علماء ومشاهير

طفل البرية | الطفل المتوحش!

هل تخيلت طفلًا يعيش بمفرده منعزلًا عن باقي البشر؟

هل تخيلت طفلًا يكبر بمفرده بعيدًا عن أي وسيلة تربية بشرية أو معاملة آدمية؟

وأخيرًا، هل تخيلت طفلًا في عمر الزهور لا يقدر على النطق بكلمة واحدة؟!

هل تود معرفة الإجابة عن تلك الأسئلة؟

عزيزي القارئ، أعلم أن تلك الأسئلة قد تبدو لك غريبة بعض الشيء…

لكن، الوقائع التاريخية تثبت صحتها، والواقع المرير يبين لنا أن هناك في جنبات الطرق الوعرة وفي قلب الغابات الكثيفة أطفالًا نشأوا وكبروا بين الحيوانات! ولا علاقة لهم من قريب أو من بعيد بأي شكل من أشكال الحضارة الإنسانية، أو حتى لديهم القدرة على التعامل مع البشر!

هناك ما يعرف بأطفال البرية، أو الأطفال الوحشيين!

في البداية وقبل كل شيء دعنا نتعرف إلى معنى كلمة طفل البرية!

طفل البرية.. ما هو؟ 

طفل البرية هو… 

طفل نشأ بعيدًا منعزلًا عن البشر، يفتقد إلى جوهر الاتصال البشري بغيره، وغالبًا ما يحدث ذلك في سن صغيرة ما بين 2-9 سنوات.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

ونتيجة لذلك يكبر الطفل دون أي احتكاك أو تعامل مع البشر، يكبر وهو لا يملك أي خبرة في التعامل أو اللغة أو السلوك الإنساني الطبيعي”.

غالبًا ما يكون طفل البرية أو الطفل الوحشي طفلًا منبوذًا من والديه؛ لاعتقادهم أنه يعاني تأخرًا عقليًّا أو بدنيًّا.

تحدث هذه الحالة عندما يفقد الطفل أحد والديه فيلوذ بالهرب بعيدًا، أو عندما يهرب من سوء المعاملة من قِبل والديه، فينتهي المطاف بالنسبة إلى الأغلبية العظمى منهم في الغابة، وعادة ما تكون تنشئتهم بين حيواناتها.

التاريخ حافل بالأطفال الوحشيين!

التاريخ الإنساني حافل بالغرائب والعجائب، وعلى رأسها تلك القصص حول أطفال البرية، ما بين طفل البرية الذي نشأ كحيوان أليف في حديقة الملك جورج الأول ملك إنجلترا، وحتى الطفل الهندي الذي تربى بين الذئاب!

إليك عزيزي القارئ أشهر أربع حالات سُجلت في التاريخ حول أطفال البرية:

  • جون من بلدة لييج: يعد أول حالة طفل برية في التاريخ الإنساني، سُجلت الحالة على يد السير “كينيلم ديجبي” في عام 1644م.

قضى جون شطرًا كبيرًا من حياته في الحياة البرية في بلجيكا التي هرب إليها في سن الخامسة على إثر الحروب الدينية وقتها، وبقى على قيد الحياة معتمدًا على تناول جذور الأشجار والتوت البري، ثم ظهر فجأة في سن 21 عندما قُبض عليه في إحدى القرى وهو يحاول سرقة الطعام؛ إذ وجدوه عاريًا تمامًا وجسمه كله مغطى بالشعر.

وقد كانت لسنواته التي قضاها في الغابة الفضل في تطور حاسة الشم لديه، فقد استطاع شم رائحة الطعام من مسافة بعيدة.

ومع مرور الوقت تمكن جون من العودة إلى حياته الطبيعية كبشري.

  • بيتر طفل البرية: في صيف سنة 1725 م وجدوا طفلًا عاريًا صامتًا وحيدًا تمامًا في إحدى الغابات بألمانيا، فأخذه الملك جورج الأول ملك إنجلترا وسماه بيتر وجعل منه أضحوكة البلاط الملكي كله في لندن.

وقد باءت كل محاولات تعليم بيتر التحدث؛ ذلك لأنه عانى متلازمة بيت-هوبيكنز (وهي مرض عصبي مزمن يجعل المريض غير قادر على تعلم اللغة)، وتوفي بيتر في عام 1785م دون أن ينطق كلمة واحدة!

  • دينا سانيشار أو طفل الذئاب: عُثر على سانيشار لأول مرة في عام 1867م على يد مجموعة من الصيادين، الذين ظنوا أنه حيوان بري جالس على مقدمة أحد الكهوف في مقاطعة بولانداساهار، بالهند. وعند محاولتهم القبض عليه فوجئ الجميع بطفل فيما يقارب السادسة من عمره، يعيش حياته في البرية بين الذئاب معتمدًا على قوائمه الأربعة في الحركة مثلهم تمامًا، جلبه الصيادون معهم إلى معبد سيكاندرا في إقليم (أكرا) وسُمي هناك باسم “دينا سانيشار”

حاول رهبان الدير تعليمه اللغة وكيفية التحدث والتعامل مثل البشر، لكن باءت كل محاولاتهم بالفشل حتى وفاته في عام 1895م. 

يقول البعض أن تلك الحادثة هي التي أسهمت بشكل أو بآخر في شخصية “ماوكلي” في السلسلة القصصية “فتى الأدغال”.

  • ربيبة كلاب العصر الحديث.. أوكسانا مالايا!

الاسم: أوكسانا أوليكساندريفنا مالايا.

النوع: أنثى.

بلد الميلاد: أوكرانيا.

تاريخ الميلاد: الرابع من نوفمبر لعام 1983م.

الأب والأم: خمس كلاب برية

عندما بلغت (مالايا) سن الثالثة، أهملها والداها مدمنا الكحول…

وفي يوم ممطر، تركاها على باب المنزل ولم يعيراها أدنى درجة من درجات الانتباه، فزحفت أوكسانا نحو مكان بعيد عن بيتها، زحفت نحو مجموعة من الكلاب بحثًا عن الدفء والأمان!

والعجيب أن والديها لم يهتما مطلقًا بالأمر…

بدأت حياة (مالايا) تتغير تمامًا، كانت تأكل -مثل الكلاب- أي شيء في طريقها مهما كان مصدره، تزحف مثلهم وتنام بجوارهم! 

لم تعد الحياة كلها تمثل لأوكسانا سوى قطيع من الكلاب!

بمرور الوقت، صارت أوكسانا تعيش كالكلب أكثر منها كإنسان، وأصبحت فردًا من مجموعة الكلاب تلك حتى سن الخامسة، وما أن لمحها أحد الجيران تنبح مثل الكلاب حتى استوقفه الأمر وطلب الشرطة قائلًا أن هناك طفلة تربت على أيدي كلاب!

أُنقذت (مالايا) وأُودعت في إحدى المصحات النفسية الخاصة بالتأخر العقلي، لكن بعد فوات الأوان! 

فلم تعد قادرة على الكلام أو التحدث بلغة البشر، وصارت تعيش تمامًا مثل كلب بري! 

لكن العاملين بالمصحة لم يستسلموا للأمر وبدأوا معها رحلة علاج إنساني.

تبلغ مالايا الآن 38 عامًا، وقد خضعت لعلاج نفسي وفكري وعقلي مكثف لمساعدتها على ترك شخصيتها ككلب بري، وتعلمت كيف تتحدث وتتكلم وتتواصل مع غيرها من البشر، ولكن مع كل ذلك بقيت تعاني بعض التأخر العقلي.

في عام 2013م، أجرى معها التليفزيون الأوكراني الوطني حديثًا صحفيًّا، وفيه قالت (مالايا) أنها تود أن تُترك وشأنها من قِبل الآخرين، تود أن تُعامل كإنسان من جديد وألا يُطلق عليها فتاة الكلاب، وتمنت لو ترى أمها الحقيقية ولو لمرة واحدة.

الآن، تعمل مالايا في مزرعة للحيوانات، مع رجائها أن تُترك لتعيش بقية أيامها في الحياة في سلام.

 قصص الأطفال الوحشيين أو أطفال البرية مذهلة! .. لماذا؟

نحن نحب الغرابة، طبيعتنا البشرية تعشق الاختلاف، تبحث عن غير المألوف، تبهرنا فكرة أن هناك شيئًا أو شخصًا ما نادر الحدوث أو الوجود ونجده أمام أعيننا بشحمه ولحمه! 

فما بالك عندما ترى طفلًا يمشي على أربع! أن ترى كائنًا حيًّا يمثل خطًّا فاصلًا بين البشر والحيوانات، بين الطبيعي واللاطبيعي، بين الحضارة الإنسانية والحياة البرية، حتمًا ستجدها حالة مذهلة تدفعك نحو التعجب والتأمل.

لكن لماذا؟ دعني أحاول الإجابة بالنيابة عنك في السطور الآتية: 

  • طفل البرية قادر على تقليد صوت الحيوانات: عندما تجلس مع طفلك لتعليمه شيئًا جديدًا مثل أصوات الحيوانات، فتبدأ معه بالأصوات المشهورة بأن الكلب ينبح والقطة تموء والأسد يزأر وغيرها من الأنشطة، الأمر يبدو بسيطًا، صحيح؟ 

لكن ماذا لو كان المعلم في الأصل حيوانًا بريًّا! هنا تكمن الدهشة وتكمن محاولات الإنسان لمعرفة الأصل وراء تلك الأصوات والهدف منها.

  • طفل البرية جسمه مغطى بالكامل بالشعر كالحيوانات: هناك حالات نادرة من “متلازمة فرط الشعر أو المستذئبين” حيث يصاب المريض بفرط نمو الشعر على الجسم ليشبه الذئب تمامًا في شكله.

تحدث هذه الظاهرة مع طفل البرية، لماذا؟

إحدى النظريات المفسرة لهذه الظاهرة تقول أن ذلك نتيجة سوء التغذية (ولكنها نظرية ضعيفة)، وأخرى تقول أنها نتيجة للظروف الطبيعية المحيطة التي تدفع الجسم للقيام بميكانيزم دفاعي ألا وهو نمو الشعر بغزارة كطبقة حماية ضد تقلبات الطقس.

  • طفل البرية لديه أظافر كالمخالب ونظرة حادة وأسنان حامية: على عكس الطبيعي من البشر وخصوصًا الأطفال، إذا ما نشأ الطفل دون تربية بشرية وفي بيئة قاسية؛ فحتمًا سيتحول إلى وحش صغير، وحش في مظهره ونظرته وتكوينه الجسماني، ذلك تمامًا ما نراه في طفل البرية، وأحد أشهر الأمثلة هو دينا سانيشار أو طفل الذئاب.
  • طفل البرية يأكل اللحم النيئ: طبخ الطعام هو ما يميزنا في الأكل عن الحيوانات، تخيل أن يوضع أمامك قطعة من اللحم النيئ في منتصف طاولة الطعام وطلب منك تناولها لعدم توفر نار لتسويتها إلا بعد أيام عدة، ومعدتك تعاني الجوع الشديد! 

سأترك لخيالك الإجابة، ولكن تذكر أن هناك طفلًا ما في قلب غابة ما ليس له طعام سوى قطعة لحم نيئ! 

شيء صعب، أليس كذلك؟!

ختامًا

نحن البشر بطبيعتنا كائنات اجتماعية بالفطرة، نبحث عن طريقة تواصل مع من حولنا، نحتاج إليهم، نحتاج إلي من يشبهنا لنشعر بإنسانيتنا.

لكن ماذا تفعل لو كنت طفلًا وحيدًا صامتًا، مجبرًا على البقاء حيًّا مع الحيوانات ولا تملك أن تنطق كلمة واحدة!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى