الإدمان

عقاقير الهلوسة

فاجأني ولدي ذو السبعة عشر ربيعًا ذات يوم بطلب غريب: “أبي… أريد أن أجرب حبوب الهلوسة”!

فسألته مشدوهًا: وما أدراك بها؟! ولماذا تريد أن تجربها؟! فأجابني: “أخبرني زميلي في المدرسة أنها تنقلني إلى عالم آخر، وتنسيني هم المذاكرة والامتحانات”!

ذهلت من هول ما سمعت، ولجأت إلى أحد أصدقائي من الصيادلة، وعندما سألته عن هذه الحبوب، أفادني بما يأتي…

ما هي عقاقير الهلوسة؟

ما هي عقاقير الهلوسة؟

هي مجموعة متعددة من العقاقير التي تؤثر في وعي الإنسان وإدراكه، وفي تفكيره وأحاسيسه. يُستخرَج بعضها
من النباتات، والبعض الآخر يحضَّر كيميائيًا. 

تسبب عقاقير الهلوسة الهلاوس السمعية والبصرية، والإحساس بالتحرر والانفصال عن الواقع.

استخدِمت عقاقير الهلوسة منذ زمن بعيد في طقوس دينية وعلاجية، وتستخدَم حاليًا لأسباب اجتماعية وترويحية،
مثل الشعور بالمتعة ولتخفيف ضغوطات الحياة.

ومن أشهر الأسماء المنتشرة للحبوب التي تسبب الهلوسة في الآونة الأخيرة: الإكستاسي، وحبوب الصين المنقذة، وأبو صليبة، والفراولة، وأبو زومبة.

يتناولها مستخدموها بعدة طُرق، منها: ابتلاعها على شكل أقراص، أو على شكل سائل، أو تحضيرها مع المشروبات (مثل الشاي)، أو الشم، أو الحقن، أو تدخينها واستنشاق بخارها، أو عن طريق استحلاب أوراق منقوعة في عقاقير الهلوسة داخل الفم.

أنواع حبوب الهلوسة

تنقسم حبوب الهلوسة إلى فئتين أساسيتين:

1- مهلوسات تقليدية (Classic hallucinogens)

ومن أشهر أمثلتها ما يأتي:

  • ثنائي إيثيل أميد حمض الليسرجيك (D-lysergic acid diethylamide)، ويختصَر إلى (LSD)،
    ويعَدُّ من أقوى أنواع عقاقير الهلوسة، وهو مادة بيضاء تصنَع من حمض الليسرجيك، الذي يؤخَذ من الفطريات التي تنمو على نبات الشيلم وغيره من الحبوب.
  • سيلوسيبين (Psilocybin)، ويستخلَص من أنواع معينة من الفطريات التي تنمو في المناطق الاستوائية
    وشبه الاستوائية في الولايات المتحدة وأمريكا الجنوبية، ويطلَق عليه أحيانًا اسم (الفطر السحري).
  • ميسكالين (Mescaline)، ويستخرَج من أحد أنواع الصبار الذي يُسمَّى (Peyote)، وهو المكون الأساسي له.
  • ثنائي ميثيل تريبتامين (N,N-dimethyltryptamine)، ويعرَف اختصارًا باسم (DMT)،
    وهو مادة قوية التأثير توجَد بشكل طبيعي في بعض نباتات منطقة الأمازون، ويحضَّر كيميائيًا على شكل
    مسحوق بلوري أبيض يستعمَل عن طريق التدخين.
  • (251-NBOMe)، وهو أحد أنواع عقاقير الهلوسة المُحضَّرة كيميائيًا، شبيه بـ(LSD) ولكنه أقوى فعالية
    منه بكثير، ويستخدَم في أبحاث الكيمياء الحيوية.

2- مهلوسات فصامية (Dissociative hallucinogens)

ومن أشهر أمثلتها ما يأتي:

  • فينسيكليدين (Phencyclidine)، ويختصَر إلى (PCP). استُخدِم في خمسينيات القرن الماضي كمخدر
    عام في العمليات الجراحية، ثم ترِك بعد ذلك لخطورة أعراضه الجانبية.

له عدة أشكال، منها الأقراص أو الكبسولات، والشكل السائل، وعلى هيئة مسحوق بلوري أبيض، وهو الأكثر انتشارًا.

  • كيتامين (Ketamine)، يستخدَم كمخدر جراحي للإنسان والحيوان، ويروَّج على شكل مسحوق أو أقراص،
    أو سائل للحقن، ويتعاطى عن طريق الاستنشاق، ويضاف أحيانًا إلى بعض المشروبات التي تستخدَم كمخدرات للاغتصاب.
  • ديكستروميثورفان (Dextromethorphan)، وهي مادة مثبطة للكحة ومزيلة للبلغم في بعض أدوية الكحة اللاوصفية.
  • نبات قصعين الكهان (Salvia divinorum)، وينمو في أمريكا الجنوبية، ويتعاطى عن طريق مضغ
    أوراقه الطازجة، أو شرب السوائل المستخلَصة منها، أو تدخين أوراقه الجافة.

تأثير عقاقير الهلوسة

تأثير عقاقير الهلوسة

يعتقد العلماء أن عقاقير الهلوسة تشوش إدراك متعاطيها بالتأثير في دوائر عصبية في المخ، وبخاصة في القشرة الجبهية الأمامية، وهي المنطقة المسؤولة عن الإدراك والحالة المزاجية والتمييز.

في حين أن المهلوسات الفصامية تعطل نواقل الجلوتامات العصبية في المخ، ويعتقدون أيضًا أنها تؤثر في مستقبلات السيروتونين.

ويمتد تأثير عقاقير الهلوسة أيضًا إلى مناطق في المخ مسؤولة عن تنظيم ردود الأفعال الفسيولوجية تجاه التوتر والخوف، كما ذكر ذلك المعهد الوطني الأمريكي للإدمان في أبحاثه.

تأثير عقاقير الهلوسة على المدى القصير

يرى متعاطو حبوب الهلوسة ويسمعون ويحسون أشياء تبدو لهم واقعية، ولكنها ليست كذلك فعلًا، ويبدأ الشعور بذلك بعد حوالي 20-90 دقيقة من تعاطيها، ويمكن أن يستمر لمدة 12 ساعة.

ولا يمكن التنبؤ بمدى قوة هذا التأثير، إذ يعتمد تأثير عقاقير الهلوسة على تركيزها، وعلى شخصية المتعاطي، والظروف المحيطة به.

ويمكن أن يشعر بعض المتعاطين أحيانًا بالمتعة والإثارة وزيادة الفهم والاستيعاب، والبعض الآخر يمكن أن يشعر بالقلق واليأس والأفكار المرعبة.

وفيما يأتي بعض أعراض حبوب الهلوسة على المدى القصير كما ذكرها المعهد الوطني الأمريكي للإدمان:

  • الدوار والأرق.
  • اتساع حدقة العين.
  • اختلال الحركة (Ataxia).
  • الاندفاع والتهور، والتبدلات العاطفية السريعة المتناقضة من الخوف إلى الارتياح.
  • ارتفاع ضغط الدم، وزيادة معدل نبضات القلب، وارتفاع درجة حرارة الجسم.
  • فقدان الشهية، وجفاف الفم، والتعرق.
  • الخدر، والضعف، والرعاش.
  • اختلال الإحساس بالوقت.
  • الهلاوس السمعية والبصرية.
  • اضطراب الشعور والإحساس، حيث يرى المتعاطي الألوان أغمق مما هي عليه، أو يسمع الأصوات أعلى من طبيعتها.
  • الغثيان.

تأثير عقاقير الهلوسة على المدى البعيد

يعَدُّ الإدمان النفسي أحد أهم أعراض حبوب الهلوسة، إذ أظهرت الدراسات تطور إدمان متعاطي عقار
(LSD) بسرعة كبيرة، مما يعني ازدياد جرعته باستمرار. لذا، يعتبَر من أخطر أنواع حبوب الهلوسة.

وأشارت الأبحاث إلى أن إدمان أحد أنواع عقاقير الهلوسة يتبعه إدمان العقاقير الأخرى من نفس الفئة؛ فمَنْ أدمن تعاطي (LSD) -على سبيل المثال- سوف يدمن تعاطي سيلوسيبين، وميسكالين.

ولكن لحسن الحظ فإن إدمان عقاقير الهلوسة يختلف عن أنواع الإدمان الأخرى، إذ أنه بمجرد الإقلاع عنها تختفي أعراضها، ولا يشعر الشخص بأعراض انسحاب.

كذلك يعَدُّ الذهان المستمر واسترجاع ذكريات الماضي من أشد أعراض حبوب الهلوسة خطورة، وتعرَف باسم
الهلوسة المصحوبة باضطراب إدراكي مستمر – Hallucinogen persisting perception disorder, HPPD)، وتتميز بما يلي:

  • اختلال التفكير.
  • اضطراب الحالة المزاجية.
  • جنون الارتياب.
  • اضطرابات بصرية.

وعلى الرغم من ندرتها، فإنه لا يمكن التنبؤ بحدوث هذه الأعراض، ويمكن حدوثها مع أي شخص، إلا أن الأبحاث أظهرت زيادة قابلية حدوثها للأشخاص الذين لهم تاريخ من المشاكل النفسية.

وقد ذكر المعهد الوطني الأمريكي للإدمان أن الذهان المستمر واسترجاع ذكريات الماضي يمكن حدوثهما لبعض الأشخاص بعد أول جرعة من الحبوب التي تسبب الهلوسة. 

ولا يوجَد علاج متبع لاسترجاع ذكريات الماضي، إلا أن بعض المصابين به تعافوا بعد علاجهم بمضادات الاكتئاب، ومضادات الذهان، والعلاج النفسي.

علاج إدمان حبوب الهلوسة

علاج إدمان حبوب الهلوسة

كما سبق، فإن أعراض حبوب الهلوسة ناتجة عن الإدمان النفسي وليس الجسدي، مما يعني عدم ظهور أعراض انسحاب عند التوقف عن تعاطيها، كما هو الحال في إدمان المخدرات والكحوليات.

توجَد مراكز للعلاج -داخل المستشفيات وخارجها- توفر أنواعًا مختلفة من العلاج، منها العلاج المعرفي السلوكي (Cognitive behavioral therapyوالعلاج السلوكي الجدلي (Dialectical behavioral therapy)، ومهارات أساليب الحياة… وغيرها من الأنواع التي ثبتت فعاليتها في علاج متعاطي عقاقير الهلوسة.

وهناك طرق أخرى مثل الوقاية من الانتكاس (Relapse prevention) ومجموعات الدعم -مثل
(المدمنين المجهولين – Narcotics Anonymous)- ثبت نجاحها أيضًا.

ولا يفوتنا أن ننوه في الختام على أن الابتعاد عن رفقاء السوء من أهم وأنجح الطرق في تجنب وعلاج هذه المشكلات، بالإضافة إلى تجنب الفضول الزائد والرغبة في تجربة كل شيء.

المصدر
Hallucinogens DrugFactsThe Short and Long Term Effects of HallucinogensHow Do Hallucinogens (LSD, Psilocybin, Peyote, DMT, and Ayahuasca) Affect the Brain and Body?Addiction to LSD
اظهر المزيد

Mohammed Saad

صيدلي ومترجم طبي وكاتب محتوى طبي، أسعى إلى تبسيط وإثراء المحتوى العلمي العربي؛ لإلسهام في نشر الوعي والثقافة الطبية في العالم العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق