ترياق الأمراض النفسية

عقدة سندريلا – Cinderella Complex | في انتظار الأمير المنقذ!

تقضي الفتاة وهي صغيرة شطرًا من عمرها حالمة بأميرها الفاتن، الذي سيأتي على حصانه الأبيض، فيختطفها وينقذها من بؤسها وأيامها القاسية. 

لكنها تصحو على الحقيقة المرة؛ لا أمير ولا منقذ على الأرض الواقع!

تظل المسكينة تصارع الحياة وحيدة بين الخوف والأمل؛ خائفةً من ضعفها، وآملةً في أن يأتي أميرها بأسرع وقت. وبينما تمر الأيام ثقيلة، تتساءل فتاتنا: أين المشكلة؟! 

المشكلة يا عزيزتي أنك مصابة بـ “عقدة سندريلا”! 

لكن لا تقلقي!… لستِ وحدك، فقد تربت الفتيات على تلك العقدة على مر العصور حتى ظننَّ أنها الحقيقة ولا حقيقة غيرها! 

في السطور القادمة من هذا المقال، سنكشف الستار عن “عقدة سندريلا”، ونستعرض سويًا سبب نشأتها، وأضرارها على النساء، وكيف يمكن أن نحمي بناتنا منها.  

هيا بنا… 

ما هي عقدة سندريلا “Cinderella Complex”؟ 

هي تلك الحالة التي تتربى عليها الفتيات صغيرات وتكبر معهن، فيعتقدن أنهن أميرات جميلات وضعيفات، وأنهن بحاجة دائمًا إلى الأمير القوي، الذي سيحول حياتهن إلى أزهار وورود. 

لا بأس بالطبع أن نخبر فتياتنا بأنهن جميلات وأميرات، ولكن المشكلة تأتي عندما يترسخ في أذهانهن أنهن ضعيفات، وغير قادرات على تغيير حياتهن الصعبة إلا عن طريق الأمير المنتظر -الذي لن يأتي أبدًا. 

لماذا سميت عقدة سندريلا بهذا الاسم؟ 

ترجع هذه التسمية إلى القصة الخيالية الشهيرة (سندريلا)، حيث ظلت الفتاة المسكينة تعاني ظلم وتسلط زوجة أبيها وبناتها، ولم ينقذها غير الأمير الذي حول حياتها من الشقاء إلى السعادة والهناء.

كانت الباحثة (كوليت دوالينج – Colette Dowling) هي أول من يلقي الضوء على تلك الظاهرة في كتابها الشهير (عقدة سندريلا| خوف النساء الخفي من الاستقلالية)، حيث تحدثت فيه عن رغبة النساء -غير المتعمدة- في أن يكن دائمًا في رعاية وحماية شخص ما، وبررت أن هذا يرجع إلى خوفهن من الاستقلالية ومن تحمل مسؤولية أنفسهن. 

قد تتساءلين عزيزتي: ما المشكلة في أن ترغب الفتاة في الحماية والرعاية من الآخرين؟! 

هذا ما سنجيبكِ عنه في الفقرة القادمة. 

ما الذي يجعل متلازمة سندريلا أمرًا سلبيًا؟ 

تعاني الفتاة التي تكبر ولديها عقدة سندريلا مشكلات كثيرة في بنائها وتكوينها الشخصي، فهي لا تفكر في تنمية مهاراتها وقدراتها الشخصية بقدر ما تفكر في كيفية اصطياد أميرها، الذي سيحمل عنها كل المسؤوليات والأعباء في الحياة. 

غالبًا ما تكون تلك الفتاة:

فهي تعتقد أن الحياة -خاصةً الحياة الزوجية- تُبنى على عمود واحد، ألا وهو الرجل، فهو المسؤول عن كل شيء، وهي ليس مطلوبٌ منها غير إيجاده وانتظاره. وهذا بالطبع غير صحيح، فالحياة الزوجية تُبنى على المشاركة بين طرفيها، وتحمُّل كلٍّ منهما لمسؤولياته ومهامه. 

لا يعني هذا بالطبع أن المرأة -كشريك حياة- لا تحتاج إلى الدعم والمساندة من زوجها، ولكن يعني أنَّ عليها
-كما عليه- مسؤولية النهوض بأسرتها وإنجاح حياتها، وهذا ما تفتقر إليه المرأة التي تعاني عقدة سندريلا،
حيث تكون في أغلب الأمر عالة نفسية على زوجها، وربما محبَطة وغير سعيدة بحياتها، أو كثيرة الشكوى والتذمر، لأنها لم تجد الأمير والحياة التي كانت تنتظرهما.  

ماذا لو أصبحت المرأة بلا رجل يحميها؟…

كيف ستكون حياتها في ظل عقدة سندريلا؟!

أثر عقدة سندريلا

إذا نظرنا في مجتمعنا، سنجد أن بعض النساء يخرجن من علاقة فاشلة ومؤذية ليدخلن في أخرى،
وأحيانًا نتساءل: ما السبب الذي يدفعهن إلى ذلك؟! 

السبب هو إصابة هؤلاء النسوة بـ “عقدة سندريلا”، فهن يعتقدن أنهن غير قادرات على إدارة حياتهن بأنفسهن والمضي قُدمًا، فتسَخر كل منهن جل طاقتها للعثور على رجل آخر يتحمل عنها عبء الحياة.
والنتيجة هي أن أغلبهن يقعن فرائس في فخاخ رجال غير مؤتمنين، ويظللن أسيرات في دائرة المعاناة والألم إلى الأبد. 

إذن…

ما السبب وراء إصابة بعض النساء بعقدة سندريلا؟

تمتد جذور تلك المشكلة إلى نشأة الفتاة في سنوات عمرها الأولى، وقد يستمر الأمر معها إلى أبعد من ذلك، وتلعب عدة عوامل أسرية واجتماعية دورًا في ظهوره. 

1- الدور الأسري:

عادة ما يقلق الأبوان بشأن بناتهما أكثر من أبنائهما الذكور، وعلى الرغم من أن هذا القلق قد يكون طبيعيًا ومطلوبًا في أغلب الأحيان، إلا أنه قد يتحول إلى قلق مرضي ينتج عنه حرمان الفتاة من ممارسة الكثير من الأمور التي ستساعدها في تعلم وإتقان مهارات الحياة المختلفة، مثل: اتخاذ القرارات، وإدارة شؤونها الخاصة. 

وغالبًا ما تترجم الفتاة قلق أبويها الزائد عليها بأنه ضعف من جانبها، ويترسخ في ذهنها أنها غير قادرة على تحمل المسؤولية. 

2- الدور المجتمعي:

في مجتمعاتنا الشرقية، توجد الكثير من المفاهيم المغلوطة لدى الرجال والنساء على حد سواء.
فتخبر بعض النسوة الكبيرات الفتيات الصغيرات بأن الرجال لا يحبون المرأة الذكية واسعة الاطلاع، لأنها تشعرهم بأنها خطر على رجولتهم.

فيدفع هذا بعض الفتيات إلى ادعاء الضعف وممارسته، والتوقف عن تنمية وصقل مهاراتهن. 

ما يجهله هؤلاء أن هذا التصرف لا ينتج عنه أبدًا علاقة صحية بين الرجل والمرأة، فالبيت القوي هو ذاك الذي يقوم على رجل قوي وامرأة قوية، يعي كل منهما دوره جيدًا، ويدعم أحدهما الآخر عند الحاجة.
أما المرأة الضعيفة التي تعاني عقدة سندريلا، فهي غير قادرة على دعم نفسها أو شريكها. 

كما يتعامل البعض مع النساء على أنهن غير قادرات في بعض الأحيان على التفكير العقلاني واتخاذ القرارات الحكيمة، والمدهش أن بعض النساء يروجن لهذا أيضًا -ربما بغير قصد-، فتكتب إحداهن على مواقع التواصل الاجتماعي أن هرمونات المرأة تسيطر عليها، وهي السبب في كثير من ردود أفعالها! 

كل ذلك يؤدي إلى أن تفقد المرأة الثقة بنفسها وقدراتها، وتكون النتيجة هي الإصابة بعقدة سندريلا.  

سيقودنا هذا إلى تساؤل هام…

كيف نحمي بناتنا من عقدة سندريلا؟ 

الوقاية من عقدة سندريلا

تقع المسؤولية الكبرى في حماية النساء من الإصابة بمتلازمة سندريلا “Cinderella Complex” على عاتق الآباء والأمهات، حيث يعتمد الأمر بالأساس على طريقة تعامل الوالدين مع بناتهن في سنوات عمرهن الأولى. 

يجب على الآباء ما يلي:

  • أن يغرسوا في نفوس بناتهن أهمية إعداد وتنمية شخصيتهن، فنخبر الفتاة أنها يجب أن تشغل نفسها بطلب العلم وتنمية قدراتها ومواهبها، لأنه قد يأتي اليوم الذي تواجه فيه الحياة وحيدة
  • تشجيع الفتاة على وضع أهداف لحياتها وتشجيعها على تحقيقها بنفسها؛ فهذا سيساعدها على تحمل المسؤولية، وسينمي لديها مهارات مثل التخطيط والمرونة. 
  • إشراك الفتيات في العمل التطوعي المجتمعي؛ هذا سيساعدهن على إدراك أهميتهن وقدرتهن على مساعدة الآخرين، بدلًا من انتظار الإنقاذ والمساعدة من الأمير المجهول. 

أخيرًا، فلتعلمي عزيزتي أن “سندريلا” وأميرها الفاتن لا يوجدان سوى في الروايات والأفلام، أما على أرض الواقع، فكل منا مسؤول عن إنقاذ نفسه بنفسه، فتخلصي من عقدة سندريلا، وانفضي عنك غبار الكسل والضعف، ووجهي طاقتك إلى تطوير نفسك والنهوض بمهاراتك. 

المصدر
Cinderella complexThe Cinderella ComplexPsychology Behind The Cinderella ComplexThe Cinderella Complex
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق