مفاهيم ومدارك

هل تعاني رهبة المسرح ؟ لست وحدك!

هل سبق أن شعرت كأنك ستبتلع لسانك، ولن تستطيع إكمال جملة واحدة ذات معنى أمام جمع من الناس، لأنك تشعر بـ”رهبة المسرح“؟

لست وحدك عزيزي القارئ؛ فأنت الآن تشارك واحدًا من أعظم وأشهر الزعماء السياسيين الذين عرفهم التاريخ، إنه “المهاتما غاندي”!

لعلك كنت ستحب أن تشاركه بعض الحكمة أو السياسة، أو القيادة ربما، لكن لا بأس.

قبل أن يشتهر “غاندي” بقيادته حركة التحرير في الهند وقيامه بتأسيس الهند الحديثة، كانت له بعض المواقف التي طوَّرت عنده رهاب التحدث أمام الجمهور، لدرجة أنه لم يستطع إكمال كلمة قصيرة كان يلقيها في لندن أمام جمع من الناس، بل توقف عن الحديث بعد جملة واحدة فقط، وطلب من شخص آخر إكمالها بدلًا منه!

لكن تُرى ما الذي حوَّل ذلك الشخص المتردد -عند التحدث أمام الجمهور- إلى قائد عظيم ومتحدث لبِق؟ وكيف استطاع تخطي رهبة الجمهور؟

في هذا المقال، نتحدث تفصيلًا عن رهبة المسرح، ونتناول أسباب الخوف من التحدث أمام الجمهور، وكيف يمكن علاج رهبة الجمهور، فتابع معنا…

ما هي رهبة المسرح ؟

جزء من فطرتنا الطبيعية كبشر أننا نهتم لسُمعتنا، وللانطباع العام عنَّا عِند الغير. لذا، يضعنا رهاب المسرح في اختبار عن (كيف سأبدو أمامهم عندما أتحدث؟ هل أكون أحمقًا أو سيئًا للغاية بنظرهم؟!).

وكرد فعل طبيعي لجسدك في هذا الموقف، تتطور لديك استجابة الكرِّ أو الفرِّ (الهرب أو القتال)؛ وهي عملية لا إرادية تؤثر في مستوى هرمونات التوتر لديك. لذا، تجد أنك ربما تفضل الهرب من الموقف قبل أن تصعد لمواجهة الجمهور.

اقرأ أيضًا: رهاب التعرض للاستهزاء والسخرية.

هل رهبة المسرح نوع من الفوبيا؟

هل رهبة المسرح نوع من الفوبيا؟

تُصنَّف رهبة المسرح كجزء من “الرهاب الاجتماعي“، إذ يعاني الشخص القلَق والتوتر قبل أو خلال تقديم فقرة ما أمام جمهور، لكنها لا تُعَدُّ فوبيا -أو رهابًا- بمعناها الدقيق.

لكن في الحالات الشديدة من رهاب المسرح، يمكن أن يعاني الشخص “فوبيا التكلم”، ويُطلَق عليها “جلوسوفوبيا“؛ وهي رهبة الشخص من حكم الناس عليه، أو مراقبتهم له في المواقف الاجتماعية.

تفسير رهبة المسرح

عندما توضَع في مواجهة التحدث أمام الجمهور، تعمل استجابة القتال أو الهرب تلقائيًا بجسدك، لتحفيز “الغدة النخامية” بالمخ لإفراز “الهرمون المنشط للغدة الكظرية”، والذي يحفز بدوره إفراز هرمون “الأدرينالين” ليندفع في دمك بكميات كبيرة، فيزيد مستوى توترك، ويجعلك تمُرُّ بالأعراض التالية:

  • جفاف الفم.
  • تعرُّق اليدين والقدمين.
  • تسارع ضربات القلب وزيادة معدل التنفس.
  • ارتعاش الصوت والشفتين واليدين والقدمين.
  • الغثيان وتوتر المعدة.
  • اتساع حدقة العين، مما يجعل من رؤية الأشياء القريبة أمرًا شديد الصعوبة؛ فلا تستطيع قراءة ملاحظاتك من ورقة في أثناء الإلقاء، أو رؤية شرائح العرض التقديمي على سبيل المثال.

أسباب رهبة المسرح

تتعدد أسباب الخوف من التحدث أمام الجمهور من شخص لآخر تبعًا لعوامل كثيرة؛ فيمكن أن تكون العوامل جينية (إذ يُولَد بعض الأشخاص بدرجة أكبر من الاستعداد لتطور بعض أنواع الرهاب)، أو صفات شخصية، أو عوامل بيئية. 

النقاط التالية توضح بعضًا من أشهر أسباب رهبة المسرح:

لم تستعد جيدًا

لا شيء يمكن أن يفسد كلمتك أو أداءك أمام جمهور مثلما يفعل إهمالك الاستعداد الكافي. لذا، أول نصيحة لتتعلم كيف
تكتسب مهارة التحدث أمام الجمهور هي أن تبذل جهدًا كافيًا لتكون جاهزًا.

“بيل جيتس” كان يستعد مئات المرات قبل إلقاء أية خطاب له. لذا، ما تراه أنت وتنبهر به من وراء الشاشات،
هو جهد ساعات طويلة من التدريب والتلخيص والمراجعة.

تخاف التحدث أمام عدد أكبر من الناس

قد تكون متحدثًا جيدًا في دائرة أصدقائك وزملائك، لكنك تفقد زمام الأمور عند مواجهة الجمهور بأعداد كبيرة،
وهو أمر شائع جدًا لدى الكثيرين.

لكن لعل ما تحتاجه هو سؤال نفسك: ما الفرق بين هؤلاء الناس وبين دائرتك المصغرة؟ طالما أنك يمكنك التحدث إلى
كل منهم بمفرده أو في مجموعات صغيرة، فلن يكون هناك فرق عند اجتماعهم سويًا أمامك.

أعلم أن رهبة النظر إلى عدد أكبر ينصت إليك ليست هينة، لكن لا تقلق؛ يمكنك التركيز على التحدث إليهم وليس إبهارهم!

تُفكِّر في حُكم الناس عليك

تذكَّر دائمًا أن مَنْ يختار حضور جلسة أو لقاء ما، ينتظر الفائدة المرجوة من إنفاق وقته في هذا الأمر. لذا،
فهو لا يهتم بك؛ المهم هو ما ستقدمه له.

بالطبع كونك متوترًا -لدرجة إفساد كلمتك- سيؤثر في انتباه وراحة الحضور، لكنهم ينتظرون ما تستطيع تقديمه بشغف واهتمام.

تُفكِّر في تجاربك السابقة

مرورك بفشل في إكمال حديث سابق -أو عدم أدائه بشكل جيد- يساهم في زيادة رهبة المسرح لديك.

هل تعلم ماذا فعل “غاندي” بعد إخفاقه في إلقاء كلمته التي تحدثنا عنها؟ أخفق في المرة التي تليها، وأخفق مجددًا في مرة أخرى، لدرجة أنه اضطر إلى الهرب من قاعة المحكمة قبل إلقاء مرافعة في إحدى القضايا!

هكذا يكون الاستسلام للخوف، والتفكير في سوابق الفشل، وغياب ما سواه عن محيط رؤيتك.

ربما يكون الوقت مناسبًا لبعض الأغنيات الحماسية هنا لتخبرك بأنك تستطيع فعل أي شيء، لكن تذكَّر أن أهمية إلقاء
كلمة ما ربما تستطيع تقديم قيمة من ورائها، أو نشر علم، أو الدفاع عن قضية، كلها أسباب كافية تستحق محاولتك.

اقرأ أيضًا: منطقة الراحة (comfort zone)| مكان مريح بلا طموح!

كيف يمكن اكتساب فن التحدث أمام الجمهور؟

بقليل من البحث على الشبكة العنكبوتية، ستجد الكثير من النصائح الذهبية لاكتساب فن التحدث أمام الجمهور؛
فما بين متابعة الخطباء اللبقين، أو تعلُّم مهارات إبهار مَنْ أمامك، تتعدد الآراء في هذا الأمر.

لكن دعنا نفكر فيها بشكل آخر، بالنظر إلى الطبيعة المشكلة، تجد أنها على الأغلب تتركز في طريقة رؤيتك لنفسك،
وفي مهاراتك الاجتماعية، وأفكارك عن رؤية الناس إليك.

لذا، لعلاج فوبيا التحدث أمام الجمهور، ضع في اعتبارك النقاط التالية:

لا تشاهد “لقاءات تيدكس – TEDx talks” لتتعلم فن الإلقاء

قد ينصحك البعض بهذا لتطوير مهاراتك، لكنك ستشاهد أناسًا يمتلكون قدرات كبيرة -وربما استثنائية- في الإلقاء
بشكل موجز. لكن، هل هذا ما تحتاجه؟ تعلُّم كيف تُبهِر الجمهور؟!

ربما، وربما يكون ما تحتاجه هو إيصال المعلومة لهم بشكل جيد، ربما تحتاج إلى التعبير عن نفسك، وليس تقليد جمل
وحركات لأناس مبهرين.

لذا، إن كنت ستتأثر سلبًا أو تُصاب بإحباط لصعوبة وصولك إلى هذا المستوى، لا تُثقِل على نفسك بوضعه كهدف
محفِّز لك.

تذكَّر القيمة وراء ما ستقدمه

لعل ما جعل “غاندي” يتغلب على رهبة المسرح هو إيمانه بأهمية إيصال أفكار التحرير إلى شعبه والدفاع عنهم.

ولعل (غاندي) الكامن بداخلك يستطيع تغيير موقف ببعض أفكاره، لعلك تنقذ أشخاصًا، أو تُحقق نجاحًا لشركتك،
أو حتى تحصل على وظيفة تحلم بها بعد اجتياز العرض التقديمي هذا.

لذا، فإن أكبر محفز لك لاجتياز رهبة المسرح هو التفكير في قيمة ما ستقدمه، والتركيز على إيصاله بإيجاز ووضوح
لجمهورك قبل أن يتشتت انتباههم.

استعد جيدًا قبل مواجهة الموقف 

حاول محاكاة الأجواء التي ستُلقي فيها كلمتك، كأن تتدرب على إلقائها وأنت مرتدٍ الزي الذي اخترته لهذا اللقاء،
وفي نفس عدد الدقائق المسموحة لك تمامًا، هل ستلقيها وأنت جالس أَمْ ستكون حر الحركة؟ تدرَّب مرارًا وتكرارًا كي
يستطيع عقلك استعادة كُل تفصيلة تدربت عليها؛ فتتحرك بشكل تلقائي.

انتبه للغة جسدك وأنت تتحدث 

في حالة التوتر، ستجد أنك تميل إلى الانكماش بجسدك وضم يديك وخفض رأسك؛ كل هذه الحركات التلقائية توصل
رسائل سلبية لعقلك ولجمهورك معًا. لذا، تجنَّب هذه الرسائل، وتذكَّر الابتسام من حين لآخر، فهذا يعطي انطباعًا بمزيد من الثقة.

للمزيد اقرأ: أسرار لغة الجسد | اكتشف ما يخفيه الآخرون!

جرب وضعية البطل الخارق

قد تتعجب من هذه النصيحة؛ فأنت تريد أن تؤدي أداءً جيدًا، لا أن تكون بطلًا خارقًا، ولا أن تبهر الجمهور! لكن لنقُل أن هذه الوضعية تقلل من توترك، إذ تساعد جسدك على التمدد بشكلٍ كافٍ. 

جرِّب وضع يديك على جانبيك، وفرد كتفيك وظهرك، ورفع رأسك لأعلى. وإذا كنت ستشعر بالحرج من اتخاذ هذه
الوضعية أمام الناس، يمكنك تجربتها في غرفة مغلقة قبل صعودك إلى خشبة المسرح.

وتذكَّر المرات التي تقف فيها مستمعًا لأحدهم، هل تركز على طريقته وتوتره وشعوره بالحرج؟ أَمْ تندمج في المحتوى
المقدَّم؟ هكذا يكون شعور جمهورك عندما تُوضَع تحت الأضواء.

لذا، خذ نفسًا عميقًا، أرخِ جسدك جيدًا، لا تفكر في طريقة أدائك، واستعد؛ فمجرد أن تبدأ أول كلماتك،
ستجد التوتر قد فر هاربًا، وحل محله ما ذاكرت جيدًا، لتنطلق وتؤدي أفضل مما تخيلت!

المصدر
Stage FrightStage Fright (Performance Anxiety)Amazing Leaders Who Once Had Stage Fright — And How They Overcame It3 Essential Tips for Overcoming Public Speaking Anxiety10 Causes of Speech Anxiety that Create Fear of Public SpeakingConquering Stage Fright
اظهر المزيد

د. آلاء عمر

آلاء عمر، صيدلانية، أم، وكاتبة محتوى طبي، أهدف إلى إيصال المعلومة الطبية للقارئ بسهولة وزيادة الوعي الطبي لدى الناس. مهتمة بمجال الصحة النفسية وما يخص الطفل والمرأة طبياً. مؤمنة بقدرة الإنسان على اكتساب الوعي والتغيير الإيجابي للإرتقاء بمستوى حياته للأفضل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق