الإدمانترياق الأمراض النفسية

علاقة الإدمان بالاكتئاب | أيهما أولًا؟!

في ساحة مظلمة، يسقط شعاع الضوء مسلَّطًا على رأس البطل ليظهر لنا متقوقعًا على نفسه بعد أن أنهكه التعب،
على جانبه نرى إبَرًا متناثرة استخدمها توًا لتناول جرعته، ليظهر بهيئته المبعثرة لكن بملامح هادئة…

قبل عام من هذا المشهد، كان بطلنا طالبًا بكلية الهندسة، يحاول جاهدًا الحفاظ على مكانٍ في دفعته الجديدة بعد فشل سابق أثَّرَ في علاقته بوالديه، لكن فشلًا تلو الآخر أفضى به إلى معاناة الاكتئاب الحاد.

بمرور الوقت، اعتاد صاحبنا تناول مضادات الاكتئاب للتخفيف من أعراضه، لكنه وقع فريسة لإدمانها، ما قاده إلى تجرِبة أنواع أخرى من المخدرات، وأصبح تخلِّيه عنها أمرًا شاقًا…

في هذا المقال، نتحدث معًا -عزيزي القارئ- عن علاقة الإدمان بالاكتئاب، وما هو اكتئاب ما بعد المخدرات،
كذلك نتناول علاج الاكتئاب بعد الإدمان، وعلاج الاكتئاب الحاد، فتابع معنا…

العلاقة بين الاكتئاب والإدمان

يُرجِع العلماء العلاقة بين الاكتئاب والإدمان إلى أن تناوُل العقاقير المضادة للاكتئاب قد يؤدي إلى الاعتماد عليها للتخفيف من أعراضه، لكن اعتياد تناولها دون تعليمات الطبيب يُسهِّل إدمانها، كما يزيد فرص إدمان مواد مخدرة أخرى.

أيهما يحدث أولًا؟

في علاقة الإدمان بالاكتئاب، تختلف تجربة كل مريض عن الآخر، فقد يصير الشخص مدمنًا لأحد المواد المخدرة،
فتتأثر حياته وعلاقاته الأسرية والاجتماعية، لينتهي به الحال إلى الإصابة بالاكتئاب.

فطبقًا لمعاهد الصحة الوطنية الأمريكية، أظهرت دراسات أن إدمان الكحوليات يحفز الإصابة بالاكتئاب؛
إذ تُقلل الكحوليات مستوى السيروتونين بالمخ -وهو ناقل عصبي يُطلق عليه هرمون السعادة؛ فهو مسؤول عن الحالة المزاجية والشهية-، فتظهر أعراض الاكتئاب على المريض.

على الجانب الآخر، قد يلجأ بعض مرضى الاكتئاب إلى علاج أنفسهم عن طريق تناول الأدوية المخدرة، وهي تعطي تأثيرًا مؤقتًا بتحسن الحالة المزاجية؛ فمريض الاكتئاب يقل لديه مستوى الدوبامين بالمخ، وقد وُجد أن الكوكايين
-على سبيل المثال- يستهدف الدوبامين، فيزيد مستواه.

لكن هذا التأثير سرعان ما يزول، وتزداد الحالة سوءًا؛ نتيجة إدمان تلك المواد المخدرة وما يعقبه من تأثُّر حياة المريض بِرُمَّتها، فيتحول إلى اكتئاب ما بعد المخدرات في نهاية المطاف.

اكتئاب ما بعد المخدرات

اكتئاب ما بعد المخدرات

كجزء من العلاقة بين الاكتئاب والإدمان، قد يعاني المريض الاكتئاب في مرحلة التعافي من إدمان المخدرات، كما يأتي:

  1. إذا كان المريض يعاني الاكتئاب والإدمان معًا، يحتاج إلى تشخيص ثنائي يتبعه علاج كلتا الحالتين، لذا؛
    فإهمال علاج الاكتئاب المصاحب للإدمان يؤثر في نجاح خطَّة التعافي من الإدمان.
  2. قد يظهر الاكتئاب عرضًا جديدًا في مرحلة التعافي، فبعد سنوات طويلة من الاعتماد على المواد المخدرة،
    قد يجد المتعافي صعوبة في التأقلم، ويصطدم بتوقعات غير دقيقة عن العودة للحياة بعد التوقف عن إدمان المخدرات؛ لذا تظهر أعراض اكتئاب ما بعد المخدرات عليه.
  3. من علاقة الإدمان بالاكتئاب أن يكون الاكتئاب أحد الأعراض الانسحابية للإقلاع عن إدمان المخدرات،
    حتى بعد تخطي مرحلة تنقية الجسم من السموم والسيطرة على أعراض الانسحاب، التي قد تستمر لما يقرب من عام.

الحشيش والاكتئاب

أوضحت دراسة أُجرِيت عام 2015 العلاقة بين الحشيش والاكتئاب؛ إذ أظهرت وجود تأثير مشابه للمركبات الكيميائية الموجودة في مخدر الحشيش -الذي يُعرف أيضًا بالقنب الهندي أو الماريجوانا-، ومادة كيميائية في المُخ تسمى “إندوكانابينويد”، وهي مسؤولة عن الشعور بالعافية والارتياح.

أوضحت التجارِب المعملية أنه في حالة الضغط العصبي المزمن، تقل مستويات الإندوكانابينويد؛ من هنا أتت فكرة إمكانية استخدام مخدر الحشيش لإعطاء نفس التأثير، فيعطي شعورًا بالتحسن العام، وتَقِلُّ بعض أعراض الاكتئاب.

لكن على الجانب الآخر؛ يمكن لاستخدام كميات كبيرة من الحشيش أو الاعتياد عليه إحداث تأثيرات سلبية خطرة في الجسم، منها:

  • زيادة احتمالية الإصابة باضطرابات نفسية مثل: الاكتئاب، خاصة عند تناوله بكميات كبيرة، أو الاعتياد عليه.
  • ظهور أعراض بعض الاضطرابات (لم تكن ظاهرة على المريض بعد)، مثل: الشيزوفرينيا أو اضطراب ثنائي القطب، بعد استخدامه.
  • زيادة احتمالية الإصابة بالذُهان؛ الذي قد يظهر على المريض في صورة هلاوس أو ضلالات.
  • الشعور باللا مبالاة؛ وهو أمر شائع مع تناول الحشيش بانتظام، إذ يقل تأثُّر المريض وتفاعله بما حوله.
  • الإدمان، ويعد من أكثر التأثيرات السلبية شيوعًا؛ إذ يُسهم الحشيش في علاقة الإدمان بالاكتئاب، فنسبة كبيرة ممن يتناولون الحشيش يعتادونه، فتزداد أعراض الاكتئاب لديهم مع الوقت.
  • صعوبة الانتظام على الطرق الأخرى لعلاج الاكتئاب، مثل جلسات العلاج المعرفي السلوكي؛ وذلك لبطء تأثيرها في نظر المريض مقارنة بالتأثير السريع للحشيش.

ويُعَد استخدام الحشيش لعلاج الاكتئاب فعالًا عند تناوله بجرعات قليلة، لكنه يعطي تأثيرًا معاكسًا في حالة زيادة الجرعة أو الاستمرار عليها.

لذا؛ يحتاج الأمر مزيدًا من الدراسة لإيجاد مركبات أكثر أمانًا يمكن استخلاصها من الحشيش دون إحداث تلك التأثيرات السلبية، فيصبح استخدامه آمنًا.

الاكتئاب الحاد

الاكتئاب الحاد

تختلف أسباب الإصابة بالاكتئاب الحاد من شخص لآخر، ويمكن تلخيص العوامل المساعدة على الإصابة بالاكتئاب في:

  • عوامل وراثية: وجود تاريخ عائلي لإصابة أحد الأقارب من الدرجة الأولى بالاكتئاب.
  • عواملُ بيولوجية: عدم اتزان النواقل العصبية في المخ، أو تغير تشريح أنسجة المخ الذي يظهر في التصوير المغناطيسي لدماغ المريض.
  • عوامل بيئية: مثل العنف الأسري أو الاعتداء الجنسي؛ وهما من أهم العوامل المساعدة في علاقة الإدمان بالاكتئاب.
  • صفات شخصية: مثل ضعف الشخصية، وضعف القدرة على تحمل الظروف القاسية ومواجهة الصعاب.

ومن الجدير بالذكر أن تلك العوامل تشترك في احتمالية تعرض الشخص إلى الإدمان والاكتئاب معًا.

أعراض الاكتئاب الحاد

طبقًا للدليل التشخيصي والإحصائي للأمراض العقلية -النسخة الخامسة (DSM-5)-، تُعد الأعراض الآتية من أهم أعراض الاكتئاب الحاد:

  • الضعف العام.
  • اضطرابات النوم.
  • فقد الاهتمام بالأنشطة المعتادة.
  • غلبة الشعور بالحزن.
  • تغير الوزن المفاجئ بالزيادة أو النقصان.
  • بطء التفكير والحركة.
  • صعوبة التركيز، وفقد القدرة على اتخاذ القرارات.
  • الشعور بالذنب أو اللوم.
  • التفكير في الانتحار.

علاج الاكتئاب الحاد

عادة ما يحتاج مريض الاكتئاب إلى خطة علاجية تشمل استخدام الأدوية مع جلسات العلاج النفسي مثل العلاج المعرفي السلوكي. 

وتنقسم الأدوية المضادة للاكتئاب إلى:

  • مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs).
  • مضادات الاكتئاب الثلاثية الحلقة (TCAs).
  • مضادات الاكتئاب غير النمطية.
  • مثبطات الأكسيداز أحادي الأمين (MAOIs).

ومثل باقي الأدوية الأخرى، تمتلك أدوية مضادات الاكتئاب تأثيرات جانبية غير مرغوبة، لذا؛
فاختيار العلاج المناسب يحتاج إلى معرفة الحالة المرضية للمريض جيدًا، كي يعطي التأثير المرجو.

للمزيد اقرأ: كم تبلغ مدة علاج الاكتئاب الحاد؟

علاج الاكتئاب بعد الإدمان

علاج الاكتئاب بعد الإدمان

نظرًا لعلاقة الإدمان بالاكتئاب، فخطة العلاج لا بد أن تكون مُحكمة وشاملة؛ إذ لا يمكن علاج أحد الاضطرابين دون الآخر، ما يقود إلى الانتكاس بسهولة.

ففي حال عدم إدراك إصابة المدمن بالاكتئاب على سبيل المثال، سيركز العلاج على التعافي من الإدمان،
لكن المريض سيلجأ إلى العودة إلى تناول المواد المخدرة للتغلب على آثار الاكتئاب، ما يقود إلى فشل خطة العلاج بالتأكيد.

كذلك يمكن لإدمان الكحوليات أن يؤثر في فعالية مضادات الاكتئاب، لذا يجب على فريق العلاج أن يعي جميع التحديات التي يواجهها المريض لاختيار الخطة المناسبة لعلاج الاكتئاب بعد الإدمان.

اقرأ أيضًا: التأثير المتوقع لمضادات الاكتئاب في الفترة الأولى

وعادة ما يتضمن العلاج استخدام مضادات الاكتئاب لتحسين الحالة المزاجية، وكذلك بعض الأدوية للسيطرة على الأعراض الانسحابية للإدمان، إضافة إلى جلسات طويلة من العلاج النفسي الذي يُعد أهم خطوة للسيطرة على كلا الاضطرابين.

بالطبع هي رحلة طويلة وشاقة، فعلاقة الإدمان بالاكتئاب ليس من السهل تخطيها، لكنها تحتاج إلى وعي وجهد دؤوب وإصرار عظيم للتخلص من أشباح تلك السموم والتمتع بحياة طبيعية مجددًا… فلا تستسلم!

اظهر المزيد

د. آلاء عمر

آلاء عمر، صيدلانية، أم، وكاتبة محتوى طبي، أهدف إلى إيصال المعلومة الطبية للقارئ بسهولة وزيادة الوعي الطبي لدى الناس. مهتمة بمجال الصحة النفسية وما يخص الطفل والمرأة طبياً. مؤمنة بقدرة الإنسان على اكتساب الوعي والتغيير الإيجابي للإرتقاء بمستوى حياته للأفضل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق