مفاهيم ومدارك

علم الفراسة في ثوبه الجديد |تطبيقات علم الفراسة في العصر الحديث

يقولون: “إن الذقن العريض دليل الثبات والصبر، وبروزه دليل المحبة. وإن الشفاه الغليظة في موضع الاحمرار دليل الصداقة، واتساع العين دليل اليقظة وصفاء الذهن”.

ويقولون أيضًا: “إن الشعوب الهمجية صغار الأنوف، والأمم المرتقية كبار الأنوف”.

هكذا جاءت بعض نظريات علم الفراسة، وتقييم سمات الأفراد وذكائهم من خلال ملامحهم.

فما هي الفراسة؟ وهل هي علم حقًا أَمْ خرافات؟

لنستعرض سويًا نشأتها وتطورها على مَرِّ الزمن، وإلى أين وصل بها الحال في عصرنا الحالي.

ذكر الكاتب (جرجي زيدان) في كتابه (علم الفراسة الحديث):

“الفراسة عند العرب «علمٌ من العلوم الطبيعية، تُعرَف به أخلاق الناس الباطنة من النظر إلى أحوالهم الظاهرة، كالألوان والأشكال والأعضاء، أو هي الاستدلال بالخَلق الظاهر على الخُلُق الباطن».

وأما الإفرنج، فيُسمونه بلسانهم (Physiognomy)، وهو اسم يوناني الأصل مركَّب من لفظين معناهما معًا: «قياس الطبيعة أو قاعدتها»، والمراد به هنا الاستدلال على قِوَى الإنسان وأخلاقه من النظر إلى ظواهر جسمه”.

وكلمة الفِراسة في المعجم تعني “المهارة في تعرُّف بواطن الأمور من ظواهرها”.

تاريخ علم الفراسة 

توجَد بعض الاستدلالات على ممارسة فن الفراسة منذ القرن العاشر قبل الميلاد؛ فقد أشار (أبقراط) إلى شيء من هذا العلم، وكتب الحكيم اليوناني (غالينوس أقلوديوس) فصولًا مطولةً فيه.

ولاحظ آخرون أن المصريين القدماء كانوا على شيء من هذا العلم أيضًا، استنادًا لبعض قراطيس البردي المكتوبة في عصر العائلة الثانية عشرة.

لم تَعُدْ الفراسة علمًا مستقلًا إلا بعد ما كتبه الفيلسوف اليوناني الشهير (أرسطو)؛ فقد ذكر العلامات الظاهرة في الإنسان، ودلالتها على قوته أو ضعفه، وعلى ذكائه أو غباوته، وعلى حِذْقه أو بلادته.

فقد استدل على هذه الصفات من ملامح الأشخاص وألوانهم، وأعضائهم وقامتهم وأصواتهم. كما وضع مقارنة بين أوجه البشر وأوجه الحيوانات، وأنه يمكن التنبؤ بأخلاق الشخص من أخلاق الحيوان الذي يشبهه.

فعلى سبيل المثال، يقول (أرسطو): “إن الأطراف السميكة المنتفخة -مثل الخنزير- تشير إلى شخص غير حساس،
بينما تشير الأنوف الحادة -مثل الكلاب إلى مَنْ يغضب بسهولة، والأنوف المستديرة الكبيرة المنفرجة
-مثل الأسد- تشير إلى الشهامة، والأنوف الرفيعة المعقوفة مثل النسر… إلى آخره”.

ويقول أيضًا: “إذا كانت مجموعة من الناس تشبه الثور، فيُعتقَد أنهم يعملون بجد وأنهم قليلو الذكاء مثله”.

تاريخ علم الفراسة

أما الفراسة عند العرب في الإسلام، فقد نقلوها عن اليونان والرومان كعلم من علوم الطب، وقد لخص الطبيب
(الرازي) كتاب (أرسطو) وزاد فيه، وأشار (ابن سينا) إلى كثير منه في كتبه، وكذلك (ابن رشد) و(الشافعي) و(ابن عربي) وغيرهم.

وقد انتشرت الفراسة في العصور المظلمة والقرون الوسطى في أوروبا، واقترنت بالتنجيم والتنبؤ بالغيب، وقراءة خطوط الكف والجبين للاطلاع على المستقبل.

ولذلك، سادت الخرافات والأوهام بين الناس، مما دفع أُولي الأمر ورجال الدين لمحاربة هذا العلم وكل مَنْ يدعيه، حتى كاد أن يتلاشى.

ثم عاود الظهور من جديد في أواخر القرن السادس عشر، وبدأ ينظر العديد من العلماء إلى الفراسة من وجهة نظر
العلم الطبيعي المبني على المشاهدة والاختبار، وجاءت محاولات الكثيرين لتنقيحه من الخرافات والأوهام.

في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فكَّر البعض في الاعتماد على الفراسة كوسيلة لاكتشاف الميول الإجرامية،
ولكن سرعان ما فشلت تلك الطُرُق وأُثبِت خطؤها.

علم الفراسة الحديث

بحلول القرن العشرين، لم يَعُدُّ لمصطلح “علم الفِراسة” صدى واسع، وأصبح موضوعًا تاريخيًا. وبالرغم من ذلك،
ما زال اتخاذ المظهر الجسدي كمؤشر على الصفات الأخلاقية مستمرًا. 

فاليوم، لا يزال العلماء يدرسون علم الوجوه، وكيف تؤثر علينا السمات والملامح والتعبيرات المختلفة.

على سبيل المثال، من الشائع أن الوجوه ذات الملامح المستديرة تجذبنا، لأنها تشير إلى الطفولة وتثير الغرائز الأبوية بداخلنا.

بل ونميل إلى عدم الشك في ارتكاب هؤلاء الأشخاص الجرائم، أو لا نصدق أن لديهم القدرة على إلحاق الأذى بالآخرين.

لذلك، قد تكون سيء الحظ إذا كان وجهك حاد الملامح؛ فقد يوقفك الناس في الشارع لأنك تبدو مريبًا.

علم الفراسة الحديث

تطبيقات علم الوجوه في الذكاء الاصطناعي

عادةً ما نُكوِّن انطباعات فورية عن الآخرين من مظهرهم ووجوههم؛ فرؤية الوجه لأقل من عُشر ثانية كافية لاتخاذ بعض القرارات.

ولأن الوجه هو مرآة الحياة الاجتماعية، قد تُصَوِّت لأحد المرشحين في الانتخابات؛ بناءً على انطباعك أنه يبدو مؤهلًا
لذلك وجديرًا بالثقة.

وضع علم الانطباعات الأولى الحديث العديد من الصور النمطية للوجوه التي تؤثر في تكوين الانطباعات،
وكان ذلك بمثابة إحياء لعلم الفراسة في ثوب جديد.

ومع انتشار صور الوجوه عبر الإنترنت، كثرت الدراسات التي تدعي أنه يمكننا معرفة جميع الأشياء الخاصة
بالآخرين -مثل صحتهم العقلية، وتوجههم السياسي والجنسي، وغير ذلك- فقط من صور وجوههم وحدها.

إلا أن تطبيقات هذه الدراسات أظهرت نتائج لا تتعدى دقتها 50%.

في السنوات القليلة الماضية، جاءت موجة جديدة أخرى من دراسات الذكاء الاصطناعي تحاول تقديم خدمات تحديد
الصفات من ملامح الوجه للشركات الخاصة والحكومات، وتدَّعي أن لديها خوارزميات تقيس ملامح الوجه الثابتة من الصور ثنائية الأبعاد. 

إلا أنه وُجِد أن هناك بعض العوامل التي قد تؤثر على دقة النتائج، مثل: المسافة من الكاميرا إلى الرأس،
إعدادات الكاميرا، الإمالات الطفيفة للرأس، التعبيرات الدقيقة، والعديد من الاختلافات البسيطة الأخرى. 

مع وجود كل هذه الاختلافات وصعوبة التحكم بها، فإن دراسات الذكاء الاصطناعي ببساطة ستضلل التحيزات والأحكام على الأشخاص.

ملامح الوجه والممارسات الجمالية الحديثة في الصين

بالتوازي مع العالم الذي يحركه المستهلِك، والذي قد زاد استخدامه للملابس والممتلكات المادية كدلالات على
الشخصية، أُجرِيَت دراسة في الصين كان الهدف منها تقييم انتشار الاعتقاد في الفراسة، وتأثيره على العلاجات التجميلية المطلوبة، والنصائح المقدَّمة من ممارسي التجميل.

أفادت الدراسة أن 86.3٪ من ممارسي التجميل يؤمنون بعلم ملامح الوجه، ويعتقد غالبية السكان
-الذين شملهم الاستطلاع- أن مظهر الوجه يمكن أن يحدد جوانب مختلفة من حياتهم. ومع ذلك، يعتقد الغالبية أن تغيير
ملامح وجههم لن يؤثر في صفاتهم.

علم الفراسة ولغة الجسد

بُنِي علم الفِراسة على مساهمة الجسد -والهيئة العامة للفرد- في الإفصاح عن مكنونات نفسه المستترة؛ أي إن الفراسة قائمة على الأحوال الظاهرة، ومن هنا جاءت العَلاقة بين علم الفراسة ولغة الجسد.

وقد أوضح (الرازي): “إن المِزَاج إما أن يكون هو النفس، وإما أن يكون آلة النفس في أفعالها”.

يمكن تقسيم لغة الجسد إلى: 

  • الإيماءات التوضيحية: وتُستخدَم لوصف وتوضيح وجهة النظر التي تبديها.
  • إيماءات التكيف مع المشاعر: وهي إيماءات غير واعية ترتبط بمشاعرك الداخلية.
  • إيماءات استكمال الحوار: تُستخدَم للإشارة إلى أن الحديث مازال مستمرًا. 

مثال لاستخدامات لغة الجسد:

قد تحتاج لتعلُّم مهارات لغة الجسد إذا كنت في وظيفة خدمية مثلًا، وتحتاج معرفة إذا كان مَنْ تتواصل معهم يكذبون،
أو قد أصابهم الملل، وإذا كانوا متعاطفين أَمْ واقفين في وضعية المهاجم، أيضًا إذا كانوا متوترين أَمْ يحسبون الأمور،
وهكذا.

يمكن القول أن خبراء لغة الجسد لا بُدَّ لهم من إتقان فن الفراسة، ليتمكنوا من القدرة على فهم حركات الجسد وإيماءاته؛
فسلوك الإنسان لا يمكن تجزئته.

وفي نهاية القول، أخبرني إلى أي مدى تؤمن بإمكانية تعلُّم الفراسة؟ وما أهميتها واستخداماتها المختلفة من وجهة نظرك؟

المصدر
PhrenologyCan We Read a Person's Character from Facial Images?Chinese facial physiognomy and modern day aesthetic practiceModern Physiognomy: An Investigation on Predicting Personality Traits and Intelligence from the Human FacePhysiognomy, The Beautiful PseudosciencePhysiognomy: Definition & Examples
اظهر المزيد

د. مي جمال

صيدلانية ومترجمة وكاتبة محتوى طبي. أحب البحث والتعلم، ولا أدخر جهداً لمشاركة وتبسيط ما تعلمت للآخرين. أعتز بالنفس البشرية، وأهوى البحث في أعماقها، ولا أجد أبلغ من الكلمات للتعبير عنها ومناقشة قضاياها، مساهمةً في نشر الوعي والارتقاء بحياة البشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق