ترياق الطفل

عجز الطفل عن التعبير عن مشاعره ورغباته | ما وراء الصراخ وسوء السلوك

بعض الأسئلة تختلف إجابتها من شخص لآخر، وبعضها الآخر تكون إجابته بالإثبات دائمًا، كأن تسأل أي شخص إذا كان قد رأى طفلًا غاضبًا منفجرًا بالبكاء من قبل…

تظهر صعوبة التعبير عن المشاعر بشكل طبيعي في الطفولة، إذ زال الطفل في طور فهم واستيعاب ومعرفة كيفية التعامل مع تلك المشاعر.

ويختبر الأطفال جميع أنواع المشاعر التي نشعر بها نحن الكبار، لكننا لا نستلقي على الأرض أو نركل الحائط بقوة عندما نغضب.

لذا يُعَدُّ عجز الطفل عن التعبير عن مشاعره ورغباته أمرًا طبيعيًا في تلك السنوات الأولى من حياته، لكنها أيضًا مسؤولية كبيرة تقع على عاتق الأبوين في تعليمه كيفية التعبير عن مشاعره بشكل صحي لعدة أسباب، أهمها تجنب الكبت النفسي بعدما يكبر.

في هذا المقال، نتحدث عن عجز الطفل عن التعبير عن مشاعره ورغباته، ونفهم معًا كيف نساعده في التعبير عنها بشكل صحي، فتابع معنا…

صعوبة التعبير عن المشاعر

يستخدم الطفل الرضيع لغة البكاء خلال الشهور الأولى من حياته للتعبير عن جميع رغباته، ونفهم نحن
-الآباء والأمهات خاصة- مع الوقت معنى هذا البكاء حَسَبَ كل موقف.

لكن تلك اللغة لا تصير ملائمة بعد عدة أشهر، أو بعد عامٍ أو اثنين؛ فنطلب من الطفل التعبير عما يرغب بشكل مباشر.

لذا، فالعجز عن التعبير عن المشاعر عند الطفل يحتاج -كأي مهارة أخرى- إلى بعض التوجيه والتدريب منا للتغلب عليه.

في السنوات الأولى من العمر، لا يمتلك الطفل حصيلة لغوية خاصة بالمشاعر؛ فتجده يعبر عنها بتعبيرات وجهه،
أو بجسده، أو سلوكه، وأحيانا كثيرة يسيء السلوكَ لهذا السبب.

دور الوالدين

دور الوالدين

ليس منطقيًا أن تحاسب أحدًا على تقصيره في وظيفة، أو عدم أدائها بالشكل المتوقع، وأنت لم تدربه عليها!

كذلك الأطفال؛ فاللغةُ والسلوكُ لا يُكتسَبان بالفطرة، بل يراقب الأطفال طريقة مَنْ حولهم، ويكتسبون طُرُق التعبير عن المشاعر ومهارات حل المشكلات تبعًا لسلوك آبائهم ومقدمي الرعاية لهم.

لذا، قبل أن تحاسب طفلك على سوء سلوكه، فكِّر: كيف تتصرف عندما تغضب؟ كيف تعبر عن رغبتك في الحصول على بعض الراحة؟ وكيف تعتذر إن أخطأت؟ بل هل تعتذر حقًا إن أخطأت أم لا؟!

هكذا يتعلم أطفالك منك باعتبارك قدوتهم وبوابتهم الأولى لفهم العالم، مع الأخذ في الاعتبار وجود اختلافات طبيعية بين الأطفال وبعضهم البعض.

ولتجنب عجز الطفل عن التعبير عن مشاعره ورغباته، تحتاج -كمُرَبٍّ- إلى إدراك أهمية تعليم المشاعر للأطفال في سن صغيرة.

اقرأ أيضًا: أثر التربية في صورة الطفل على نفسه مستقبلًا

لماذا تعليم المشاعر للأطفال مهم؟

يظهر تعلُّم الطفل كيفية التعامل مع مشاعره بطُرُق صحية على سلوكه فيما بعد، حيث:

  • يصبح أكثر قدرة على التعاطف مع الآخرين.
  • يتحسن أداؤه في الدراسة بشكل ملحوظ عن أقرانه.
  • يمتلك المرونة للتعامل مع المواقف المختلفة ومع التغيير.
  • تقل تصرفات سوء السلوك الصادرة منه.
  • يصبح أكثر ثقة بنفسه وقدراته.
  • يتمتع بصحة نفسية جيدة، وهي ليست أمرًا ثانويًا بل تمتلك تأثيرًا كبيرًا في مستقبله.

للمزيد اقرأ: الصحة النفسية للأطفال ضرورة أم رفاهية

كيف أساعد طفلي على التعرُّف إلى مشاعره والتعبير عنها بشكل صحي؟

للتغلب على عجز الطفل عن التعبير عن مشاعره ورغباته، فإن أول خطوة تساعدك على التعرف إلى مشاعر طفلك هي محاولة فهم الإشارات التي تظهر في لغة جسده، والاستماع جيدًا إلى ما يقول، وملاحظة تصرفاته المختلفة.
كما يمكنك اتباع الخطوات الآتية:

حدِّد أسماء المشاعر معه

عند التحدث مع طفلك، ركِّز على إطلاق الأسماء على المشاعر المختلفة، كأن تقول له: “أأنت سعيدٌ لأن جدتك هنا؟”، أو: “هل تشعر بالغضب لأن لعبتك قد انكسرت؟”…

هذه الطريقة تساعده على اكتساب مهارة تحديد المشاعر عن طريق معرفة أسمائها، وإسقاطها على المواقف المختلفة.

ساعده على ملاحظة مشاعر مَنْ حوله

كأن تقول له: “والدك يشعر بالتعب لأنه عائد لتوه من العمل”، أو: “أنا سعيدة لأنني استطعت زيارة أختي اليوم”…

فيتعلم بهذه الطريقة تقدير المساحة الخاصة بالأشخاص حوله، ومراعاة مشاعرهم، كأن تعتذر له عن اللعب أو الخروج في يوم ما لأنك مرهق ولن تستطيع الخروج من المنزل.

اسأله عن شعوره تجاه مَنْ حوله

لتتحقق من فهمه مشاعرَ الآخرين، اسأله عن شعوره تجاه ما يمر به مَنْ حوله، كأن تسأله: “بماذا شعرتَ عندما رأيت صديقتك تبكي؟”، وسَمِّ معه تلك المشاعر لتنمي قدرته على تحديدها تدريجيًا، ويتمكن من قراءة مشاعر الآخرين من تعبيرات وجوههم.

استخدم الصور والرسوم التوضيحية

يمكنك استخدام بعض كُروت الصور الخاصة بتعبيرات الوجه المختلفة، والتي يعبر كلٌ منها عن شعور مختلف،
وتحدث معه عن هذا الشعور: متى نشعر به؟ كيف نعبر عنه؟ ما هي أفضل طريقة لتوضيحه لمَنْ حولنا؟

كما يمكنك التقاط بعض الصور الخاصة بتعبيرات وجهه هو وطباعتها، ليتعرف إلى صورته في لحظات المشاعر المختلفة.

وهناك الكثير من كتب الأطفال الخاصة بالمشاعر أيضًا، وتُعَدُّ وسيلة جيدة لإيصال مفهوم المشاعر للطفل،
وإيضاح كيفية التعبير عنها، عن طريق قصص ومواقف مختلفة.

استخدم الصور والرسوم التوضيحية

كن قدوة

أسهل طريقة يتعلم بها الأطفال هي ملاحظة تصرفات مَنْ حولهم. لذا، انتبه لطُرُق تعبيرك عن مشاعرك في المواقف المختلفة، وانظر كيف تتصرف عندما تكون غاضبًا، واسأل نفسك: هل تحب لطفلك أن يقلدك في هذه الطريقة؟

شجعه عندما يعبر عن مشاعره

وجِّه له كلمات الشكر، وأظهِر سعادتك عندما ينجح في التعبير عن مشاعره بشكل ملائم؛
فالمدح يشجعه على تكرار نفس الفعل، كما أنك توصل له رسالة مفادها أنه لا بأس من الشعور بأية مشاعر والتحدث عنها.

قاوِم رغبتك في صرفه عمَّا يشعر به

يصعب علينا -نحن الآباء- رؤية أطفالنا يتألمون أو يبكون أو يغضبون، ونحاول بأية طريقة أن نشتت انتباههم سريعًا عن المشاعر المؤلمة، لكننا لا ننتبه إلى أن هذه الطريقة قد تكون بداية تكوُّن الكبت النفسي لديهم عندما يكبرون!

لذا، ما عليك فعله هو مقاومة رغبتك في إخراجه من بؤرة المشاعر السلبية، وأن تساعده على التحدث عنها بأريحية.

نوبات الغضب والعجز عن التعبير عن المشاعر

أحيانًا تفلت من أيدينا جميع الحيل لامتصاص مشاعر أطفالنا في حال دخولهم في نوبة غضب، أو عند إساءة السلوك.

لذا، من الضروري أن تُعَلِّم طفلك بعض الطُرُق الملائمة للتعبير عن مشاعره وقت الإحباط أو الغضب، مثل:

  • التنفس العميق، ليساعده على الهدوء واستجماع نفسه.
  • أخذ وقت مستقطَع مِمَّا يفعله، والعودة إليه لاحقًا.
  • محاولة استخدام الكلمات للتعبير عن نفسه، بدلًا من إلقاء الأشياء أو كسر الألعاب أو غيرها.
  • التحدث إلى شخص كبير وطلب المساعدة منه.

ماذا عن الطفل الذي لم يتحدث بعد؟

في حالة كان طفلك صغيرًا لم يتحدث بعد، يمكنك تجرِبة استخدام بعض الإشارات الخاصة بالتعبير عن المشاعر والرغبات المختلفة، وهي إشارات تكررها على طفلك بدءًا من شهره السادس، وترتبط ارتباطًا شرطيًا بتلك المشاعر والرغبات.

فتتكون لديه مع الوقت لغة جديدة للتعبير عمَّا يرغب به، فيستطيع أن يُفهِمَك ما يحاول قوله دون بكاء أو صراخ متصل.

اقرأ أيضًا: تنمية القدرات العقلية للطفل

وفي النهاية -عزيزي القارئ-، ما نحاول فعله هو فهم تلك الكائنات الصغيرة، واحترام شخصياتهم المستقلة،
ومساعدتهم على النمو بصحة نفسية جيدة. وهذا على قدر بساطة قوله، إلا أنه يُحمِّلنا مسؤولية كبيرة نحوهم،
فنسأل الله أن يعيننا عليها!

المصدر
Helping Children Express Their FeelingsHelping kids identify and express feelings5 Ways to Help Children Identify and Express their EmotionsHelp young children identify and express emotions
اظهر المزيد

د. آلاء عمر

آلاء عمر، صيدلانية، أم، وكاتبة محتوى طبي، أهدف إلى إيصال المعلومة الطبية للقارئ بسهولة وزيادة الوعي الطبي لدى الناس. مهتمة بمجال الصحة النفسية وما يخص الطفل والمرأة طبياً. مؤمنة بقدرة الإنسان على اكتساب الوعي والتغيير الإيجابي للإرتقاء بمستوى حياته للأفضل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق