أعتقد أنني لا إراديًا أترك انطباعًا مضحكًا لدى الآخرين.
  8. أتجنب مشاركة حياتي مع الآخرين على الرغم من شعوري الدائم بالوحدة؛ خوفًا من التعرض لسخرية.
  9. أتجنب الذهاب لأي مكان شعرت فيه بالإحراج سابقًا.
  10. أتجنب الحديث خوفًا من التفوه بأي حماقة.
  11. أجد صعوبة في التعامل مع الأشخاص الذين ضايقوني سابقًا.
  12. أحتاج الكثير من الوقت لتجاوز مواقف السخرية والاستهزاء.
  13. أخشى أن يشاهدني أحد عند الرقص أو المرح مع الآخرين.
  14. أنا حذر جدًا من الظهور أو التصرف بشكل غير لائق.
  15. أفقد قدرتي على التصرف بشكل طبيعي عند ارتكاب حماقة ما.

كيف يمكن علاج رهاب التعرض للاستهزاء والسخرية؟

يقدم العلاج النفسي يد المساعدة لمرضى رهاب التعرض للاستهزاء والسخرية، وتشير الكثير من الدراسات إلى أن نسب الشفاء كبيرة إلى حد ما. 

وهناك الكثير من أساليب العلاج النفسي المستخدمة في علاج هذا النوع من الرهاب، من أشهرها: 

العلاج المعرفي السلوكي: 

يساعد العلاج المعرفي السلوكي في تغيير إدراك المريض للمشاعر والمعتقدات السلبية المسببة للرهاب، وترسيخ معتقدات بديلة.

بالإضافة لذلك، يلعب هذا النوع من العلاج دورٌ هام في تعليم المريض مهاراتٍ عدة تساعده على التعامل بشكل سليم مع الرهاب.

العلاج النفسي الديناميكي:

يساعد هذا النوع من العلاج في اكتشاف الأسباب الدفينة التي تقف وراء ظهور الرهاب ومحاولة حلها.

برامج تغيير المعتقدات “Changing Limiting Beliefs (CLB) Programme”

تهدف تلك البرامج إلى التعرف على أسباب الرهاب، وتساعد المريض على التخلص منها عن طريق إدارة المعتقدات والمشاعر والأفكار وأنماط التفكير السلبية بشكل فعال. 

في مقال جلسات العلاج النفسي بين السينما والحقيقة ستجد المزيد من المعلومات عن أهمية جلسات العلاج النفسي وأنواعها.

في نهاية المقال يمكننا القول أن: 

الجلوتوفوبيا هي إحدى أشكال الرهاب المنتشرة في الكثير من المجتمعات.

توجد الكثير من الأسباب التي تقف وراء ظهور رهاب التعرض للاستهزاء والسخرية، أهمها: التنمر والعنصرية.

للتربية السوية والسليمة دور أساسي في حماية طفلك من مختلف أنواع الرهاب عامة ومن الجلوتوفوبيا خاصة.

وفي الختام، هناك شعرة فاصلة بين المزاح والضحك وبين السخرية والاستهزاء حاول ألا تتعداها، وارفق بمن حولك؛ فلربما يكون من بينهم مريض جلوتوفوبيا وأنتَ لا تعلم!

المصدر
People with This Phobia Suffer from a Fear of Being Laughed atGelotophobia Counselling WolverhamptonAfraid of Being Laughed At? You’re Far From Alone
اظهر المزيد

د. مروة إسماعيل

مروة إسماعيل صبري، طبيبة بيطرية وكاتبة محتوى طبي، مهتمة بالبحث في مختلف العلوم الطبية وتبسيطها وإثراء المحتوى الطبي العربي.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق