مفاهيم ومداركنظريات

علم النفس التطوري

ما الذي يجعلنا ننجذب نحو الجنس الآخر؟

هل يؤثر تذبذب الهرمونات على سلوكنا الاستهلاكي؟

ما السبب وراء تفضيل صديق دون الآخر؟

إذا كانت الشوكولاتة حديثة الصنع، فهل تطور حبنا لها؟

وهل يمكن تفسير الاختلاف بين تصرفات الذكور والإناث؟ 

كل هذه الأسئلة الغامضة ومثيلاتها تشغل عقولنا طوال الوقت، وحاول علم حديث النشء أطلق عليه “علم النفس التطوري” فك لغز هذه الأسئلة.

في هذا المقال سنتعرض لنشأة علم النفس التطوري، ومنهجه العلمي، وأهم نظرياته.

ما هو علم النفس التطوري؟

هو أحد فروع علم النفس الذي يهتم بدراسة السلوك البشري اعتمادًا على “علم النفس المعرفي” و”علم الأحياء التطوري”؛ لفهم التكيف النفسي والعقلي لأسلافنا لمواجهة تحديات البقاء والتكاثر.

ويسعى علماء النفس التطوري إلى شرح عواطف البشر وأفكارهم، وكذا الصفات العقلية والنفسية،
مثل: الذاكرة والإدراك واللغة، استنادًا إلى نظرية “تشارلز داروين” للتطور عن طريق الانتقاء الطبيعي.

ويفترض علم النفس التطوري أن الحالة النفسية للإنسان لا تعتمد على تجارب الفرد فحسب؛ بل أيضًا على تفضيلات
معينة لها جذور جينية انطبعت عبر ملايين السنين.

وهذه التفضيلات قد ضمنت الاستمرار في نجاح الإنجابية حتى يومنا هذا، فوجودك -مثلًا- سببه أجدادك الذين تمكنوا
-بنجاح- من الإنجاب والاستمرار في نقل مادتهم الوراثية إلى أن وصلت إليك.

نشأة علم النفس التطوري

نشأة علم النفس التطوري

ربما يستحق “داروين” لقب أول عالم نفس تطوري، حيث أرست ملاحظاته -في عام 1873- الأساس لعلم النفس التطوري لاحقًا.

كان داروين أول من طرح فكرة أن تطور التعبيرات العاطفية البشرية يتم على الأرجح بنفس الطريقة التي تطورت بها الصفات الجسدية.

في عام 1890، استخدم عالم النفس “وليام جيمس” في كتابه “مبادئ علم النفس” مصطلح “علم النفس التطوري”.

وتوصل “جيمس” إلى أن العديد من تصرفات الإنسان تعكس عمل غرائزه، والغرائز هي استعدادات موروثة لمحفز معين. 

وفي عام 1908، تبنى “ويليام ماكدوغال” هذا المنظور في كتابه “مقدمة في علم النفس الاجتماعي“. 

اعتقد “ماكدوغال” أن العديد من السلوكات الاجتماعية المهمة كانت مدفوعة بالغرائز، لكنه افترض أن الغرائز عمليات معقدة تقود فيها محفزات معينة (كالعوائق الاجتماعية) إلى حالات عاطفية معينة (مثل الغضب) والتي بدورها تزيد من احتمالية سلوكات معينة (مثل العدوان).

فقدت وجهة نظر “ماكدوغال” للسلوك الاجتماعي شعبيتها حين بدأ “علم النفس السلوكي” في السيطرة على تفسير السلوك الإنساني.

ووفقًا للرؤية السلوكية التي دافع عنها “جون واتسون”، فإن العقل -في الأساس- هو وعاء فارغ، وتحدد سلوكات الإنسان بالكامل تقريبًا من خلال التجارب بعد الولادة.

في أواخر الثمانينيات، ومع انحسار علم النفس السلوكي، ظهرت ولادة جديدة لعلم النفس التطوري مراعياً التطورات التي طرأت على العديد من المجالات المختلفة، بما في ذلك:

  • علم النفس المعرفي.
  • علم الأحياء التطوري. 
  • علم النفس الاجتماعي.

ما هو منهج علم النفس التطوري؟

يفترض أنصار هذا النهج النفسي أنه بينما واجه أسلافنا مشاكل وطوروا طرقًا لحلها، كان لدى آخرون غرائز و
ذكاءات فطرية معينة أعطتهم القدرة على اكتشاف وتطبيق الحلول الأكثر نجاحًا.

وبهذا، اكتسبوا مزايا مثل صحة أفضل أو عمر أطول، مما سمح لهم بإنتاج مزيد من النسل من خلال عملية “الانتقاء الطبيعي”.

ووفقًا لعلم النفس التطوري، فإن أسلافنا الذين تمتعوا بمزايا نفسية، نقلوا هذه الصفات السلوكية إلى الأجيال التالية.
مما أدى إلى وجود عدد من النسل لديه هذه السلوكات التكيفية.

من المعروف أن القدرات النفسية، مثل: قراءة نوايا الآخرين، وتكوين الصداقات، وكسب الثقة، تساعد الشخص طوال حياته على تطور سلوكاته. 

يعتقد علماء النفس التطوري أن هذه المهارات متجذرة في الدوائر العصبية الدماغية المعقدة للغاية، وأنها موروثة.

ما هي أهم نظريات علم النفس التطوري؟

أجرى عالم النفس الأمريكي “ديفيد باس” أبحاثًا عديدة، وألف كتابه الشهير “علم النفس التطوري: العلم الجديد للعقل” الذي يُعد من أهم المصادر العلمية الحالية في هذا المجال.

هذه الأبحاث التي أجريت على رجال ونساء في أكثر من مجتمع مختلف الثقافات، كانت تهدف إلى استكشاف المعايير التي يتبعونها في اختيارهم للشركاء من الجنس الآخر.

لوحظ تشابه كبير جدًّا في نتائج هذه الدراسات بين جميع الثقافات، وهذا يؤكد فكرة وجود برامج تطورية في انتقاء الشريك تظهر من خلال سلوكنا!

و استند “باس” إلى الفرضية القائلة بأن حجم الاستثمار في الذرية يحدد إستراتيجية كلا الجنسين في اختيار الشريك المناسب!

فالمرأة لديها قدرة أقل من الرجل على زيادة المردود الإنجابي؛ لذا تجدها أكثر انتقائية في اختيارها للرجل الذي تريد أن تحبل منه.

في حين أن الرجل يستطيع الإنجاب من أكثر من امرأة في أي وقت، لذا فهو يقدم استثمارًا أصغر بكثير.
ربما ليلة واحدة مقابل أشهر الحمل للمرأة.

وهذا الفرق الكبير يؤثر في معايير اختيار الجنسين لشريك الحياة، حيث تبحث المرأة عن رجل يمتلك موارد أكبر وأكثر صحة؛ لرعايتها هي وذريتها.

في حين أن الرجل يبحث عن النساء الأقل عمرًا؛ أملًا في فرصة أفضل لإنجاب أطفاله والحفاظ على ذريته. 

مبادئ علم النفس التطوري

لعلم النفس التطوري خمسة مبادئ أساسية يبنى على أساسها هذا العلم، وهي:

  1. عقلك هو نظام فيزيائي يرشدك إلى التصرف بطريقة مناسبة وقابلة للتكيف مع بيئتك.
  1. تساعدك الدوائر العصبية في الدماغ على حل المشكلات بطريقة مناسبة، وتبنى هذه الدوائر عن طريق الانتقاء الطبيعي، وعلى مدار الأجيال.
  1. بالرغم من اتخاذك قرارات واعية لإرشادك في حياتك اليومية، تحدد معظم سلوكاتك النفسية -لا شعورياً- من خلال الدوائر العصبية الدماغية.
  1. تتخصص الدوائر العصبية الدماغية في حل مشكلات التكيف المختلفة، فمثلًا الدوائر العصبية التي تدخل في الرؤية ليست مثل التي تدخل في السمع.
  1. يعتمد عقلك على التغيرات التكيفية التي نشأت في العصر الجليدي.

إنه لمن المهم النظر في كيفية تشكيل تاريخنا التطوري لرغباتنا وردود أفعالنا المنعكسة التلقائية اليوم، حتى يمكن تشكيلها بشكل أفضل للمستقبل.

ومن المثير أن نفهم الأسباب التي طورت سلوكاتنا ونفسياتنا إلى ما هي عليه اليوم، و كيف أنها نتاج نجاح تجارب أجدادنا الذين تطورت أجسامهم وأدمغتهم لمواجهة تحديات الظروف التي عاشوا فيها قبل ملايين السنين، فلولا صراعهم الناجح من أجل البقاء، لما كنا موجودين اليوم.

فـتحية إعجاب لهم!

المصدر
Evolutionary psychologyEvolutionary PsychologyIs Evolutionary Psychology Possible?How Evolutionary Psychology Explains Human Behavior
اظهر المزيد

د. محمود الرزاز

محمود الرزاز، صيدلي اكلينيكي، و أخصائي معلومات طبية، استمتع بالبحث عن الدليل العلمي، ومهتم بوصول المعلومات الطبية الحديثة للقاريء بلغة بسيطة و مفهومة، في ظل فوضى انتشار المعلومات غير الدقيقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق