مفاهيم ومدارك

علم النفس الإرشادي

“غدا سيتم ولدي السادسة، وسيذهب للمدرسة قريبًا. أخاف أن يتأثر بالبيئة الجديدة، وأن تُغرَس فيه قِيَم غير التي غُرِسَت!”.

لا تخافي يا عزيزتي؛ فمن أجل هذا ابتُكِر علم النفس الإرشادي.

ليس عليكِ سوى استشارة معالج متخصص يشرح لكِ ما سيواجه طفلكِ من عقبات، وما هو التعامل الأمثل معها.

في هذا الترياق، سنطرق أحد أبواب علم النفس، ألا وهو “علم النفس الإرشادي”، وسنتعرض لأهم مناهجه وطُرُقه.

تعريف علم النفس الإرشادي والتربوي

هو علم النفس الذي يدرس الاهتمامات العاطفية، والاجتماعية، والمهنية، والتعليمية، والصحية، والتنموية، والتنظيمية التي تؤثر عادةً في حياتنا اليومية. 

يخدم علماء النفس الاستشاريون الأشخاص من جميع الأعمار -وفي جميع مراحل التطور، من الطفولة حتى الشيخوخة- والخلفيات الثقافية في كل من الإعدادات الفردية والجماعية. 

وتتضمن أهداف علم النفس الإرشادي: حل المشكلات، واكتساب المهارات الاجتماعية، وتعديل السلوك، والوعي الذاتي، والعمل الجماعي.

يتكون علم النفس الإرشادي من ممارسات تستخدم الثقافة لمعالجة مشكلات، مثل: التكيف في المدرسة، وتحولات الحياة، وصعوبات التعلم، والسيطرة على الإجهاد.

مناهج علم النفس الإرشادي

تختلف مناهج الاستشارة وأساليب التدريب تبعًا لكيفية تفاعل المعالجين مع المرضى، وإليك أشهر مناهج علم النفس الإرشادي:

1. الإرشاد النفسي الديناميكي

هو أكثر مناهج علم النفس الإرشادي شهرة، ويستمد منهجه من نظرية فرويد الذي اهتم بتأثير التجارب المبكرة والدوافع اللاواعية في السلوك.

يتضمن هذا المنهج بناء تحالفات قوية بين المعالج والمريض، ويفترض أن النزاعات اللاواعية -التي تستند إلى ماضي المريض-  تؤدي لاحقًا إلى نتائج على مستوى التجربة والسلوك. 

إدراك هذه النزاعات ووعيها، قد يؤدي ذلك إلى اختفاء الأعراض المرضية، وتخفيف التوتر النفسي، وحب الحياة.

يهدف منهج الإرشاد النفسي الديناميكي إلى مساعدة المرضى على تطوير الأدوات النفسية اللازمة للتعامل مع المشاعر والمواقف المعقدة.

تتضمن بعض الطُرُق التي يتم بها الكشف عن هذه المحركات: تفسير الأحلام، والتنويم المغناطيسي، والتداعي الحر.

أشارت الأبحاث إلى فعالية الإرشاد النفسي الديناميكي -طويل الأجل وقصير الأجل- لعلاج المشكلات النفسية.

2. الاستشارة الشخصية

الاستشارة الشخصية هي نهج يركِّز على التشخيص، حيث يُنظَر إلى الاضطراب النفسي للمريض على أنه مرض طبي يتطلب التدخل.

وهو نهج يتعلم خلاله المرضى أن مشكلاتهم النفسية مرتبطة بالضغوط البيئية، ويكون المستشارون الشخصيون داعمين ومتعاطفين معهم.

يقترح المعالجون بالاستشارة النفسية طُرُقًا للمرضى للتعامل مع المواقف بطريقة تعزز الكفاءة الذاتية وتقلل الأعراض.

استنادًا إلى التجارب السريرية، كان العلاج بالاستشارة الشخصية بين الأشخاص فعالًا في علاج الاضطرابات النفسية، وخاصة الاكتئاب. 

3. استشارات تركز على العميل “الاستشارة الإنسانية”

تستند الاستشارة الإنسانية إلى افتراض أن الأفراد يمتلكون بالفعل الصفات اللازمة للسعادة والبهجة، ويشجع هذا النهج صفات الفضول، والحدس، والإبداع، والتواضع، والتعاطف، والإيثار.

طوَّر هذا النهج عالم النفس (كارل روجرز)، والذي أسس لاحقًا العلاج المتمحور حول العميل، وهو أسلوب استشاري إنساني يساعد العملاء على الوصول إلى إمكاناتهم الكاملة كبشر.

يوفر العلاج مناخًا آمنًا يكون فيه المعالج متعاطفًا، وبهذه الطريقة يشعر العميل بالقبول والانفتاح والاحترام الإيجابي غير المشروط.

ويبرز هذا النهج أهمية السماح للمريض بعمل اكتشافاته الخاصة، بدلًا من تقديم الكثير من التوجيهات، إذ يتمثل دور المعالج في توجيه المرضى بطريقة مقبولة، ومساعدتهم على رؤية الجمال داخل أنفسهم.

4. العلاج الوجودي

لا يحاول العلاج الوجودي علاج شخص أو تقليل أعراض معينة؛ ولكنه يسعى لاستكشاف جوانب المأزق البشري والتشكيك فيها، إذ يُنظَر إلى المريض على أنه دائم التغير ودائمًا في طور التحول.

يعمل المعالج الوجودي على استكشاف ما يعنيه أن تكون على قيد الحياة، وعلى فحص إمكاناتك، وكيفية اتخاذ قرارات عقلانية. 

بينما لا يزال نهج الاستشارة هذا يتطور، فقد أشارت الأبحاث إلى انخفاض كبير في أعراض القلق والاكتئاب بعد العلاج الوجودي قصير المدى.

5. العلاج المعرفي السلوكي

يفترض العلاج السلوكي المعرفي أن الاضطرابات العاطفية يتم الحفاظ عليها من خلال العوامل المعرفية، وأن العلاج النفسي يؤدي إلى تغييرات في هذه العوامل من خلال الأساليب السلوكية والمعرفية.

يركز العلاج السلوكي المعرفي على الكيفية التي تملأ بها الأفكار والسلوكيات مشاعر الشخص في موقف معين، إذ يتم فهم السلوكات بشكل أفضل من خلال الكشف عن وظائفها الحقيقية.

يستخدم المعالجون نهجًا علميًا للعلاج، وذلك من خلال: وضع فرضيات حول الأنماط المعرفية والسلوكية للمرضى، والتدخل ومراقبة النتائج، وإعادة صياغة الفرضيات الأصلية حسب الحاجة.

يتضمن العلاج المعرفي السلوكي مجموعة متنوعة من التقنيات المختلفة، مثل: 

  • التعرض. 
  • التدريب على المهارات الاجتماعية. 
  • إعادة الهيكلة المعرفية.
  • التدريب على حل المشكلات. 
  • التدريب على الاسترخاء.

6. الاستشارة القائمة على اليقظة

تشير اليقظة إلى عملية تؤدي إلى حالة عقلية تتميز بالوعي لتجربة اللحظة الحالية، بما في ذلك أحاسيس المرء، وأفكاره، وحالاته الجسدية.

الاستشارة القائمة على اليقظة هي طريقة شائعة تهدف إلى مساعدة المرضى على زيادة الاسترخاء، مع إزالة الأحكام السلبية أو المجهدة. 

وتساعد هذه التقنية على تعليم المرضى كيفية التعامل مع الضغوطات العاطفية بشكل أكثر ملاءمة.

يمكن تطبيق أنواع مختلفة من أساليب تأمل اليقظة، كجزء من استشارات اليقظة الذهنية، مثل: اليوغا، وتأمل التنفس، وتأمل الجلوس.

7. العلاج الانفعالي العقلاني

في منتصف القرن العشرين، طوَّر عالم النفس (ألبرت إليس) العلاج الانفعالي العقلاني، وهو نوع من العلاج المعرفي السلوكي، إذ ينظَر إلى ضائقة الشخص على أنها دليل على التفكير غير العقلاني.

وعلى عكس العلاجات التي تركز على المريض، فإن نهج العلاج الانفعالي العقلاني نشط وتوجيهي، ويهدف إلى مساعدة العملاء على تجنُّب المعتقدات المهزومة للذات، وعلى تجربة شعور أكثر إيجابية.

8. العلاج الواقعي

ابتُكِر العلاج الواقعي بواسطة عالم النفس (ويليام جلاسر)، وتعتمد أفكاره على نظرية الاختيار، التي تركز على قوة الأفراد للتحكم في سلوكاتهم.

بينما ليست كل جوانب الحياة في حدود قدرتنا على التغيير، يواجه البشر دائمًا فرصًا للاستجابة؛ إما بشكل عقلاني ومسؤول، أو عكس ذلك.

ورغم كونه لا يركز على الأعراض، يساعد العلاج الواقعي المرضى على فرض سيطرة أكبر على حياتهم، مع تعزيز القدرة على بناء علاقات هادفة وفعالة.

ويعزز العلاج الواقعي المسؤولية الفردية عن الإجراءات، بينما يساعد العملاء على اتخاذ قرارات تتماشى مع الرؤى المناسبة لظروفهم.

9. العلاج الإنشائي

يهتم العلاج الإنشائي بالمعاني التي يبنيها البشر فيما يتعلق بالعالم من حولهم، إذ تتشكل الصفات -التي يعتقَد أنها مرتبطة بالجنس، والعرق، والطبقة الاجتماعية- من خلال التأثيرات الثقافية.

ينظَر إلى اللغة على أنها بناءة وتتضمن جوانب مختلفة من الاتصال، جنبًا إلى جنب مع دعوة المرضى لتطوير هياكل محددة لهوياتهم ومشكلاتهم.

وبشكل أكثر تحديدًا، تعَدُّ اللغة السبيل الذي من خلاله يخلق الأفراد معنى عن أنفسهم والآخرين.

10. العلاج السردي

كل واحد منا لديه قصة يرويها عن هويته. ونظرًا لأننا نستمد المعنى من قصصنا، فإنها تشكِّل وتؤثر في كيفية إدراكنا واستجابتنا للعالم من حولنا.

من خلال التأثير في قراراتنا، تؤثر هذه الروايات في قدرتنا على الاستمتاع بتجارب ذات مغزى ومرضية. 

ويعمل المعالج بشكل تعاوني مع العميل، لإنشاء قصص بديلة باستخدام نهج منطقي. ثم في النهاية، يوِّجه المرضى إلى إعادة تأليف قصصهم بطريقة أكثر اتساقًا مع أهداف حياتهم.

وختامًا…

هناك سلسلة واسعة من طرُق الاستشارة التي تنطبق على كل شيء، بدءًا من المشكلات السلوكية المبكرة وحتى مشكلات الحياة. لذا، ليس عليك سوى أن تبدأ أولى خطواتك بطلب المشورة.

المصدر
What is Counseling Psychology?Counseling Psychology
اظهر المزيد

د. محمود الرزاز

محمود الرزاز، صيدلي اكلينيكي، و أخصائي معلومات طبية، استمتع بالبحث عن الدليل العلمي، ومهتم بوصول المعلومات الطبية الحديثة للقاريء بلغة بسيطة و مفهومة، في ظل فوضى انتشار المعلومات غير الدقيقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق