ترياق الأمراض النفسية

سُجناء بين قضبان خداع النفس

تعيش (حُسن) في قرية بعيدة عن المدينة التي طالما حلمت بالعيش فيها، لقد كانت تتخيلها مدينة من مدن القصص والروايات. 

ذات يوم، جاء إلى القرية رجل ثري من سكان المدينة، ليقدم منحة لبعض المكفوفين بالقرية. 

سمعت (حُسن) بهذه المنحة، فتذكرت حلمها بالعيش في المدينة، الحلم الذي ظل يراودها ليل نهار. 

ادَّعت (حسن) أنها كفيفة منذ الصغر، وبالفعل اختيرت ضمن الفائزين بالمنحة، وأخيرًا تحقق حلمها بالذهاب إلى المدينة.

لكن (حسن) لم تتمكن من رؤية ما حلمت به، فقد اختارت أن تسجن نفسها بين قضبان خداع النفس كي تشعر بالسعادة الزائفة!

هل حقًا يوجد من يسجنون أنفسهم بين قضبان خداع النفس متوهمين السعادة؟!

هيا بنا نطرق باب خداع النفس في هذا المقال، ونرى ما وراء القضبان…

خداع النفس في علم النفس

لماذا يخدع الناس أنفسهم؟! 

وما هي البنية العقلية التي تجعل شخصًا ما خادعًا ومخدوعًا في آنٍ واحد؟!

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

خداع النفس له عدة أوجه، تختلف من شخص لآخر وتعتمد على الصفات الشخصية؛ إذ يمتزج الاعتقاد الخاطئ التحفيزي الواعي والاعتقاد الحقيقي اللا واعي المتناقض.

حسب نظرية عالما النفس (فون هيبل) و(تريفرز)، قد يتبع الشخص سلوكًا ما ويلجأ إلى الحيل ليبرر بها سلوكه، أو ينكر حقائق تبدو واضحة لدى الجميع مقتنعًا تمامًا بعدم وجودها، أو يعارض الأدلة والحجج المنطقية.

ولكن من خلال الدراسات والأبحاث العلمية عن خداع النفس، تبين أن الدافع وراء اكتساب المعتقدات الخاطئة والاحتفاظ بها والمفاهيم النفسية والألغاز المرتبطة بخداع النفس أمر مقصود وليس عارضًا. 

ومع ذلك، بقدر ما يمثل خداع النفس عقبة أمام فهم النفس البشرية، فهو أكثر من مجرد لغز فلسفي مثير للاهتمام، بل يعكس الضوء على أصحاب الفِكر المضطرب ووجهات النظر المشوهة، التي تبعد كل البُعد عن الأخلاق والمبادئ.

يُثير النمط التقليدي لخداع النفس مُفارقتين، إحداهما تتعلق بالحالة الذهنية لخداع النفس، وتعرف بـ”المُفارقة الثابتة” التي تطرح سؤالًا: 

كيف يمكن لشخص أن يحمل معتقدات متناقضة بصورة متزامنة؟

بينما تتعلق الأخرى بعملية ط خداع النفس، وتعرف بـ”المُفارقة الديناميكية” أو “المفارقة الاستراتيجية”، طارحة سؤالًا آخر: 

كيف يميل الإنسان إلى خداع نفسه دون أن يشعر بتوتر داخله؟ 

تعريف خداع الذات

لا ينظر الإنسان إلى العالم كما هو بل يراه من خلال نفسه وأفكاره ومعتقداته الداخلية التي تؤثر فيه وقد تدفعه إلى خداع الذات. 

وهو أحد الأساليب الشائعة للهروب من المواجهة، أو منع الشعور بالذنب تجاه ضحيته التي يخدعها عن قصد ووعي.

خداع الذات

يستمر الشخص في خداع نفسه ليصل الأمر إلى تعزيز الذات، وهذا هو أكثر أنماط خداع النفس انتشارًا. 

إذ أكد علماء النفس أن المبالغة في تقدير الصفات الحسنة للشخص تبث داخله شعورًا جيدًا عن ذاته، فيخدع نفسه ويتوهم بأنه شخص مميز عن غيره، ويميل إلى تغيير الحقائق ليبرز صِفاته الإيجابية.

أساليب الخداع النفسي

يُتقن الكثير من الأشخاص فن الخداع، ويرون الكذب والتحايل على الآخرين مهارة، ولذلك صار الخداع النفسي منهجًا لهم في الحياة. 

هنا، يأتي دور العقل في خداع الإنسان لتغيير معنى المشاعر والأحاسيس بداخله، فلا يستطيع السيطرة عليها وتصبح خطرًا شديدًا على النفس والآخرين.

ومن أساليب الخداع النفسي:

التبرير

يلجأ الشخص المخادع للتبرير حيث إن التبرير يقتضي الأعذار، وكلما زادت الأعذار تراجعت احتمالات الحقيقة، واختلاق أسباب لا وجود لها ليهرب من محاسبة نفسه.

التمارض

يُعد التمارض حيلة لعدم إنجاز المهام المطلوبة، مثل التمارض وقت أداء الامتحانات نتيجة تراكمات داخلية أو اضطرابات نفسية، مثل: القلق.

الكذب

لا يقتصر خداع النفس على إخفاء الحقيقة بل محاولة تزييفها أيضًا، فالكذب من الحيل النفسية التي يتبعها الشخص، مثل: 

  • اختلاق الأكاذيب.
  • الإدلاء بمعلومات خاطئة. 
  • ترويج الشائعات.

أحلام اليقظة

تمثل أحلام اليقظة الحل السحري للهروب من الواقع والتخلص من الضغوطات والاضطرابات النفسية.

فلسفة الخداع

جاء عن كلانسي مارتين في كتابه عن فلسفة الخداع، أن فكرتي الخداع وخداع الذات ضروريتان للانضباط الذاتي. 

وبذلك يكون قد شكك في نظريات بعض الفلاسفة التي تؤكد أنهم يضعون الحقيقة المجردة نصب أعينهم، غير مُدركين أهمية المعتقدات المزيفة ولا الأكاذيب التي ربما قد تكون سببًا في سعادة الآخرين على الرغم من كونها سعادة زائفة غير حقيقية.

بل يسعون إلى تصوير الواقع بكل جدية وحيادية بعيدًا عن المجاملات والأكاذيب. 

هنا يأتي دور خداع النفس الممنهج على الكذب، إذ يلعب دورًا مهمًا في التواصل الاجتماعي، ويكون الكذب هو الدافع وراء خداع الذات الذي يُعد من الصفات غير الأخلاقية. 

ومع ذلك يجب تقدير الحقيقة وتجريدها من أي أكاذيب، والنظر إلى خداع النفس على أنه نوع من أنواع الشر الضروري.

ولكن الدراسات الحديثة أثبتت أن الأشخاص ذوي المكانة الاجتماعية العالية يتمتعون بثقة كبيرة في النفس تمكنهم من التحكم في أنفسهم وتجنب خداع الذات.

خداع النفس يؤدي إلى الاكتئاب

يشعر الشخص بالسعادة دائمًا بعد خداع نفسه أو خداع الآخرين، لتبرير أفعاله ومواقفه السلبية والخاطئة نتيجة تراكم شعور الفشل والإحباط والأوهام الذاتية.

يلجأ إليه لتقليل الصراعات بداخله مع الاستسلام التام لخداع نفسه، كونه يعتقد بأن قراراته وآراءه هي الأصوب. 

ومن أعراض خداع النفس الإحساس الزائد بالعظمة أو جنون العظمة (Paranoia)، وقد ينتهي به الأمر إلى الاكتئاب والتفكير في الانتحار أحيانًا.

يثير خداع النفس عددًا من النِّقاط المهمة التي يجب الانتباه إليها:

  • دور الأسرة والاهتمام بتنشئة الطفل منذ الصغر وترسيخ القيم والمبادئ الصحيحة.
  • محاسبة النفس والاعتراف بالأخطاء وتصحيحها.
  • زيادة الوعي النفسي، وذلك من خلال القنوات والمواقع الطبية التي تهتم بالصحة النفسية.

ونختم مقالنا هذا بكلمات (مارك توين) عن خداع الذات: «الإنسان يخدع نفسه أولًا قبل أن يخدع الآخرين!».

بقلم د. بسمة عبد العزيز

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى