عامنظريات

عقلية المغتصِب والمتحرِش

عدتُ للمنزل وأنا أرتجف، أحاول طيَّ الطريق بخطواتي الصغيرة، كانت المرة الأولى التي أتعرض فيها للتحرش من كهلٍ كبير، وأنا بعدُ في المرحلة الإعدادية.

“لماذا؟!”…

كان هذا هو السؤال الأوحد الذي يعصف برأسي، حتى بعد عودتي للمنزل يومها، وعدم قدرتي على الإفصاح.
حتى بعد مرور أعوامٍ طوال، ما زال ذلك السؤال يؤرقني!

قيل أن المتحرش مريض نفسي، وقيل أن المغتصب يعاني الكبت الجنسي، وقيل أن الاعتداء الجنسي استجابة لإشارات الضحية.

فأين الحقيقة؟! وما رأي الطب النفسي في عقلية المغتصِب والمتحرِش ؟

هذا ما سنحاول معرفته الآن…

بماذا يخبرنا التاريخ؟

امتلك الرجالُ النساءَ كالأراضي والبيوت، واعتداء رجل على امرأة كان بمثابة اعتدائه على أملاك الرجل الذي تنتمي له هذه المرأة.


كانت الاعتداءات الجنسية تُستخدَم لفرض سيطرة الأقوى على الأضعف؛ ظهر ذلك بوضوح في الحروب حين كانت تؤخذ نساءُ العدوِ كخدمٍ وجواري.


استمر هذا الاتجاه في الحروب الحديثة، حيث اعتدى الجنود على النساء بوحشية وعنف.

في هذا الوقت، تعدَّى الأمر مجرد فرض سيطرة على أملاك العدو، أو الحصول على إشباع جنسي؛ بل كان تلذذ الرجال بانتهاك النساء هو ما دفعهم للاستمرار في ممارساتهم تلك.

هذا السلوك العدواني شجع الباحثين لافتراض النظريات، وتشكيل رأي الطب النفسي في عقلية المغتصِب والمتحرِش.

خمسة أنواع من المغتصبين

خمسة أنواع من المغتصبين
  1. المغتصِب المحروم

إن لم يستطع الرجل تأمين علاقة زواج، فقد يلجأ إلى الاغتصاب لتعويض هذا الحرمان الجنسي.


يبدو هذا السبب الأقرب للمنطق، وينتشر هذا النوع تحديدًا في المناطق الشعبية الفقيرة اجتماعيًا وماديًا.


لا يعاني المغتصب الحرمان الجنسي فقط؛ بل يعاني أيضًا الحرمان من التعليم الحقيقي، ونيل فرص جيدة للعمل،
وأن يحيا حياة كريمة.

يعتقد الطب النفسي أن نظام الحياة التي يعيشها رجل المناطق الفقيرة يُفقِده شعور الإنجاز والأهمية، هذا الشعور الذي يعوضه ذاك الرجل بمحاولة السيطرة على سكان منطقته أو المناطق المجاورة، مما يفسر انتشار التنمر والبلطجة في هذه المناطق.


وتشمل محاولات السيطرة الجانب الجنسي كذلك، فيبدأ بالتحرش اللفظي وينتهي بالاغتصاب.

  1. المغتصِب المتخصص

ما يميز هذا النوع هو المتعة الجنسية التي يحصل عليها من العنف الممارَس ضد الضحية ومقاومتها له.


تختلف المتعة التي يحصل عليها المغتصب عن تلك التي يحصل عليها الأفراد من العلاقات المبنية على التراضي بين الطرفين، ويختلف انجذاب المغتصب للضحايا جنسيًا عن انجذابه لزوجته أو شريكته.


وهذه المتعة تُولِّد استثارة جنسية تدفعه للاعتداء والاغتصاب على النساء، مع ما يحمله من مخاطرة، مثل أن تتسبب الضحية بإصابات له، أو أن يُكشَف أمره.


في الأغلب لا يعاود هذا المغتصب اغتصاب نفس الضحية مرة أخري، ويبحث عن ضحية جديدة، ومخاطرة واستثارة جنسية مختلفة في كل مرة.

لا تخلو هذه الممارسة من سادية جنسية، وهي الاستثارة والاستمتاع الجنسي من خلال تعذيب وإهانة الشريك أو الضحية.

  1. المغتصِب الانتهازي
أنواع المغتصبين: الأنتهازي.

يمارس المغتصبون انحرافهم عادةً على الأطراف المستضعَفة، لكن هذا النوع يبحث بالتحديد عن امرأة مستضعَفة يأمن جانبها.


كأن تكون تلك المرأة من عائلة فقيرة تخشى الفضيحة، أو تكون موظَّفة لديه تخشى الطرد من العمل.

يحاول المغتصب الانتهازي الحصول على مبتغاه بالتراضي. فإن لم تقبل الضحية، يستغل سلطته عليها لإكراهها، أو اغتصابها إن لزم الأمر.

وكما يقول المثل: “مَنْ أمن العقوبة، أساء الأدب”، فغياب الرقابة والعقاب يسمح بظهور مثل هذه الانتهاكات،
مما قد يُفسِّر اغتصاب الجنود لنساء العدو في أوقات الحرب.

  1. المغتصِب ذو الحق المكتسَب

يستثمر هذا النوع في ضحاياه أولًا؛ فيشتري الهدايا، ويغدق على ضحيته بالكلام المعسول، ويعتقد أن استجابتها لإيحاءاته الجنسية حق مكتسب، ومقابل طبيعي. لكن إذا رفضت الضحية الاستجابة، يُكرِهُهَا ويغتصبها.

قد يشخص المغتصب أو المتحرش بأحد اضطرابات الشخصية مثل اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع،
أو اضطراب الشخصية النرجسية. ولذلك فهو لا يشعر بالذنب أو يتعاطف مع الضحية.

  1. الزوج المغتصِب

استجابة الزوجة لنداء زوجها كان أمرًا لا خلاف عليه، مهما كانت حالتها النفسية أو الصحية، دون اعتبار لموافقتها من عدمها.

يميل الزوج المغتصب لإكراه زوجته على ممارسة الجنس، خاصةً إذا شك بولائها له، فكأنه يؤكد عليها أن جسدها ملكه هو، وليس لها حق التصرف فيه.

يُعَدُّ اغتصاب الزوج لزوجته اغتصابًا مُقنَّعًا لا تزال بعض الدول لا تعترف بوجوده.


وتساعد المبادئ والقيم المجتمعية في غرس مفهوم ملكية الزوج لزوجته لا شعوريًا عند الرجل، فيجد لنفسه المبررات للعنف الجنسي تجاه زوجته.

هل رأي الطب النفسي في عقلية المغتصِب والمتحرِش واحد؟

قد يبدو أن ذلك صحيح، وأن التحرش هو مجرد صورة أقل حدة من الاغتصاب، لكن للطب النفسي رأيًا مختلفًا.

فالاغتصاب علاقة جنسية كاملة، أما التحرش فممارسات لفظية أو جسدية ينتهك بها المتحرش ضحيته، مع غياب وجود العلاقة الجنسية الكاملة.


تُساهم بيئة المتحرش في تكوين عقليته، وكذلك ممارسة العنف في مجتمعه، وتعرُّضه بنفسه للتعنيف في صغره.
ذلك ما يُسمَّى في طب النفس بـ”دائرة العنف – Circle of violence“.

نظرية دائرة العنف

تفترض نظرية دائرة العنف أن العنف الممارَس في المجتمعات يُورَّث للأجيال القادمة بالممارسة والتقليد،
وأن التحرش أو الانتهاكات الجنسية ما هما إلا صورة من صور العنف المجتمعي.

المتحرشون في الأغلب لديهم سجل إجرامي، ولا يترددون في استخدام العنف كوسيلة للتعبير.

ما يساعد على تفاقم صورة العنف ضد المرأة -المتمثلة في التحرش الجنسي دونًا عن بقية الصور-
هو الوضع المجتمعي للمرأة واستضعافها، مما يمهد للمتحرش الإفلات بفعلته.

هذه النظرية تفسر وجود المتحرشين صغار السن.

العلاج النفسي للمغتصب والمتحرش

تختلف طبيعة العلاج ومدته حسب شخصية المتلقي للعلاج، وحالته المرضية، والخلل السلوكي المصاب به.

ويجب التأكيد على رغبة الفرد في العلاج، فإن لم تتواجد تلك الرغبة فلا يمكن أن ينجح أي نوع من أنواع العلاج النفسي.

العلاج النفسي للمغتصب والمتحرش له طريقتان رئيستان أثبتتا فاعليتهما، وهما:

  1. العلاج المعرفي السلوكي

يتحدث المغتصب أو المتحرش مع طبيب أو معالج نفسي متخصص حول طريقة تفكيره وسلوكه.

لا ينحصر الحديث حول مشكلة الاعتداء الجنسي فقط؛ بل يهدف المعالج إلى الوصول لمصدر هذا السلوك، ومعالجة الأسباب.

يعتمد العلاج المعرفي السلوكي على التزام المريض، ورغبته الحقيقية في التحسن.

  1. جلسات المواجهة
العلاج النفسي للمغتصِب والمتحرِش

في هذه الجلسات، يلتقي المغتصب أو المتحرش بضحايا اعتداء جنسي سابق -بعد موافقتهن وتأهيلهن نفسيًا أولًا-
سواء كُنَّ ضحاياه أو ضحايا غيره.

هدف تلك الجلسات أن يسمع المعتدي بنفسه كيف تؤثر أفعاله على الآخرين، ويدرك حجم المشكلة خارج إطار رؤيته الشخصية. كذلك تمنحه الفرصة للإقرار بخطئه، والاعتذار وطلب الصفح من ضحاياه.


تفيد هذه الجلسات الضحايا كذلك، وتساعدهن على مواجهة خوفهن، والتعبير بوضوح عن مقدار الأذى الذي تعرضن له.

تُعَدُّ جلسات المواجهة مكسبًا للطرفين، وتساعدهما على تجاوز الصدمات التي تعرضا لها، بشرط تأهيلهما للجلسات بشكل مناسب.

كان هذا موجز رأي الطب النفسي في عقلية المغتصِب والمتحرِش ، لكن التغيير الحقيقي في العالم يبدأ من الأفراد،
فإن كنت -عزيزي القارئ- تعاني هذه المشكلة، فلا تتردد في طلب المساعدة.

استثمر بعض الوقت في المعرفة، وأنقذ نفسك بأسرع وقت، وبأقل الخسائر.

بقلم د/ حماس عبد الغفار

المصدر
The Cycle of Violence: Examining the Impact of Maltreatment Early in Life on Adult OffendingRape and rapists: Theory and treatment
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق