ترياق الأسرة

نظرة حول سلبيات عمل المراهقين

شاب في السادسة عشرة من عمره، يعمل في مطعم للوجبات السريعة، وذات ليلة غاب زميلاه عن العمل؛
مما اضطره إلى حمل حاوية الشحوم الساخنة بمفرده لتصفيتها…

وعندما وصل إلى الباب، ومد يده ليفتحه؛ انزلقت الحاوية من بين يديه وانكسر الغطاء، فانسكبت الشحوم الساخنة على معظم جسده وأصيب الشاب بحروق شديدة!

وشاب آخر في الخامسة عشرة، كانت وظيفته لصق أكواد الأسعار على البضاعة المعروضة في أحد المَحَالِّ التجارية…

وقد اعتاد استخدام سلم خشبي للوصول إلى الأرفف العالية، وفي يوم، بينما كان بالأعلى لممارسة مهامه، إذا برف يسقط فوقه فيختل توازنه ويسقط على الأرض متأثرًا بكسور بالغة!

أطفال على أعتاب الشباب، تُرى ما الذي يدفعهم للعمل في مرحلة المراهقة المبكرة؟!

وأيًا كان السبب، هل هناك بيئة عمل مناسبة لهم حقًا وتضمن سلامتهم وحقوقهم؟!

عزيزي القارئ… 

إن مشكلات المراهقين النفسية والاجتماعية بالغة الأهمية، وتثقل كاهل الوالدين، ودورنا في هذا المقال تسليط الضوء على أحد هذه الجوانب، ألا وهو سلبيات عمل المراهقين.

اقرأ أيضًا: صحة المراهقين النفسية | تحدي الآباء الأكبر!

في البداية، قد يرغب المراهقون في العمل لأسباب متنوعة، وقد أفاد أكثر من نصفهم في العديد من الإحصاءات
أن مشاركتهم في العمل دائمًا ما تكون مدفوعة بالرغبة في شراء بعض الأشياء. 

فعادةً ما ينفق المراهقون أموالهم على ملحقات السيارات أو الأنشطة الترفيهية أو الملابس، ومنهم من يدخر
من أجل تغطية نفقات تعليمهم أو مساعدة أسرهم على نفقات المعيشة (مثل دفع إيجار المنزل أو المَحَالِّ التجارية).

في الواقع، لقد درس علماء النفس وعلماء الاجتماع والاقتصاديون موضوع توظيف المراهقين على أسس منهجية،
وبحثوا عن كل الإجابات المحتملة للسؤال الشاغل: “هل هناك فائدة جوهرية من عمل المراهقين؟”. 

وقد انقسمت الآراء إلى أربع إجابات:

الإجابة الأولى

جاءت إيجابية للغاية؛ وتتوافق إلى حد بعيد مع ما يعتقده الشباب وأولياء الأمور الذين لديهم حالة من الرضا الوظيفي.

فقد رأى المراهقون -في هذه المجموعة- أن التوظيف يساعدهم على تطوير العديد من المهارات والسمات الشخصية، مثل: 

القدرة على تحمل المسؤولية، وإجادة مهارات إدارة الوقت، والتغلب على الخجل في التعامل، وإدارة الأموال والمصروفات. 

إضافةً إلى ذلك، فإن التوظيف يجعلهم يشعرون بأنهم أصبحوا بالغين -على الأقل في أثناء وجودهم في بيئة العمل.

وهكذا نجد أن العمل قد يكون حلًا مناسبًا لكثير من مشكلات المراهقين النفسية والاجتماعية، حسب رأي هذا الفريق.

الإجابة الثانية

نفت وجود أي أهمية تذكر؛ وذلك لأن سلبيات عمل المراهقين تحمل الكثير من المخاطر -كما روينا في القصص السابقة.

ورأى المساندون لهذا الرأي أن زيادة ساعات العمل ربما تجعل المراهقين ينخرطون في مجموعة واسعة من السلوكات الخاطئة، مثل: التدخين وتعاطي المخدرات.

وسوف نستعرض بعض السلبيات الأخرى بالتفصيل لاحقًا.

الإجابة الثالثة

هي أن العمل في مرحلة المراهقة المبكرة لا يحدث فرقًا كبيرًا في تطور الأبناء ونموهم بصورة سليمة، وأن الأمر
قد يكون نسبيًّا عندما يُنظر إليه من ناحية “الفوائد” مقابل “الأخطار”.

فقد يدخل المراهقون المرحلة الثانوية ولديهم اهتمامات وأهداف أكاديمية قوية، وإذا كانوا يعملون فحتمًا سيحدون
من ساعات عملهم حتى لا يعرضوا درجاتهم للخطر. 

وعلى النقيض، فإن أولئك الذين يختارون العمل لساعات طويلة يقل اهتمامهم بالمدرسة، ويحصلون على درجات أقل في الدراسة.

ووفقًا لهذا المنظور، فإن أهمية مرحلة المراهقة في تكوين شخصية الأبناء وتحديد مستقبلهم يحتم التفكير الجاد
في النتائج المنشودة من هذا القرار، وذلك بعد النظر إلى سلبيات عمل المراهقين.

الإجابة الرابعة

أوضحت أن عمل المراهقين له عواقب مختلفة اعتمادًا على السمات الشخصية وظروف النشأة.

ولفهم عواقب عمل المراهقين بطريقة أوضح؛ يجب دراسة :

  • التجارِب الخاصة للشباب في أثناء العمل.
  • درجة المكاسب المادية.
  • الخلفيات الاجتماعية للمراهقين.
  • الموقف الأكاديمي.
  • الدوافع للعمل.
  • بالإضافة لتحديد نوعية العمل وعدد ساعاته.

فمثلًا، قد يكون العمل في أثناء الدراسة الثانوية مفيدًا جدًّا لأولئك الشباب الذين لا يولون اهتمامًا بالغًا بالدراسة الجامعية، وليس لديهم الموارد الكافية لمتابعة الدراسة أربع سنوات على الأقل للحصول على درجة جامعية.

وعندها فإن الاستقرار في وظيفة أو العمل في مهنة محددة سيوفر فائدة اجتماعية واقتصادية أكبر من متابعة التعليم العالي والتأسيس الوظيفي لاحقًا، وسيكون الأمر إنجازًا كبيرًا لهم.

وهناك أيضًا طلاب جامعيون يواصلون العمل إلى جانب الدراسة؛ لدعم أنفسهم والتمكن من دفع الرسوم الدراسية.

سلبيات عمل المراهقين

إن أهمية مرحلة المراهقة في حياة الأبناء وحساسية التعامل معها؛ يجعلان منها فترة عصيبة على المراهقين وعلى كل من حولهم.

وبناء عليه، نناقش سلبيات عمل المراهقين من جميع النواحي؛ بغرض المساعدة على اتخاذ القرارات السليمة بشأنهم ومعرفة كل العواقب المحتملة.

  1. انخفاض القدرات التعليمية

تُظهر البحوث أن الطلاب الذين يعملون أكثر من 20 ساعة في الأسبوع لديهم متوسط ​​درجات أقل من الطلاب الذين يعملون 10 ساعات أو أقل أسبوعيًا.

فربما يفرض التوظيف قيودًا على دراسة الطالب وأوقات نومه، وقد يتعين على المراهق السهر حتى وقت متأخر لإنهاء واجباته المدرسية، أو ربما يبذل جهودًا أقل في الدراسة بسبب العمل، أو قد ترتفع معدلات التغيب عن العمل وتنخفض المشاركة المدرسية على حد سواء.

  1. تكوين انطباع سلبي عن العمل

لسوء الحظ، قد يكون صاحب العمل شخصًا مستغلًّا، فيأخذ المراهق انطباعًا سلبيًّا عن التوظيف. 

وقد أظهرت دراسات أن المراهقين قد يصبحون ضحايا للتحرش الجنسي عند توظيفهم.

وفي جميع الأحوال، قد يؤدي الدخول المبكر في بيئة عمل سلبية أو قاسية إلى تكوين آراء سلبية عن العمل، وسيعتمد هذا -إلى حد بعيد- على مستوى نضج المراهق ونوع الوظيفة التي حصل عليها.

  1. ارتفاع خطر تعاطي المخدرات والكحول

 تشير البحوث إلى أن نسبة تعاطي المخدرات ترتفع بين المراهقين الذين يعملون 20 ساعة أو أكثر في الأسبوع. 

يعزى ذلك إلى أن الأموال الإضافية والمسؤوليات قد تدفع بعضهم إلى خيارات خاطئة، كالتدخين أو تناول الكحوليات أو المواد المخدرة… 

وكلها ممارسات نابعة من ظنهم بأنها خطوات قوية نحو النضج، وما هي إلا مؤشرات على “النضج الكاذب”! 

  1. الفرص الضائعة

 إن الارتباط بعملٍ ما يمكن أن يسلب فرص تجارِب أخرى، فقد يصعب معه المشاركة في فريق رياضي أو عمل تطوعي أو أي أنشطة فنية -مثل الأعمال المسرحية وغيرها-.

  1. زيادة التوتر

قد تسبب ساعات العمل الطويلة إرهاقًا للمراهق، بينما الغرض من الوظيفة هو منحه المزيد من الحرية عن طريق كسب أمواله الخاصة، فإذا لم يكن لديه الوقت لإنفاق هذا المال والاستمتاع به؛ فما الفائدة من العمل؟! 

سلبيات عمل المراهقين

كيف يمكن للوالدين مساعدة أبنائهم واتخاذ القرار المناسب؟

  • يؤدِّي الوالدان دورًا مهمًّا في تقييم ما إذا كان ابنهم المراهق مرشحًا مناسبًا للعمل أم لا، فقد لا يناسب هذا القرار جميع الأبناء.
  •  إذا كان ابنك المراهق يعاني الإجهاد وأعباء الدراسة؛ ربما لا يكون العمل هو القرار الأفضل، ويمكن اقتراح فكرة العمل على سبيل التجربة أولًا ثم تقييم الوضع.
  • قد تلمع صورة الأموال في أذهان بعض المراهقين، ولكنهم لا يفكرون كثيرًا في النتائج الفعلية لعملهم، فعليك بتوعيتهم بحقيقة الأمر.
  • يفتقر بعض المراهقين إلى مهارات إدارة الوقت، لذلك يمكن للوالدين التدخل ببعض التوجيهات الحكيمة؛
    لمساعدة أبنائهم على إدارة الوقت بطريقة أكثر إنتاجية، مع تخفيف ضغط المسؤوليات، وتقليل الشعور بالإرهاق.

ومن الضروري التأكد أن شروط توظيف ابنك عادلة، وإسداء بعض النصائح له قبل العمل، منها:

  • التوعية بحقوقه وواجباته.
  • الحث على فكرة ألا يسمح إلا بأن يعامل باحترام في أثناء العمل، وأن الاحترام حق متبادل.
  • مساعدته على تمييز الفرق بين طاعة الرئيس في العمل وبين السكوت عن الاستغلال السيئ في العمل.
  • تقديم الدعم المناسب عند الشكوى من صعوبة العمل، كقولنا إن الصبر أول الخطوات نحو بلوغ الغايات،
    وإن صعوبة العمل ليست إلا جزءًا يسيرًا من صعوبات الحياة.

وختامًا… 

إن اتخاذ قرار السماح لابنك المراهق بالعمل ليس يسيرًا! 

فإن كنت في حَيْرَة من أمرك، فقد يكون العمل الصيفي حلًا ممتازًا؛ لأنه لا يتعارض مع الدراسة، ويقدم استغلالًا جيدًا لأوقات فراغه، ويسمح له بالحصول على جميع مزايا العمل دون التداخل مع جداول المدرسة المزدحمة.

المصدر
Teenagers and Part-Time Jobs: Benefits, Drawbacks and Tips The Pros and Cons of After-school Jobs for Teens The Pros & Cons of Teens Getting JobsThe Benefits and Risks of Adolescent Employment Employment in AdolescenceStats and Stories
اظهر المزيد

د. مي جمال

صيدلانية ومترجمة وكاتبة محتوى طبي. أحب البحث والتعلم، ولا أدخر جهداً لمشاركة وتبسيط ما تعلمت للآخرين. أعتز بالنفس البشرية، وأهوى البحث في أعماقها، ولا أجد أبلغ من الكلمات للتعبير عنها ومناقشة قضاياها، مساهمةً في نشر الوعي والارتقاء بحياة البشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق