مفاهيم ومدارك

سيكولوجية الجماهير – ما بين الهُوِيَّة الشخصية والعقل الجمعي

“(أحمد) عاملٌ بمصنع للغزل والنسيج، يواجه هو وزملاؤه مشكلة جماعية من قبل إدارة المصنع،
حيث أُصدِرَت قرارات بتحويلهم إلى المعاش المبكر وهم في سن صغيرة، فضلًا عن أكل بعضٍ من مستحقاتهم
المالية، مما دفعهم إلى الاعتصام أمام المصنع مطالبًة بحقوقهم.

أحدث (أحمد) وزملاؤه تخريبات عدة من تكسير وحرق واعتداء على أمن المصنع. ما يثير الدهشة هنا أن كل فرد
منهم يتمتع بالخلق الحسن!”.

“(سامِر) شاب عشريني يحضر فرح صديق له برفقة أصدقائه. بينما يعلو صوت الأغاني في القاعة، سمع أصدقاؤه
أغنيتهم المُفضَّلة، فهَمُّوا سريعًا ليرقصوا عليها وجذبوا (سامِرًا) معهم.

(سامر) يرفض الرقص في أي فرح يحضره، بل يكتفي بالحضور، لكنه وجد نفسه متجاوبًا معهم دون إبداء رفضه لذلك!”.

في الموقفين المطروحين أمامنا، نجد أن معتقدات وأفكار الفرد تتنحى جانبًا ويحل محلها التفكير الجمعي،
وهو ما يُعرَف بـ “سيكولوجية الجماهير”. 

نشأة سيكولوجية الجماهير:

بدأ علم سيكولوجية الجماهير في أواخر القرن التاسع عشر تزامنًا مع الثورة الفرنسية، والتي خرج فيها الغوغاء على الحكم الملكي الظالم، ونتج عن خروجهم عنف وفوضى عارمة، فضلًا عن قتل أعداد كبيرة من البشر.

فكَّر علماء الاجتماع في هذه الظاهرة، وأدركوا أن أي فرد من أولئك الناس يستحيل عليه التفكير في الانقلاب على الحكم بمفرده. وبعد تحليل ودراسة الوضع، نشأ علم سيكولوجية الجماهير.

ما هي سيكولوجية الجماهير؟

ما هي سيكولوجية الجماهير؟

تُعرَف أيضًا بسلوك الجماهير، واحتشادهم على قلب رجل واحد، نحو أفعال يستحيل على الفرد منهم سلوكها بمفرده.

فتجد الفرد يذوب في المجتمع؛ فيستغنى عن بعض صفاته وهويته، ويستبدلها بالعقل الجمعي الذي تغلب عليه العاطفة والحماسة عن العقلانية.

نتيجة لتكرار الأحداث المتعلقة بسيكولوجية الجماهير على مدار التاريخ -بدءًا بالثورة الفرنسية، ومرورًا بالنازية-،
وضع علماء الاجتماع نظريات حول سيكولوجية الجماعات، وإلى أي مدى يختلف سلوك الجمهور عن السلوك الفردي.

أشهر النظريات حول سيكولوجية الجماهير

١.النظريات الكلاسيكية:

يعتقد (فرويد) أن سلوك المجموعة يختلف تمامًا عن سلوك كل فرد منها، إذ تزداد حماسة الجماهير بالروح الجماعية،
وتندمج عقولهم لتصبح عقلًا جمعيًا يُفكر بطريقة جديدة تنتج عنها أفعال غير متوقعة.

يرى (غوستاف لوبون)، عالم اجتماع فرنسي في القرن التاسع عشر، أن الدعاية أحد أسباب حشد الجماهير،
ومن أبرز صفاتها: غياب الهُوِيَّة الشخصية، وسيطرة العقل الجمعي المتميز بالانجذاب إلى العواطف والشعارات
النمطية وغياب التفكير المنطقي على الحشود، ما يترتب عليه ممارسة أفعال عدائية وهمجية.

يفترض (غوستاف لوبون) أن هناك مشاعر بدائية -في العقل اللا واعي للفرد- تنتهز الفرصة للانطلاق داخل
الجماهير؛ ما ينتج عنه اندثار هُوِيَّة الفرد، وانخفاض القدرات العقلية للجماعة.

لكن كان لـ (مكافيل كلارك) رأي أخر؛ ألا وهو أن الفكر الجمعي ناتج عن معتقدات أفراده. والدليل على ذلك،
عند محاولة تفريق الجمهور، فإنه ينقسم إلى مجموعات تساعد بعضها.

٢.نظرية نزع/انعدام الفردية:

وهنا يستشهد (ليون فيستنجر) بنظرية (غوستاف لوبون)، إذ أنه لا مكان للاختلافات البشرية بكافة أنواعها بين أفراد
المجموعة؛ فيصبح هؤلاء الأشخاص مجموعة واحدة بعقل واحد، مما يُفسر عدم محاسبة الفرد لنفسه، وتحرره من قيود القيم والمبادئ.

٣.نظرية التقارب:

تختلف نظرية التقارب عما سبقها من نظريات؛ فهي تؤمن بأن الأفراد تتجمع وفقًا لتقارب الفكر والصفات،
وأن سلوكياتهم نابعة من معتقدات ومبادئ الفرد لا من العقل الجمعي.

تُقِرُّ هذه النظرية بأن كل شخص في الجماهير مسؤول عن أفعاله ومحتفظ بهويته الشخصية، وأنه لا مكان للأفعال
الجماعية الناتجة عن الاندماج العقلي اللا واعي للجماعة.

وخير مثال على هذه النظرية، تجمع جماهير شعب بعينه لطرد اللاجئين من بلادهم. إذا بحثنا بشكل أعمق عن هذا
المثال، نجد أن احتشاد الجمهور لم يكن السبب وراء ممارستهم العنصرية البغيضة والعنف ضد اللاجئين؛
بل إن اتفاقهم على نبذ اللاجئين ورغبتهم في طردهم من بلادهم هو سبب الاحتشاد.

يتضح أن سيكولوجية الجماهير ليست عشوائية؛ بل نتيجة معتقدات ومبادئ أفرادها من منظور نظرية التقارب.

٤. نظرية القاعدة الناشئة:

تُنسَب هذه النظرية إلى كلٍ من (رالف ترنر) و(لويس كيلان)، حيث يؤمنان بأن الأفراد تحتشد وفقًا لتقارب صفاتها،
لكن يظل السلوك الجمعي غير متوقع.

تُفسر النظرية السلوك الجمعي غير المتوقع من خلال ظهور معايير جديدة ناتجة عن تفاعل الجماهير،
لكنها لا تلغي الهُوِيَّة الشخصية للفرد، ولا مسؤوليته تجاه أفعاله.

بعد أن تناولنا أشهر النظريات حول سيكولوجية الجماهير، سنعرض بالتفصيل أهم خصائص الجمهور…

خصائص سيكولوجية الجماهير

خصائص سيكولوجية الجماهير

١.فقدان الأفراد هويتهم وقيمهم الناشئين بها.

٢.عدم تحكم الأفراد في أفعالهم ومشاعرهم؛ فهم يشعرون بالأمان في الجماعة، ما يجعلهم يتحررون من الكبت ويُقدِمُون على أفعال يهابونها.

٣.سهولة تأثرهم بالأفكار الحماسية؛ فتصبح مشاعرهم حساسة ومبالغ فيها، سواء كانت إيجابية أم سلبية.

٤.لا يلقون اهتمامًا للكلام العقلاني والمنطقية.

٥.سهولة تصديقهم للشائعات، ومن ثَمَّ سهولة قيادتهم.

٦.انتشار البدائية والفوضى؛ أي ينسى الأفراد تحضرهم في الجماعات.

٧.عدم السماح لأحد بمناقشة معتقدهم أو التشكيك فيه، وإلا سيصبح خائنًا.

احتياج الجمهور إلى قائد أمرٌ لا بُدَّ منه

احتشاد الجماهير يُولِّد الحاجة إلى ظهور قائد يتمتع بهيبة وحضور قوي، ليجذب هذا الفكر الجمعي إليه،
ويوجه طاقتهم لِمَا يريد بقوة إقناعه.

نجد -عزيزي القارئ- أن هناك قادة على مَرِّ التاريخ تمكنوا من فهم سيكولوجية الجماهير، وقادوهم لتنفيذ أفكارهم،
ومن أشهرهم: (نابليون بونابرت)، (هتلر)، و(موسوليني).

ففي ظل غياب المنطق والتفكير العقلي على الأفراد، واشتعال عواطفهم وحساسيتهم الشديدة، يصبح من السهل انقيادهم
خلف قائد يلعب على مشاعرهم وعواطفهم.

كيف يقنع القائد الجمهور المستهدف بنفسه؟

قد يظهر قادة أصحاب أفكار مبتكرة ومنطقية لتطوير البلاد، لكن جهلهم بسيكولوجية الجماهير يقلل من فرص قيادتهم للجمهور.

إليك وسائل لإقناع الجمهور المستهدف بالقائد:

١.اللجوء إلى الكلمات النمطية ذات الأثر النفسي والعاطفي القوي في خطابات القائد أمام الجمهور المستهدف.

خير مثال على ذلك: تقدم مرشحان رئاسيان إلى منصب الرئاسة، أحدهما يتكلم عن المشاكل التي تواجه البلاد،
واقتراحاته المنطقية لحلها. بينما الآخر يعتمد على إلهاب حماس الشعب في خطاباته، من خلال الحديث عن الكرامة
والحرية والعدالة الاجتماعية. ستجد أن المرشح الثاني ذو قاعدة جماهيرية عريضة واحتمالية فوزه بالمنصب قوية.

٢.الانتباه إلى طريقة العرض أكثر من المحتوى المُقَدَّم:

إذا كان القائد رئيسًا ويريد إدخال ضريبة جديدة، فالأفضل أن يُمَهِّد لها بأن جزءًا منها سيكون لمصلحة الفئات الفقيرة،
بالإضافة إلى القيام بإصلاحات في بعض المجالات، بدلاً من فرضها بالقوة.

٣.الاعتماد على نظرية العدوى:

عندما يريد القائد نشر سلوك وفكر غير تقليدي، يبدأ -ومَنْ حولَه- بتبنِّي هذا الفكر، ومن ثَمَّ يسارع الأفراد في تبنِّي
فكرته، وتنتشر عن طريق تقليد الأفراد لبعضهم.

ليس شرطًا أن تكون سيكولوجية الجماهير قائمة على العنف والإجرام؛ ففي بعض الأوقات كان للجماهير دور
بطولي كمحاربة الاحتلال وإنجاز مشروعات قومية ومحاربة الفساد.

يكمن سر توجه الجماهير يمينًا أو يسارًا في مدى صلاح أو فساد القائد؛ فهو من يستغل شعلة حماس ونشاط العقل
الجمعي، ويوجهه وفقًا لنواياه. 

المصدر
Crowd PsychologyMass BehaviorCrowd psychology
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق