ترياق الحياة الصحية

طبيب الأسرة النفسي | بين الضرورة والرفاهية

في عالم مليء بالمتغيرات السريعة المتباينة، صار الحفاظ على السلام الداخلي والصحة النفسية للفرد ضربًا من الخيال. 

ففي كل لحظة، تتلقف نفوسنا أنواعًا شتى من الأخبار والصدمات المجهدة للنفس. 

وكلما همَّ أحدنا بالإمساك بزمام حياته، تفلتت الأمور من بين يديه، وتركته عاجزًا تائهًا، يشعر كما لو كان في سباق مع الزمن لا ينتهي أبدًا. 

ولمَّا كان الأطفال والمراهقون هم الفئة الأكثر حساسية في هذا العالم، لأنهم يسبحون في بحر الحياة الهائج بلا شراعٍ من علمٍ أو خبرةٍ، أصبحت صحتهم النفسية هي الأولوية القصوى لكل من الأسرة والمجتمع. 

لذا، كانت الاستعانة بطبيب الأسرة النفسي أمرًا ضروريًا للغاية في أيامنا هذه. 

في هذا المقال، سنتعرف سويًا على أهمية وجود طبيب نفسي للأسرة، ومتى يجب اللجوء إليه. 

ما هو طبيب الأسرة النفسي؟ 

هو الطبيب المختص بتشخيص المشكلات التي قد تؤثر على السلام النفسي للفرد، وبالتالي تؤثر على الصحة النفسية للعائلة ككل. 

تعتمد آلية عمل طبيب الأسرة  على ما يسمى بـ ” العلاج الأسري – Family Therapy“،
وفيه يستمع إلى المشاكل التي يعاني منها أفراد الأسرة، ثم يضع استراتيجيات فعالة لحلها، ويدرب أفراد العائلة على كيفية مواجهتها والتعامل معها. 

من ضمن المشاكل التي يتعامل معها طبيب الأسرة النفسي:

  • النزاعات بين الزوجين.
  • القلق والاكتئاب عند أحد أفراد الأسرة.
  • المشاكل السلوكية للأبناء. 
  • الأحداث المحزنة التي تمر بها الأسرة.
  • العنف المنزلي.

إذن، ما الذي يجعل الطبيب يلجأ إلى العلاج الأسري، بدلًا من التعامل مع الشخص صاحب المشكلة فقط؟ 

هذا ما سنجيب عنه في الفقرة القادمة. 

ماذا يعني العلاج الأسري؟ 

اعتمد الأطباء النفسيون حديثًا استراتيجية العلاج الأسري لعلاج الأفراد المصابين بأمراض ومشاكلَ نفسية،
وقبل أن نتطرق إلى أهمية هذا النوع من العلاج ومدى فعاليته، يجب أن نعرف أولًا ما المقصود به. 

العلاج الأسري هو نوع من الإرشاد النفسي لأفراد العائلة الواحدة، حيث يجري طبيب الأسرة النفسي مجموعة من
الجلسات العلاجية لجميع أفراد الأسرة الراغبين في المشاركة في وقت واحد،
وأحيانًا أخرى كلٌ على حدة، وذلك لمساعدتهم على تحسين الروابط والعلاقات بين بعضهم البعض، وتمكينهم من حل نزاعاتهم بطرق تربوية سليمة. 

أهمية العلاج الأسري

  • تحسين العلاقات المضطربة مع شريك الحياة، أو الأطفال، أو أي فرد آخر من الأسرة. 
  • تدريب الأبوين والأطفال على التعامل في حالة الطلاق. 
  • تعليم أفراد الأسرة الطرق النفسية السليمة للتعامل في حالة إصابة أحدهم بمرض نفسي أو عقلي،
    مثل: الاكتئاب أو الفصام أو الإدمان. 
  • تعليم أفراد الأسرة مهارات لفهم بعضهم البعض وتقريب وجهات النظر فيما بينهم.  

متى نلجأ إلى طبيب الأسرة النفسي؟

متى نلجأ إلى طبيب الأسرة النفسي؟

دعونا نتفق أولًا أنه من الممكن أن يكون اتخاذ القرار باللجوء إلى الطبيب النفسي أمرًا صعبًا للغاية،
خاصةً في مجتمعاتنا الشرقية التي تعتبر المرض النفسي سُبة، لكن يجب أن تفكر الأسرة في الأمر على أنه وسيلة
وأداة فعالة لمساعدتهم على تخطي الأوقات الصعبة، التي يمرون بها كأسرة واحدة بأقل خسائرَ ممكنة. 

لذا، إذا لاحظت على أحد أفراد عائلتك إحدى هذه الأمور، فربما حان الوقت لرؤية طبيب الأسرة النفسي. 

  • عندما يجد أحد أفراد العائلة صعوبة في القيام بمهامه الأسرية: كأن يشعر أحدهم بأن طاقته مستنزفة، وأن المهام التي كانت تعد عادية في السابق، أصبحت تشكل عبئًا نفسيًا عليه. 
  • عندما تكون ردود أفعال أحد أفراد الأسرة تجاه المواقف العادية مبالغًا فيها، مثل: الغضب الشديد،
    أو الحزن، أو الاكتئاب، أو الخوف المرضي
  • عندما يكون هناك صعوبة ملحوظة في التواصل بين أفراد الأسرة، مثل: عندما يعاني الزوجين من الخرس
    الزوجي، أو تجد الأم أو الأب صعوبة في فهم نفسية ابنهم أو ابنتهم المراهقة والتواصل معهما. 
  • عندما يقرر أحد أفراد الأسرة الانسحاب من حياة عائلته: كأن تصبح الأمور والقرارات الهامة لأسرته غير مهمة له، ولا يريد أن يشارك فيها. 
  • عندما ينتهج أحد أفراد الأسرة سلوكًا عنيفًا: كأن يتعامل بالعنف مع الآخرين، أو يهدد بإيذائهم أو إيذاء نفسه. 
  • عندما يشعر أحد أفراد الأسرة بفقدان الأمل في الحياة: كأن يشعر بأنه لا يستطيع أن يتعامل مع ضغوطات
    الحياة المختلفة، ويظن أنه لا قيمة له، ويشكك في قدرة عائلته على دعمه والوقوف بجانبه إذا لزم الأمر.  
  • عندما تواجه الأسرة صدمة نفسية وعصبية: كموت أو فقدان شخص عزيز على الأسرة، أو طلاق الأبوين،
    أو إصابة أحد أفراد الأسرة بإعاقة جسدية أو عقلية، أو وقوع أحدهم ضحية لإدمان المخدرات أو الكحوليات. 

لعلك تتساءل عزيزي القارئ الآن، كيف يمكن أن يساعدك طبيب الأسرة النفسي؟

هذا ما سنعرفه في الفقرات القادمة. 

مهام طبيب الأسرة النفسي

مهام طبيب الأسرة النفسي

في البداية، سيلتقي بك الطبيب النفسي وبطفلك وأفراد عائلتك، وسيسألكم بعض الأسئلة، ويستمع إلى إجاباتكم. 

تساعد تلك الخطوة الطبيب على دراسة أنماط شخصياتكم المختلفة، وتحديد المشكلات والتحديات التي تواجهها الأسرة، ثم يحدد استراتيجية تعامله معها ويخبركم بها. 

بعد ذلك، يحتاج الطبيب النفسي إلى التحدث مع الشخص أو الطفل صاحب المشكلة، وربما يحتاج الأمر إلى أكثر من زيارة. 

في هذه الزيارات، يفعل الطبيب النفسي الآتي:

  •  يشجع الشخص على التحدث:

التحدث هو وسيلة صحية فعالة للتعبير عن المشاعر والأحاسيس، وتساعد الفرد على وضع همومه ومخاوفه في كلمات بدلًا من أفعال. كما تشعره أن هناك من يستمع إليه، ويقدر ما يشعر به. 

  • ممارسة بعض الأنشطة:

يمارس طبيب الأسرة بعض الأنشطة مع الشخص صاحب المشكلة النفسية، كي يعلمه كيفية التعامل مع مشاعره، فعلى
سبيل المثال، الرسم واللعب للأطفال، وتمرينات التنفس من أجل تقليل التوتر للكبار والبالغين. 

  • التدريب على بعض المهارات الجديدة:

يُعلِّم الطبيب المريض بعض المهارات المفيدة له ويدربه عليها، عن طريق تخيل نفسه في موقف ما ومحاولة التعامل
معه. من ضمن تلك المهارات، مهارات التواصل والتحكم في النفس والتعامل مع مشاعر الفقد والخذلان. 

  • إيجاد حلول للمشاكل:

يسأل الطبيب النفسي المريض عن مشاكله وكيف تؤثر عليه وعلى علاقاته بالآخرين، ثم يقترحا سويًا بعض الحلول المجدية التي تصلح للتنفيذ.  

طبيب الأسرة النفسي والتربية الإيجابية

يساعد طبيب الأسرة الآباء والأمهات على فهم نمط شخصية أطفالهم في سنوات عمرهم المختلفة،
كما يساعدهم على تعلم طرق تربوية صحيحة مبنية على فهم طبيعة كل طفل. 

أما إذا كان الطفل يعاني من إحدى المشاكل النفسية أو اضطرابات السلوك، فهنا تأتي مهمة طبيب الأسرة النفسي في
تقويم هذا السلوك، عن طريق تعليم الطفل كيف يفهم مشاعره وتأثيرها على تصرفاته،
كما يعلمه كيفية إدارتها والتعبير عنها بالطرق الصحيحة، ويمد الأبوين بوسائل واستراتيجيات التعامل المثلى مع حالة الطفل الخاصة. 

أخيرًا، فإن تربية أبناء أسوياء وقادرين على مواجهة الحياة هي رحلة طويلة وشاقة، ولا تخلو من بعض العثرات والعوائق. لذا، فالاستعانة بطبيب نفسي في بعض مراحل هذه الرحلة قد يكون أمرًا ضروريًا،
لمساعدة كل من الأسرة والطفل على تجاوز أوقاتهم الصعبة.

المصدر
What Is Family Psychiatry?Suitable for 0-18 years PsychiatristFamily therapyHow to Decide If Family Counseling Is Right for YouTaking Your Child to a TherapistCBT for Children: 14 Ways Cognitive Behavioral Therapy Can Benefit Kids
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق