مفاهيم ومدارك

سلوك الحشد (Deindividuation) | القوى الخفية!

كنت أقلب قنوات التلفاز بملل شديد، ولكن استوقفتني إحدى القنوات الإخبارية التي تبث خبرًا عن اندلاع المظاهرات في أمريكا جرَّاء حادث قتل (جورج فلويد) على يد أحد أفراد الشرطة… 

وتمعنت كثيرًا في تلك المظاهرات التي حشدت الكثير من الناس على اختلاف ألوانهم وجنسياتهم وطبائعهم، وكيف كان سلوكهم  يبدو متشابهًا! 

بالطبع، تختلف سلوكات تلك الأفراد كل على حدة…. 

ولكن، لماذا يميل الأفراد إلى التصرف بشكل متماثل عندما يكونون جزءًا من الحشد وكأن هناك قوى خفية تقودهم؟! 

وهل هناك من يقوم بالتلاعب بالحشود؟! أم أنهم يتصرفون وفق معايير ذلك الحشد؟! 

سنتحدث في السطور القادمة عن تعريف الحشد، وما هو سلوك الحشد، والسلوك الجمعي والمظاهرات، وسنتطرق إلى علم نفس الحشود… فتابع معنا هذا المقال.

تعريف الحشد

هو مجموعة كبيرة من الأفراد، اجتمعوا في مكان محدد من أجل هدف واحد. 

وتختلف خصائص “الحشد” وصفاته عن الخصائص الشخصية لكل فرد من المجموعة.

أي إنه جماعة مؤقتة من الناس يجتمعون على أمر واحد، ويتبادلون التفاعل فيما بينهم.

مثال: عندما تجتمع مجموعة كبيرة من الأفراد لتشجيع ناديهم المفضل؛ فإن هذا الجمع يطلق عليه “حشد”.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

ما هو سلوك الحشد؟

لماذا يتصرف الناس بشكل مغاير لطبيعتهم عندما يكونون جزءًا من الحشد؟!

هذا ما يطلق عليه “سلوك الحشد”؛ إذ يميل الأفراد إلى التصرف بشكل مغاير لطبيعتهم، ويخالف صفاتهم الشخصية عندما يكونون ضمن الحشد.

يعرف سلوكُ الحشد أيضًا بأنه حالة من فقدان الوعي الذاتي للفرد وانغماسه في المجموعة، ويطلق عليه أيضًا “الإمعية”.

يرى علماء النفس أن الإنسان يميل إلى التصرف بطريقة هجومية وسلوك معادٍ للمجتمع عندما يكون جزءًا من الحشد.

تشمل الأمثلة التي توضح سلوك الحشد (Deindividuation):

  • سلوكُ الأفراد في أوقات الطوارئ؛ إذ يميل الأشخاص إلى التصرف بشكل يوافق سلوك الحشد.
  • سلوك المتظاهرين الداعمين لمرشحي  مجلس الشعب.
  • سلوك مشجعي كرة القدم.

علم نفس الحشود

يطلق عليه أيضًا “سيكولوجية الحشود”.

تعد سيكولوجية الحشود أحد فروع علم النفس التي تدرس الطريقة التي يتأثر بها سلوك الفرد عندما يصبح جزءًا من الحشد.

وكان عالم النفس (ليون فستنغر) أول من استخدم مصطلح “الحشد” أو “الإمعية” في ورقة بحثية عام 1952.

يرى (فستنغر) أن الضوابط الداخلية التي توجه سلوك كل فرد تتلاشى عندما يكون الفرد جزءًا من مجموعة.

واقترح الطبيب النفسي (غوستاف لوبون) فكرة أن كونك جزءًا من الحشد قد يغير سلوكك وطريقة تصرفك. 

عندما ينضم الفرد إلى الحشد فإنه يشعر بأن سلوكه لم يعد مقيدًا بالضوابط الاجتماعية المعتادة؛ وهو ما ينتج عنه سلوك متسرع أو عنيف.

ولعلك تتساءل: لماذا يتغير سلوك الإنسان عندما يصبح جزءًا من مجموعة؟

هناك بعض العوامل التي تمهد الطريق لغلبة سلوك الحشد على الفرد، منها:

  • إخفاء الهوية

عندما ينضم الفرد إلى حشد ما فإنه يشعر باختفاء هويته الشخصية وانصهارها في ذلك الجمع؛ مما يمنحه شعورًا بأنه غير معرض للمساءلة. 

وقد يترتب على ذلك انخراطه في سلوك معادٍ للمجتمع أو غير مقبول.

  • العدوى

ويُقصَد بها: انتشار سلوك المجموعة بين الأفراد.

مثال: 

في إحدى مباريات القمة بين فريقي (الأهلي) و(الزمالك)، بدأ أحد المشجعين في إلقاء الألعاب النارية، ومن ثم انتشرت العدوى في أرجاء مدرجات مشجعي الفريقين، وامتلأت الأجواء بالألعاب النارية؛ وهو ما أدى إلى توقف المباراة وإخراج الجماهير من المدرجات.

ويرى علماء النفس سهولة انتشار المشاعر السلبية -مثل الغضب أو الخوف– بين صفوف الحشد مقارنة بالمشاعر الإيجابية.

  • القابلية للإيحاء

اقترح علماء النفس أن الأفراد في المجموعة يكونون أكثر قابلية للإيحاء؛ وهو ما يدفعهم إلى تقليد أفكار أعضاء المجموعة والتأثر بمعتقداتهم، الأمر الذي يفسر فكرة “التلاعب بالحشود”.

مثال: 

في إحدى المظاهرات السلمية للمطالبة بحقوق العاملين في إحدى الشركات، ثم يندس بعض ضعاف النفوس بين صفوف الحشد ويثيرون الشغب، ومن ثم يحدث التلاعب بالحشود، ويشعر الآخرون أن تلك هي الطريقة المثلى لعرض المطالب، ومن ثم تعم الفوضى المظاهرة، ويفشل الحشد في تحقيق مطالبه.

تؤدي تلك العوامل -بالإضافة إلى الافتقار إلى الشعور بالمسؤولية- إلى تلاشي الهوية الشخصية، والانغماس في سلوك الحشد غير المرغوب.

ويزخر “علم نفس الحشود” بالكثير من النظريات التي تقدم تفسيرات لسلوك الفرد عندما يصبح جزءًا من الحشد.

نظرية الهوية الاجتماعية وسلوك الحشد

تقدم لنا نظرية الهوية الاجتماعية تفسيرًا لسلوك الفرد داخل المجموعة.

وفقًا لتلك النظرية؛ فإننا نستمد إحساسنا بكينونتنا من المجموعات الاجتماعية التي ننتمي إليها، ويشعر الإنسان بالارتياح عندما يصنف نفسه عضوًا في إحدى المجموعات الاجتماعية.

اقترح الباحثون (ستيفن رايشر) و(راسل سبيرز) و(توم بوستمز) في ورقة بحثية نُشِرَت عام 1995 أن: 

الأفراد يميلون إلى تصنيف أنفسهم جزءًا من مجموعة؛ وهو ما يؤثر في سلوكهم ويجعلهم يتصرفون وفقًا لمعايير تلك المجموعة.

ولذا؛ يميل الفرد إلى موافقة سلوك الحشد عندما يصبح جزءًا منه.

ولكن تبعًا لهذه النظرية؛ لا يمكن التنبؤ بسلوك الفرد الذي ينتمي إلى المجموعة ما لم نعرف بالفعل السمات المميزة لتلك المجموعة.

تأثيرات سلوك الحشد (Deindividuation)

تخيل معي: 

عندما ينتمي أحد الأفراد إلى إحدى المجموعات الإيجابية التي تهتم بزراعة الأشجار والاهتمام بالبيئة… 

قد يؤدي سلوك الحشد في تلك الحالة إلى كثير من الفوائد الإيجابية، ويرسخ الشعور بالانتماء وتقدير الذات.

ثم تخيل معي انتماء أحد الأفراد إلى إحدى المجموعات التي تثير الفوضى والشغب، وكيف يؤثر ذلك في سلوكه. 

ولعلك تتساءل الآن: 

هل نستطيع تجاهل سلوك الحشد إن كان مدمرًا؟ أو كان لا يتوافق مع المعايير الأخلاقية والاجتماعية للفرد؟

نعم؛ يستطيع الفرد تجاهل سلوك الحشد، ولكن الرغبة القوية في الشعور بالانتماء والهوية القوية للمجموعة يزيدان احتمالية فقدان الفرد لوعيه بذاته وانخراطه في المجموعة.

مثال: 

يعد الحشد الذي يشجع أحد الفرق الرياضية من المجموعات شديدة التحفيز؛ ولذلك عادة ما يتخلى الفرد عن هويته الشخصية عند انخراطه في أحد الأنشطة مع ذلك الحشد، ويميل إلى تقليد سلوك باقي أفراد المجموعة.

السلوك الجمعي والمظاهرات

“السلوك الجمعي” هو المصطلح الذي اقترحه علماء الاجتماع للإشارة إلى مجموعة السلوكات البشرية المتنوعة التي يتشاركها مجموعة من الأفراد.

وعادة ما يكون السلوك الجمعي سلوكًا عفويًا وغير منظم -نسبيًّا-  تنتهجه مجموعة كبيرة من الأفراد الذين يشاركون أفرادًا آخرين أو يقلدونهم.

ويصف السلوك الجمعي سلوك الجماهير في المظاهرات الاحتجاجية أو الحركات الاجتماعية.

ويفسر هذا السلوك الجمعي كيف أن عددًا كبيرًا من الأفراد قادر  على العمل معًا بطريقة تلقائية ونمطية وذات مغزى اجتماعي، وفي الوقت ذاته، كيف يمكن لهذا الحشد أن يحدث تغييرًا اجتماعيًا ونفسيًا.

مثال: 

عندما اندلعت المظاهرات الاحتجاجية في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية منددة بمقتل (جورج فلويد) على يد أحد أفراد الشرطة… 

خرجت جموع الناس يجمعهم هدف واحد، وعلى الرغم من اختلافهم، كان السلوك الجمعي الذي يصف حالتهم واحدًا.

بدت تلك المظاهرات -كمثيلاتها- منظمة؛ إذ طغا عليها نفس النمط، ولكنها أيضًا لم تكن منظمة في بنيانها الداخلي، وكذلك فإنها كانت عفوية وتلقائية؛ إذ اجتمع هؤلاء الناس على غير موعد محدد، ولكن خُطِّط للقيام بها.

سلوك الحشد والفكر الجماعي والامتثال الاجتماعي

يرتبط سلوك الحشد ارتباطًا وثيقًا بالفكر الجماعي والامتثال الاجتماعي للحشد.

ولكن بينما ينطوي سلوكُ الحشد على فقدان الوعي الذاتي؛ ينطوي الفكر الجماعي على الأفكار المتميزة لكل أفراد المجموعة لتُحدِّد الفكر الذي يميز هذا الحشد ويصفه.

ويعد “الامتثال الاجتماعي” صورةً من صور التأثير الاجتماعي؛ إذ يستجيب الفرد لسلوك المجموعة، ولكنه يتميز بكونه محفزًا للشعور بالانتماء، بينما يرتبط “سلوك الحشد” بالسلوكات السلبية عادةً.

مثال: يعد التزام بعض الأفراد بالأعراف الاجتماعية التي ترفض التخريب والصراخ في الأماكن العامة أحد صور التماثل الاجتماعي التي تحفز الشعور بالانتماء.

والآن -عزيزي القارئ-، هل أدركت لماذا يختلف سلوك الفرد عندما يصبح جزءًا من الحشد؟ 

ولماذا يصبح المراهق أكثر اندفاعًا وتهورًا عندما ينتمي إلى مجموعة تحمل تلك الصفات؟ 

ولماذا تندلع أعمال الشغب في مباريات كرة القدم؟ 

وكيف تتحول المظاهرات السلمية إلى الفوضى وإثارة الشغب؟

المصدر
What is Crowd Psychology?DeindividuationSociology: Understanding and Changing the Social World, Comprehensive EditionWhat Is Deindividuation in Psychology? Definition and Examples
اظهر المزيد

د. أمل فوزي

أمل فوزي، صيدلانية، أعمل في الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية. أعشق الكتابة، وأجيد البحث، أستمتع بكتابة المقالات الطبية بأسلوب سلس وبسيط، هدفي الارتقاء بمستوى المحتوى الطبي العربي، ونشر العلم من مصادره الموثوقة لينتفع به القارئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى