نظريات

علم النفس البيئي | هل تؤثر البيئة في سلوكنا؟

يحكى أن “ماركو بولو” كان مسافرًا عبر ممالك غرب آسيا، وقد لاحظ أن سكان مملكة “كرمان” طيبون ومسالمون، بينما جيرانهم في مملكة “فارس” كانوا على النقيض من ذلك. 

عندما سأل “بولو” حكماءه عن السبب، أجابوا بأنها «التُربة»! 

ولإثبات ذلك، أحضر “بولو” من أصفهان بعض التربة، ورشها في بلاط قاعة ولائمه، ثم غطاها بالسجاد، ودعا الناس إلى مأدبة عظيمة.

بعد قليل من بدء المأدبة، بدأ الضيوف بالإساءة إلى بعضهم بعضًا بالأفعال والأقوال، وصدَّق “بولو” أن التربة كانت السبب فعلًا. 

ربما تكون هذه القصة غير حقيقية، لكن يا تُرى ما علاقتها بـ “علم النفس البيئي” -موضوع مقالنا اليوم-؟ 

في الحقيقة، تثير هذه القصة الكثير من التساؤلات: 

هل تؤثر البيئة المحيطة في سلوكنا وأفعالنا حقًا؟ وما هي العلاقة المتبادلة بين الإنسان وبيئته؟ 

سيجيب علم النفس البيئي عن تلك التساؤلات في السطور القادمة. 

أولًا:

ما تعريفات علم النفس البيئي؟

“علم النفس البيئي” هو أحد مجالات علم النفس، الذي يهدف إلى دراسة ماهية العلاقة التفاعلية بين البشر وبيئتهم؛ أي: كيف تؤثر فيهم البيئة وكيف يؤثرون فيها. 

وهو علم حديث، ظهر في عام 2009، بعد أن احتلت مشاكل البيئة والمناخ جزءًا كبيرًا من اهتمامات البشر. 

تعريفات علمِ النفس البيئي:

1- هو دراسة علمية للمعاملات والعلاقات المتبادلة بين الناس ومحيطهم المادي (يشمل ذلك: البيئة المبنية والطبيعية، وكذلك طريقة استخدام الموارد الطبيعية بالبيئة). 

2- علم النفس البيئي هو مجال يختص بكل شيء يتعلق بالتفاعل بين الإنسان والبيئة؛ كيف تؤثر البيئة فينا؟ ولماذا؟ وكيف يمكن الاستفادة من معرفة ذلك في تحسين علاقتنا بالعالم من حولنا؟

3- يُعرِّف هذا المجال أيضًا مفهوم “البيئة” على نطاق واسع؛ فهي تعني البيئة الطبيعية، والمباني المعمارية، والبيئة الاجتماعية، وبيئة التعلم، والبيئات المعلوماتية التي تحيط بالإنسان. 

4- أحيانًا يُطلق على هذا المجال أيضًا بعض الأسماء الأخرى، مثل:

  • علم دراسة العوامل البشرية.
  • بيئة العمل المعرفية.
  • دراسات السلوك والبيئة.
  • دراسات الإنسان والبيئة.

أهمية دراسة علمِ النفس البيئي

أهمية دراسة علمِ النفس البيئي

تكمن أهمية دراسة علم النفس البيئي في توظيف معلوماتنا عن العلاقة بين البيئة والإنسان في تحسين سلوك البشر، وتعزيز الجوانب الإيجابية فيه، وكذلك إيجاد حلول للحفاظ على البيئة ومواردها الطبيعية. 

لذلك؛ يحرص علماء النفس البيئيون على:

  • البحث عن العوامل البيئية التي تحفز الناس على تغيير سلوكهم.
  • تثقيف الناس حول أهمية إيجاد الحلول البيئية وتنفيذها.
  • اكتشاف الأسباب البيئية التي قد تجعل بعض الأشخاص يتصرفون سلبيًا. 
  • مساعدة الناس على العيش بطريقة تهدف إلى تحقيق التنمية المستدامة، والحفاظ على موارد البيئة الطبيعية. 

مجالات علمِ النفس البيئي 

والآن، بعد أن تحدثنا عن تعريفات علم النفس البيئي وأهميته، يا تُرى ما هي المواضيع والمناهج التي يهتم بدراستها؟ 

طبقًا لـ (مجلة علم النفس البيئي – The Journal of Environmental Psychology)، فإن المواضيع الآتية تعد الأكثر شيوعًا داخل مجالات علم النفس البيئي:

  • ملاحظة المباني والمناظر الطبيعية وتقييمها.
  • رسم الخرائط المعرفية، ووسائل الإدراك المكاني.
  • العواقب البيئية للأفعال البشرية.
  • تصميم الجوانب المادية المتعلقة بالمدارس والمناطق السكنية وأماكن العمل والأماكن العامة. 
  • المعنى الشكلي للمبنى وتأثيره. 
  • الجوانب النفسية والسلوكية للناس والطبيعة. 
  • الأماكن والتعلق النفسي بها، والهوية المكانية. 
  • الجوانب النفسية لإدارة الموارد والأزمات.
  • المخاطر البيئية: الإدراك والسلوك والإدارة.
  • الإجهاد المتعلق بالبيئة المادية المحيطة. 
  • الاستخدام الاجتماعي للمساحة: الزحام، والخصوصية، والمساحات الشخصية، والمساحة الإقليمية التي يعيش عليها مجموعة من البشر.  

وهناك موضوعات أخرى، لكن هذه القائمة تمثل أهم الموضوعات التي قد تقابلك إذا أردت تعميق معرفتك بمجالات علم النفس البيئي واستخداماته. 

مناهج علمِ النفس البيئي

مناهج علمِ النفس البيئي هي النظريات والمفاهيم التي يقوم عليها هذا العلم، والتي تشرح كيف نتصرف بالطريقة التي نتصرف بها في بيئتنا، ولماذا. 

غالبًا ما تنحصر هذه المناهج في أحد المفاهيم الآتية:

1- الحتمية الجغرافية

وتعتمد على فكرة أن تأسيس الحضارات وبقاءها يعتمد في الأساس على العوامل البيئية؛ مثل: 

التضاريس والمناخ والغطاء النباتي وتوافر المياه. 

2- علم الأحياء البيئي:

ويرتكز هذا المفهوم على فكرة الاعتماد المتبادل حيويًا واجتماعيًا بين الكائنات الحية وبيئتها. 

طبقًا لهذا المفهوم، ينظر إلى الكائنات الحية كجزء لا يتجزأ من بيئتها، بدلًا من دراستها ككيانات منفصلة. 

3- علم السلوك

يركز علماء السلوك على فكرة أن العوامل الشخصية (مثل: السمات الشخصية، والميول، والآراء، والخبرات) ليست وحدها من تحدد سلوك الإنسان، ولكن تؤدي العوامل البيئية أيضًا دورًا في ذلك. 

اقرأ هنا أيضًا عن: علم النفس السلوكي.

4- علم النفس الجشطالتي 

مثله مثل علم السلوك، ويركز “علم النفس الجشطالتي” على فكرة أن النمو الإدراكي والمعرفي يعتمد على العوامل البيئية أيضًا بجانب العوامل الشخصية والاجتماعية الأخرى. 

ولكي نفهم المزيد عن مناهج علمِ النفس البيئي؛ دعونا نسلط الضوء على بعض نظرياته. 

نظريات علمِ النفس البيئي

يتضمن علمُ النفس البيئي بعض النظريات المهمة، مثل:

  • نظرية السلوك المُخَطَّط  

وتنص هذه النظرية على أن الناس يختارون الأشياء ذات الفائدة الأعلى والتكلفة الأقل (الطاقة – الوقت – المال).

نجحت هذه النظرية في شرح الكثير من السلوكات البيئية للبشر. 

على سبيل المثال: 

اختيار وسيلة المواصلات (طائرة – قطار ـ دراجة – سيارة)، وكذلك إعادة التدوير المنزلي، والتسميد، واستهلاك المياه واللحوم، وغيرها من السلوكات. 

  • نموذج التنشيط المعياري (Norm-Activation Model)

ابتُكر هذا النموذج من أجل شرح السلوك الإيثاري الصديق للبيئة. 

ويفترض أن المعايير الشخصية للفرد أكثر أهمية من المعايير الاجتماعية في تحديد كيفية اختيارنا لسلوكنا. 

  • نظرية القيم والمعتقدات 

مثلها مثل النظرية السابقة، وتفترض هذه النظرية أن الناس يتصرفون بطريقة صديقة للبيئة عندما يشعرون أنهم ملزمون أخلاقيًا بذلك. 

هذا الإلزام الأخلاقي قد ينشأ من مصادر داخلية (كأخلاقيات الشخص ومعتقداته)، أو من مصادر خارجية (كمعتقدات المجتمع وأخلاقيات الآخرين المحيطين بالشخص). 

  • نظرية الاهتمام 

الاهتمام هو الخطوة الأولى في عملية التفاعل مع البيئة، ويحدد طريقة إدراكنا وملاحظتنا ورؤيتنا لها. 

  • الخرائط المعرفية والإدراكية 

الطريقة التي ننظر بها إلى العالم من حولنا تخزَّن في ذاكرتنا وتُكوِّن ما يسمى بـ “الخرائط المعرفية”، وهي شبكات مكانية تربط بين تجاربنا السابقة مع البيئة المحيطة وتصوراتنا الحالية عنها، وتسمح لنا بفهم العالم من حولنا، ومن ثمَّ استكشافه والتنقل فيه بفاعلية.  

  • الإجهاد البيئي وإدارته

تنص هذه النظرية على أن البيئة تستطيع أن تسبب نوعًا من الإجهاد للبشر، مما ينتج عنه بعض العواقب، مثل: 

ضعف الصحة، وقلة الإيثار، وتعزيز نقاط الضعف السلوكية والإدراكية، وعدم توافر الاهتمام الكافي بالبيئة نفسها. 

نستطيع إدارة هذا الإجهاد عن طريق فهم هذا الشعور والمحفزات التي تسببه، ومحاولة التحكم في أفعالنا المترتبة عليه. 

  • البيئة المثالية 

البيئات المثالية هي الأماكن التي يشعر فيها الناس بالراحة والثقة بالنفس، وحيث يمكنهم التعرف على البيئة والتفاعل معها بكفاءة. 

  • المشاركة

وتشير هذه النظرية إلى مدى مشاركة الأشخاص في بيئتهم والتفاعل معها، ويمكن أيضًا أن تشير إلى مشاركتهم في تصميم البيئة وتعديلها وتنظيمها. 

ختامًا، يعد فهم علمِ النفس البيئي ودراسته ضرورة في أيامنا هذه؛ لكي نحمي بيئتنا التي نعيش فيها، ونحافظ على ما تبقى منها ومن مواردها للأجيال القادمة. 

المصدر
What is environmental psychology?What is Environmental Psychology?Understanding Climate and Environmental Psychology
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق