ترياق الأمراض النفسيةترياق الطفل
أخر الأخبار

ظاهرة التنمر.. الشر صنعة!

لا يمكنني فهم طباع البشر أحيانًا. حينما أرى مجموعة من الأطفال يتكالبون على طفل مستضعف وحيد، ينالون منه بالهمز واللمز تارة، وبالركل والوكز تارة أخرى، أسأل نفسي من أين ينبع ذلك الشر الذي يشع من عيونهم؟ كيف للطفولة البريئة أن تتعكر بذلك الطبع القبيح؟ 

لطالما تخيلت التنمر طبخة شر تصنعها ساحرة شمطاء مخيفة، تلقي في قدرها الملوث ما تشاء من المكونات الكريهة، والخصال البغيضة، مما تهابه النفس وتأنفه. وما أن تكتمل طبختها، حتى تصيد بها طفلًا جديدًا. فيتحول الطفل الغض المسكين، لوحش قبيح نزعت من قلبه معاني الطفولة الوديعة.

في هذا المقال، نبحث في ظاهرة التنمر، وأنواعها، وطرق علاجها، ونسأل سؤالًا مهمًا: كيف تصنع متنمرًا في المنزل؟

ما هو التنمر؟

هو سلوك عدواني، يتعمد فيه الطرف الأقوى إيذاء الطرف الأضعف بشكل متكرر بطرق مختلفة؛ لفظية أو جسدية. ويعجز الطرف الأضعف عادة عن الدفاع عن نفسه، ولا يشترط قيامه بأي فعل يستفز الطرف المعتدي. 

إذًا، لنطلق على فعل ما مصطلح التنمر، لابد أن تتوافر فيه الشروط التالية:

  • اختلال موازين القوة بين الطرفين: يعتمد الطرف المتنمر على قوته الجسدية، أو شعبيته بين أقرانه ليسيطر على الطرف الأضعف. 
  • التكرار: لا يتوقف الطرف المتنمر عن إيذاء الآخرين دون رادع، فيكرر فعلته باستمرار.

ما أنواع التنمر؟

للتنمر صور كثيرة، منها المضايقات اللفظية، والاعتداءات الجسدية. ويشيع التنمر المدرسي بين كثير من الأطفال والمراهقين. وقد يمتد التنمر للبالغين في بعض بيئات العمل غير الصحية.

التنمر الجسدي

يشمل هذا النوع التعرض للطرف الأضعف بالأذى الجسدي أو تعمد الإضرار بممتلكاته الخاصة، ومن أمثلته: 

  • الضرب أو الرفس.
  • البصق.
  • تحطيم متعلقاته أو تمزيق كتبه.
  • استخدام إشارات يد غير لائقة.
  • التحرش.

التنمر اللفظي

يعتمد هذا النوع على الاعتداء اللفظي على الآخرين، مثل:

  • السخرية والاستهزاء.
  • إطلاق ألقاب يكرهها الطرف الآخر بهدف إذلاله.
  • ملاحقته بتعليقات وعبارات غير لائقة.
  • التعنيف.
  • التهديد بإلحاق الأذى.

التنمر الاجتماعي

يتعمد المتنمر في هذا النوع تدمير العلاقات الاجتماعية وسمعة ضحيته، عن طريق ما يلي:

  • إحراجه على الملأ.
  • إطلاق الإشاعات المغرضة حوله.
  • حث الآخرين على عدم التعامل معه.
  • تعمد استبعاده من التجمعات والنشاطات الاجتماعية.

التنمر الإلكتروني

التنمر الإلكتروني

من أكثر أنواع التنمر رعبًا؛ إذ يتمكن المتنمر من ملاحقة ضحيته في أي وقت خلال اليوم، دون رادع أو رقيب، فهذا النوع من التنمر يعتمد على الإلكترونيات كالهواتف الذكية أو وسائل التواصل الاجتماعي والبريد الإلكتروني، ويأخذ شكلًا من الأشكال التالية: 

  • إفشاء أسرار الضحية على وسائل التواصل الاجتماعي.
  • إرسال رسائل تهديد نصية أو تحرش جنسي.
  • استخدام صور الضحية بشكل غير لائق.

ولا يعتمد هذا النوع على القوة الجسدية، فيمكن لأي شخص يمتلك طريقة الاتصال بالضحية أن يتنمر إلكترونيًا، مع إبقاء هويته مجهولة.

ما أسباب التنمر؟

إذا أمسكنا بمتنمر هارب، ووضعناه تحت عدستنا المكبرة، لننظر في دوافعه، سنجد أن لكل أسبابه؛ إذ تلعب عوامل خارجية عديدة دورًا مهمًا في صنع ذلك المتنمر الصغير، وتختلف الأسباب من شخص لآخر، ومنها على سبيل المثال: 

نشأته في بيئة مفككة

يتأثر الطفل بالسلوك العنيف لوالديه فينعكس ذلك على طباعه وطرق تعبيره عن غضبه.

تعرضه للتنمر في وقت سابق

قد تنقلب الضحية إلى الجاني، فالطفل المستضعف قد يصبح متنمرًا على من هم أضعف منه في وقت لاحق، وقد يلجأ هذا الشخص للتنمر الإلكتروني بالتحديد ليعوض الأذى النفسي الذي يتعرض له.

تعرضه للضرب المبرح

يحسب بعض الآباء أن الضرب المبرح تهذيب وإصلاح، إلا أن ذلك يولد غضبًا في نفس الطفل المعنَف، فيسعى لإلحاق الأذى بمن حوله كنوع من التنفيس.

رغبة في جذب الانتباه

يشعر بعض الأطفال بالوحدة فيسعون لجذب انتباه الآخرين وتكوين علاقات اجتماعية عن طريق إخافة بقية الأطفال، ويعجز الطفل المتنمر هنا عن التواصل الاجتماعي بشكل سليم.

نقص في تقدير الذات

يفسر البعض سلوك التنمر بكون المتنمر شخصية ضعيفة تعاني من نقص في تقدير ذاتها، فتلجأ لإيذاء الآخرين كي لا تشعر بالدونية والضعف. ومع أن هذه النظرية قد تكون حقيقية لدى بعض الأطفال، إلا أنها لا تفسر وجود متنمرين من ذوي الشعبية البالغة والثقة المفرطة بالنفس.

غيرة أو حقد

قد يهاجم المتنمر شخصًا آخر لأنه أكثر ذكاء أو تفوقًا منه.

وجود مشكلة في فهم المشاعر

تتكون لدى بعض الأطفال أفكارًا خاطئة، فيتنمر على من حوله لأنه يعتقد أنهم أقل منه في العرق، أو النوع، ولا يعي تأثير تصرفاته عليهم ولا الضرر الذي يخلفه وراءه. 

ويعجز المتنمر كذلك عن فهم نوايا من حوله، فقد يستفزه تصرف بسيط، ولا يدرك أن الطرف الآخر لا يقصد مضايقته.

مشاهدة أفلام أو لقطات عنيفة

يمكن للمشاهد العنيفة أن تخلق ردود أفعال غير متوقعة عند الأطفال، خاصة إن لم تلق الاهتمام والتقويم المناسبين من البالغين.

ما مؤشرات التنمر؟ 

ربما يراودك الآن سؤال محير: كيف أعرف أن طفلي متنمر أو يتعرض للتنمر؟

وللإجابة على هذا السؤال، يجب عليك متابعة سلوك طفلك، ومراقبة ظهور أي من العلامات التالية: 

علامات تشير أن طفلك يتعرض للتنمر

  • وجود إصابات جسدية غير مفسرة.
  • تغير في عاداته الغذائية؛ كأن يمتنع عن تناول طعامه مثلًا.
  • يعاني من الكوابيس والأرق.
  • يخاف من الذهاب إلى المدرسة، ويتدنى مستواه الدراسي فجأة.
  • يتجنب المناسبات الاجتماعية على غير العادة.
  • يحاول إيذاء نفسه أو يتحدث عن الانتحار.

علامات تشير إلى ممارسة طفلك للتنمر!

  • يستخدم سلوكًا عدوانيًا في التعامل مع البالغين.
  • يسير مع أصدقاء سوء متنمرين.
  • يلقي اللوم على الآخرين دائمًا.
  • لا يتحمل مسؤولية أفعاله.
  • يحصل على أغراض أو أموال لا تخصه فجأة.

ما علاج التنمر عند الأطفال؟

يعتمد العلاج على فهم الأسباب التي تدفع طفلك للتنمر. ولذا إليك بعض الاقتراحات

  • اشرح لطفلك معنى التنمر: إذ يعجز بعض الأطفال عن فهم تبعات تصرفاتهم تجاه الآخرين، تحتاج إلى بعض النصح والتوجيه لحل المشكلة.
  • اتبع نظام الثواب والعقاب: إذا تنمر طفلك إلكترونيًا على زميل له، يمكنك أن تصادر هاتفه لفترة من الزمن. حدد قائمة بالسلوكيات المرفوضة، وضع عقابًا معتدلًا يتلاءم مع حجم الخطأ وتكراره.
  • حث طفلك على احترام الاختلافات: تحدث مع طفلك عن الفروقات العرقية والدينية والاجتماعية للأفراد، وحثه على تقدير ذلك الاختلاف. 
  • كن مثلًا صالحًا: أنت مرآة طفلك، ما تفعله من تصرفات ينعكس على سلوكياته بالسلب أو الإيجاب.
  • تتبع أخباره في المدرسة: اعرف من مدرسيه الأسباب والمواقف التي تدفعه للتنمر، وراقب تطور تصرفاته، واستفسر عن المشاكل النفسية التي يتعرض لها خلال يومه الدراسي.
  • امدح تصرفاته الجيدة: احرص على أن يتلقى طفلك الاهتمام الذي يرنو إليه، وكافئه على تصرفاته الحسنة كي يستمر. 
  • كن مستمعًا جيدًا، وحاضرًا دائمًا: قد يرسل طفلك رسالات استغاثة أو تنبيه وسط كلامه، حدثه بهدوء مهما بلغ انفعاله وناقشه فيما يقلقه.
     
  • أبعده عن الأفلام العنيفة.

لعلك، عزيزي القارئ، صرت الآن عالمًا ببواطن التنمر وأسبابه، وصرت تدري، أنه سلوك مكتسب، تفرضه عوامل خارجية قاسية، فالشر صنعة،
ولبئست الصنعة!                                  

اظهر المزيد

د. لميس ضياء

صيدلانية إكلينيكية، قضيت شطرًا من عمري بحثًا عن العلم، وأنوي قضاء الشطر الآخر في تبسيط ما تعلمته وتقديمه بلغة سهلة مستساغة للجميع. تستهويني النفس البشرية وأسعى دومًا لسبر أغوارها، وفك طلاسمها، وفهم ما قد يؤرقها من اضطرابات واعتلالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق