ترياق الأمراض النفسية

عسر القراءة (Dyslexia) | إنها طلاسم وليست حروف!

أقلب في صفحات الكتاب وأقف متحيرًا… لا أستطيع القراءة!

أنا لست غبيًا ولا جاهلًا، ولا ينقصني الذكاء، ولكنني أرى الحروف وكأنها طلاسم أعجز عن فك شيفرتها.

أعجز منذ صغري عن قراءة الحروف أو ربطها بأصواتها؛ هل تعلم كم مرة سخر زملائي مني، وأطلقوا عليَّ الكثير من الألقاب استهزاءً بي! لعدم قدرتي على القراءة، وتلعثمي في الحديث.

كم عانيت في صغري لأتعلم التحدث بشكل جيد، ويعود الفضل في ذلك لأمي؛ فهي من دعمتني وساندتني، ولم تقلل أبدًا من قدري، فقد كانت متيقنة أني أعاني خطبًا ما.

وبالفعل اكتشفنا أني أعاني عسر القراءة بعد عرضي على الطبيب المختص، وإجراء العديد من الفحوصات الطبية.

والآن، بعد سنوات من الدعم والعلاج استطعت النجاح في هذا التحدي، وتعلمت القراءة والكتابة، بل تخرجت أيضًا في كلية التجارة.

سنتحدث في السطور القادمة عن تعريف عسر القراءة، وأسبابه، وأنواعه، وسنتطرق أيضًا إلى كيفية التشخيص والعلاج، فتابع معنا هذا المقال.

تعريف عسر القراءة (Dyslexia)

يعد عسر القراءة واحدًا من صعوبات التعلم الشائعة، ويطلق عليها أيضًا “ديسليكسيا”.

يؤثر هذا الاضطراب في قدرة الشخص على القراءة والكتابة والتهجئة والتحدث، ولكنه لا يؤثر في مستويات الذكاء.

يعاني المصابون بالديسليكسيا عدم القدرة على تعلم الحروف وربطها بأصواتها؛ وهو ما يؤثر في قدرتهم على القراءة السريعة دون ارتكاب أخطاء.

وقد يواجه بعض الأشخاص صعوبة في فهم ما يقرؤون، ولذا؛ تختلف العلامات من شخص لآخر.

يعد عسر القراءة أكثر صعوبات التعلم شيوعًا عند الأطفال التي تستمر مدى الحياة؛ إذ يعاني ما يقارب 1-8% من الأطفال في سن المدرسة هذا الاضطراب، وعادة ما يلاحظ المعلم هذه المشكلة، ولكن يساعد التشخيص المبكر والعلاج على تحسين مهاراتهم اللغوية.

وتكمن المشكلة في عدم إدراك بعض الآباء أن أبناءهم يعانون عسر القراءة إلا بعد تخطي مرحلة الطفولة، ولكن الأوان لم يفت؛ فلا يزال بإمكانهم تحسين مهاراتهم اللغوية.

أسباب الديسليكسيا

لم يحدد الباحثون سببًا محددًا للإصابة بعسر القراءة (Dyslexia)، ولكن هناك بعض الأسباب المحتملة التي تزيد من خطر الإصابة:

  • العوامل الجينية والوراثية: ينتشر هذا الاضطراب بين أفراد العائلة الواحدة؛ فقد اكتشف العلماء وجود جينات مرتبطة بمشكلات القراءة ومعالجة اللغة.
  • اختلافات في الدماغ: أظهرت الدراسات وجود اختلافات في تشريح الدماغ بين الأشخاص الطبيعيين وأولئك الذين يعانون عسر القراءة.

توجد هذه الاختلافات في مناطق الدماغ المرتبطة باللغة ومهارات القراءة الأساسية؛ وهو ما يجعل هؤلاء الصغار يواجهون صعوبة في ربط الحروف بالأصوات التي يصدرونها، ويعانون أيضًا صعوبة دمج هذه الحروف لتكوين كلمة.

ولكن أشارت العديد من الأبحاث أن نشاط الدماغ لدى المصابين بهذا الاضطراب يتغير بعد حصولهم على التعليمات المناسبة والإرشادات التي يحتاجون إليها.

أسباب الديسليكسيا

أنواع عسر القراءة

تشمل أنواع عسر القراءة:

عسر القراءة الصوتي

يعد هذا النوع أشهر أنواع عسر القراءة وأكثرها شيوعًا، ويطلق عليه أيضًا “خلل النطق”.

يعاني المصابون بهذا النوع من الديسليكسيا صعوبة في تحليل أصوات الحروف ومطابقتها مع الرموز “الحروف” المكتوبة؛ وهو ما يجعلهم غير قادرين على فك شيفرة تلك الرموز، ودمج الحروف ونطقها.

عسر القراءة السطحي

يطلق عليه أيضًا “عسر القراءة البصري”.

قد يتمكن المصاب بهذا النوع من قراءة كلمات جديدة، ولكنه يواجه صعوبة في التعرف إلى الكلمات الشائعة عن طريق البصر؛ ولذا؛ فإنه يستغرق الكثير من الوقت لقراءة الكلمة.

ويرجع ذلك إلى عدم قدرة الدماغ على تذكر شكل الكلمة، ولذا يواجه المريض صعوبة في تعلم الكلمات وتذكرها.

عجز التسمية السريع

يعاني كثير من المصابين بالديسليكسيا صعوبة في تسمية الأشياء بسرعة عند رؤيتها، مثل: الحروف والأرقام والألوان.

يستطيع هؤلاء الأشخاص نطق الكلمات والأسماء، ولكنهم يستغرقون وقتًا أطول من الأشخاص الطبيعيين.

يظن العديد من العلماء أن هذا النوع يحدث جرَّاء عدم قدرة المريض على معالجة المعلومات بسرعة، وعدم تمكنه أيضًا من القراءة السريعة.

عسر القراءة المزدوج

يعاني المصاب بهذا النوع صعوبة في التعرف إلى أصوات الحروف وربطها بها ودمجها لتكوين كلمة، ويواجه أيضًا صعوبة في تسمية الأشياء.

أي أن هذا النوع يدمج بين عسر القراءة الصوتي وعجز التسمية السريع؛ وهو ما يجعله أشد أنواع عسر القراءة حدة.

عسر القراءة الاتجاهي

يجد المريض صعوبة في التمييز بين اليمين واليسار، وهي سمة مشتركة عند المصابين بعسر القراءة.

قد يعاني بعض الأشخاص صعوبة التعرف إلى الأرقام والرياضيات، وهو ما يطلق عليه “عسر الحساب”، وقد يحدث مع عسر القراءة أو منفردًا، ولكنه ليس واحدًا من أنواع عسر القراءة.

وتشمل أنواع عسر القراءة؛ تبعًا لسبب الإصابة:

عسر القراءة الأولي

يحدث هذا النوع من عسر القراءة عند الأطفال نتيجة للعوامل الوراثية؛ إذ يولد الطفل في عائلة يعاني أحد أفرادها الديسليكسيا.

يسبب هذا النوع صعوبات عند الطفل في معالجة الحروف والأرقام والأصوات؛ وهو ما يؤثر سلبًا في قدرته على القراءة والتهجئة والنطق.

عسر القراءة الثانوي

ينتج هذا النوع من عسر القراءة عند الأطفال جراء وجود مشكلات في نمو الدماغ خلال المراحل المبكرة من نمو الجنين؛ فيولد الطفل وهو يعاني ضررًا عصبيًا.

يتحسن هذا النوع من الديسليكسيا مع تقدم الطفل في العمر.

عسر القراءة الناتج عن الصدمة

قد تؤدي الصدمة الدماغية أو إصابة الدماغ في المناطق التي تتحكم في مهارات القراءة والكتابة إلى الإصابة بعسر القراءة عند الكبار.

نادرًا ما يحدث هذا النوع عند الأطفال.

علامات الديسليكسيا

تختلف أعراض الديسليكسيا من شخص لآخر، ويتميز كل شخص بنمط فريد من نقاط الضعف والقوة، ولكننا سنذكر العلامات الأكثر شيوعًا.

علامات عسر القراءة عند الأطفال (ما قبل المدرسة)

يمكنك -سيدتي- ملاحظة علامات الديسليكسيا عند طفلك قبل سن المدرسة، واعلمي أن سرعة التشخيص والعلاج ستساعد طفلك على تحسين مهاراته اللغوية، ونذكر منها:

  • تأخر في تطور مهاراته اللغوية مقارنة بأقرانه.
  • مشكلات في الكلام، مثل: عدم القدرة على نطق كلمات طويلة بشكل صحيح، وخلط الكلمات ببعضها.
  • عدم القدرة على التعبير عن نفسه باستخدام كلمات مفهومة.
  • عدم القدرة على تذكر الكلمات الصحيحة، أو دمج الجمل مع بعضها بشكل صحيح.
  • صعوبة في فهم أغاني الأطفال.
  • صعوبة في تعلم حروف الهجاء.

اقرأ أيضًا: التشتت وعدم التركيز عند الأطفال | إليك الحل!

علامات عسر القراءة عند الأطفال (في سن المدرسة)

عادة ما تصبح الأعراض أكثر وضوحًا عندما يبدأ الأطفال الذهاب إلى المدرسة، ويبدؤون تعلم القراءة والكتابة.

تشمل أعراض عسر القراءة عند الأطفال في سن 5 – 12 عامًا:

  • صعوبة في تعلم الحروف وأصواتها.
  • عدم القدرة على الإملاء.
  • كتابة الأحرف والأرقام بشكل خاطئ.
  • الخلط بين ترتيب الحروف في الكلمات.
  • القراءة ببطء، وارتكاب الأخطاء عند القراءة بصوتٍ عالٍ.
  • اضطرابات بصرية عند القراءة (قد يرى الطفل الكلمات والحروف وكأنها تتحرك).
  • عدم القدرة على كتابة إجابات الأسئلة بشكل صحيح على الرغم من الإجابة عليها شفهيًّا.
  • يواجه صعوبة في التمييز بين الاتجاهات (اليمين واليسار).
  • بطء الكتابة، وضعفها.
  • ضعف الحصيلة اللغوية.
  • عدم القدرة على حفظ أيام الأسبوع وحروف الهجاء بالترتيب.

علامات عسر القراءة عند الكبار والمراهقين

إضافة إلى العلامات السابق ذكرها، تشمل العلامات الأخرى لعسر القراءة عند الكبار والأطفال “الأكبر سنًا”:

  • عدم القدرة على إنجاز عمل مكتوب بإتقان.
  • صعوبة في التخطيط وكتابة التقارير أو الرسائل أو المقالات.
  • محاولة تجنب القراءة والكتابة كلما أمكن.
  • صعوبة في تدوين الملاحظات أو نسخها.
  • ضعف التهجئة.
  • صعوبات في تذكر الأرقام والأشياء، مثل: رقم هاتف أو الرقم التعريفي أو كلمة السر للبريد الإلكتروني.
  • صعوبة الالتزام بالمواعيد النهائية لتسليم المهام.

التشخيص

قد يكون من الصعب تشخيص عسرِ القراءة عند الأطفال في سن صغيرة، ولكن كلما أسرعت في التشخيص والعلاج، تحسنت مهارات الصغير اللغوية بسرعة.

لا يمكننا أن ننكر دور المدرسة والمعلم في ملاحظة الصعوبات التي يعانيها الطفل.

يمكنك استشارة المعلم أولًا إن كنت تلاحظ ضعف مهارات طفلك اللغوية وعدم قدرته على القراءة، ثم استشر الطبيب المختص.

علامات عسر القراءة عند الكبار والمراهقين

يجب استبعاد المشكلات الصحية الأخرى التي قد تؤثر في قدرة الطفل على التركيز والاستيعاب والقدرة على القراءة والكتابة قبل تأكيد الإصابة بالديسليكسيا.

مقياس عسر القراءة

هو سلسلة من الاختبارات لتشخيص الإصابة بالديسليكسيا، وكذلك تقييم المريض لمعرفة نقاط ضعفه وقوته.

ويمكن معرفة مقياس عسرِ القراءة من خلال الاختبارات المجانية على الإنترنت؛ إذ تقدم الكثير من المواقع الأجنبية اختبارات مجانية لتقييم نقاط الضعف والقوة، وتحديد شدة الأعراض.

يتضمن الاختبار العديد من الأسئلة التي ينبغي لك الإجابة عليها بمفردك أو بمساعدة أحد أفراد أسرتك، وتقيِّم هذه الأسئلة المهارات الفعلية للطفل أو الشخص البالغ.

يمكن إجراء مقياس عسرِ القراءة أيضًا بواسطة اختصاصي صعوبات التعلم؛ إذ يجري العديد من الاختبارات لتقييم نقاط ضعف المريض وقوته.

تقيِّم هذه الاختبارات قدرة المريض على:

  • القراءة والكتابة.
  • تطوير مهارات اللغة والمفردات.
  • التفكير المنطقي.
  • التذكر.
  • معالجة المعلومات المرئية والسمعية والبصرية بسرعة.
  • المهارات التنظيمية.
  • التعلم.

العلاج

لا يوجد علاج محدد لعسرِ القراءة، ولكن هناك بعض الاستراتيجيات التي يمكنك اتباعها؛ لتحسن من مهارات طفلك اللغوية.

برامج القراءة

يواجه الأطفال الذين يعانون الديسليكسيا صعوبة مطابقة الحروف مع أصواتها، ومطابقة الكلمات مع معانيها.

قد يحتاج الأطفال إلى مساعدة إضافية بواسطة اختصاصي القراءة في جلسات فردية أو جماعية لمعرفة:

  • نطق الحروف والكلمات (الصوتيات).
  • القراءة بسرعة.
  • فهم ما يقرؤونه واستيعابه بشكل أفضل.
  • الكتابة بطريقة واضحة.

يمكن لطفلك استخدام الكتب الصوتية، واستخدام البرامج التي تحول النص إلى كلام؛ لتساعده على الفهم وتطوير مهاراته.

تشمل الاستراتيجيات الأخرى التي عليك اتباعها:

  • القراءة في مكان هادئ دون مشتتات.
  • الاستماع إلى الكتب الصوتية المسجلة، والقراءة مع التسجيل.
  • تقسيم القراءة والأنشطة اللغوية الأخرى إلى مهام صغيرة يسهل إنجازها.
  • الانضمام إلى مجموعات الدعم للأطفال أو البالغين المصابين بالديسليكسيا.
  • الحصول على قسط وافر من النوم والراحة، وتناول الأطعمة الصحية.

اقرأ أيضًا: كيف أحسن قدرة طفلي على التعلم؟

قد تساعد الإرشادات السابقة البالغين المصابين بعسرٌ القراءة، ويمكنهم أيضًا:

  • استخدام المنظم الإلكتروني لتنظيم مهامه اليومية.
  • إنشاء خرائط ذهنية بدلًا من تدوين الملاحظات.

ولعلك تتساءل الآن، ما الذي يمكنك تقديمه لطفلك لدعمه ومساندته؟

كيف أساعد طفلي؟

هناك بعض الخطوات البسيطة التي يمكنك القيام بها، ونذكر منها:

  • اقرأ لطفلك: كي تساعده على تعزيز مهاراته اللغوية، وتشجيعه على القراءة.
  • شاركه القراءة: اقرأ معه جزءًا من الكتاب، ثم تناقشا سويًّا فيما حدث أو اسأله عما يتوقعه لاحقًا.
  • لا تمل من القراءة: قد تشعر بالملل من قراءة كتاب طفلك المفضل مرارًا وتكرارًا، ولكن اعلم أن هذا التكرار سيعزز قدرة طفلك على فهم هذا النص.
  • امنح طفلك الوقت ليقرأ بصمت: يحتاج طفلك إلى أن يعتاد القراءة بمفرده ليشعر بالاستقلالية والثقة بالنفس.
  • اجعل وقت القراءة ممتعًا: لا تجعل طفلك يشعر بأن القراءة عملًا ثقيلًا عليك، بل اجعله وقتًا ممتعًا، واختر الكتب التي يفضلها طفلك.

عسرُ القراءة هو إحدى صعوبات التعلم التي قد يعانيها أطفالنا، ولكنها ليست عائقًا يمنعهم من النجاح والتفوق، بل تخلق تحديًّا خاصًا يمكنهم الفوز به؛ ليتمكنوا من تعزيز مهاراتهم في القراءة والكتابة.

وكونك والدًا لواحد من هؤلاء الأطفال، فاعلم أنه تقع على عاتقك مسؤولية دعم طفلك ومساندته وتشجيعه على التعلم؛ فالطريق ليس سهلًا ولكنه ليس مستحيلًا.

المصدر
DyslexiaTypes of Dyslexia: What Researchers Are Studying and WhyDifferent types of dyslexiaWhat to know about dyslexiaWhat Are the Treatments for Dyslexia?Dyslexia
اظهر المزيد

د. أمل فوزي

أمل فوزي، صيدلانية، أعمل في الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية. أعشق الكتابة، وأجيد البحث، أستمتع بكتابة المقالات الطبية بأسلوب سلس وبسيط، هدفي الارتقاء بمستوى المحتوى الطبي العربي، ونشر العلم من مصادره الموثوقة لينتفع به القارئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق