ترياق في بيئة العملمفاهيم ومدارك

علم النفس الصناعي

كنت أنتظر انتهاء مدة دراستي الجامعية حتى أبدأ في العمل وأحقق أهدافي وأحلامي، كنت أتعجب من الأشخاص الذين يخبروني أن العمل يسلب شغفك ويجعل حياتك يومًا واحدًا يتكرر باستمرار.

الآن، وبعد 5 سنوات من تخرجي من الجامعة أدركت صحة كل الكلام الذي سمعته من قبل؛ وأنا أجلس في مكتبي أعد الساعات والدقائق حتى أعود للمنزل؛ إذ لا يوجد أي مجال هنا للإبداع والطموح.

لا أستطيع أن أتجاهل النزاعات المستمرة مع زملاء العمل، والمدير الذي لا يقدر أي مجهود أقوم به، وأتمنى أن أجد بيئة عمل جيدة بدلًا من دفن آمالي وطموحاتي في هذا المكان.

سنتحدث في هذا المقال عن علم النفس الصناعي، وسنعرف معًا هل يمكن الحصول على بيئة عمل جيدة أم إنه حلم بعيد المنال؟!

ما هو علم النفس الصناعي؟

هو أحد فروع علم النفس التطبيقي الذي يختص بتطبيق مبادىء علم النفس في مكان العمل، ويهتم بدراسة سلوك العمال وحالتهم النفسية وتأثير ذلك في معدل إنتاجهم.

ويهدف إلى زيادة كفاءة الموظفين ورفع معدل الإنتاج عن طريق حل المشكلات الموجودة في بيئة العمل.

يُعرف أيضًا باسم علم النفس الصناعي والتنظيمي أو علم النفس الصناعي والمِهَني.

لم يعد استخدام هذا الفرع من علم النفس مجرد رَفَاهيَة أو نوعًا من أنواع الروتين؛ إذ إنه عندما اهتم أغلب رجال الأعمال في الماضي بتحسين المعدات والآلات واعتقدوا أنها الوسيلة الوحيدة لتحقيق أكبر قدر من الأرباح،
وتجاهلوا العامل البشري، لم يصلوا إلى أي نتائج إيجابية.

يمكننا أن ننظر إلى علم النفس الصناعي والتنظيمي من جانبين:

الجانب النفسي: الذي يهتم بدراسة سلوك العمال، والتوفيق بين شخصية الفرد ودوره الوظيفي.

الجانب التنظيمي: الذي يدرس تأثير المنظمة في الحالة النفسية للأشخاص العاملين بها.

شخصيات هامة في علم النفس الصناعي

 توجد بعض الشخصيات البارزة التي ساعدت في ظهور هذا العلم وتأسيس مبادئه، مثل:

فريدريك تايلور (Frederick Taylor): كان مهندسًا ميكانيكيًّا ونشر كتابًا مؤثرًا في تحسين الكفاءة الصناعية.

جيمس ماككين كاتيل (James McKeen Cattell): من أوائل العلماء الذين اهتموا بالبحث في تأثير الاختلافات البشرية في سلوك الفرد.

روبرت يركس (Robert Yerkes): كان طبيبًا نفسيًّا في المخابرات الأمريكية، وهو من استخدم نظام الدرجات في الاختبارات النفسية للجنود؛ لتحديد قدرة الجندي على الخدمة العسكرية وإمكانية القيادة.

أساسيات علم النفس الصناعي

توجد بعض العناصر الأساسية في هذا العلم، أهمها:

1- الجانب الاقتصادي والاجتماعي والنفسي

بما أن هذا العلم يهدف إلى دراسة السلوك البشري في البيئة الصناعية؛ فهو يهتم بمعرفة الظروف الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي يعيش فيها الشخص ويدرس مدى تأثيرها في شخصيته.

2- دراسة الصحة الجسدية

أثبتت عدة دراسات في علم النفس الصناعي أن وجود العمال في بيئة عمل صحية، يؤثر إيجابيًّا في صحتهم الجسدية؛
إذ يشعر الشخص بالراحة ويرغب في العمل بجهد أكبر.

3- دراسة العلاقات الاجتماعية

عندما تقرر الشركة الاهتمام بالعنصر البشري يجب أن تنظر أولًا إلى علاقة الموظف بالإدارة وزملاء العمل.

لا يمكن أن نعد البشر مجرد أدوات ونتوقع منهم العمل بكفاءة مستمرة دون الحاجة للتقدير المادي والمعنوي؛
لذلك يجب على المديرين أن يعلموا أن تعاملهم الجاف مع الموظفين سوف يؤثر سلبًا في أرباح الشركة مع مرور الوقت.

يعد الهدف الأساسي لهذا العلم تحسين العلاقات الإنسانية في بيئة العمل الصناعية.

4- دراسة الدوافع

يتأثر السلوك البشري بدوافع الشخص والأهداف التي يريد تحقيقها في حياته. ومن أهم الدراسات في علم النفس الصناعي التي اهتمت بتأثير الدوافع والعوامل الخارجية في أداء الفرد دراسة تأثير هوثورن.

5- الاهتمام بالصحة العقلية

تتأثر الصحة العقلية للعامل بضغوط العمل وأسلوب تعامل الآخرين معه، وقد يؤدي التعامل السيئ إلى الرغبة في ترك العمل.

لا يهتم هذا العلم بدراسة العوامل المؤثرة في الصحة العقلية فقط، ولكنه يحاول أيضًا الحفاظ على الحالة النفسية للفرد.

يحاول أيضًا العلماء تقديم اقتراحات لتحسين حالة العمال المصابين بالاضطرابات النفسية المزمنة، مثل: الاكتئاب والوسواس القهري.

ما نقاط الضعف في علم النفس الصناعي والتنظيمي؟

توجد بعض التحديات التي تواجه هذا العلم، ومنها ما يأتي:

1- عالم النفس الصناعي

 عالم النفس الصناعي هو الاستشاري أو الطبيب النفسي الذي توظفه الشركة للعمل على حل مشكلات العمال؛
لذلك إن كان هذا الشخص غير مؤهل للعمل أو لا يملك القدرة على تحفيز العمال والسيطرة على مشكلاتهم؛
سيخفق في تحقيق أهداف علم النفس الصناعي.

2- التواصل

تعتمد أي استشارة نفسية على وجود لغة تواصل مشتركة بين الاختصاصي النفسي والمريض؛ لذلك يجب على عالم
النفس الصناعي أن يجد لغة تواصل مشتركة تحتوي على مصطلحات بسيطة يمكن للعمال فهمها؛ حتى يستطيع مساعدتهم.

3- عدم الرغبة في التغيير

من المتوقع أن يواجه الموظفون صعوبة في تقبل التغيير، وعدم الرغبة في الخروج من منطقة راحتهم،
وقد تصل درجة مقاومة التغيير إلى ظهور بعض التصرفات العدوانية.

لا تقتصر هذه المقاومة على العمال فقط، ولكن قد يعارض بعض أعضاء مجلس الإدارة هذه التغيرات المفاجئة؛
لذلك يجب توضيح أسباب هذا التغيير وإتاحة الفرصة لمشاركة الموظفين في اتخاذ القرارات الجديدة.

أهداف علم النفس الصناعي

توجد عدة أهداف لعلم النفس الصناعي، من أبرزها:

  • اختيار الموظفين: تحديد كفاءة المتقدمين للوظيفة ومدى تأهلهم للعمل، بواسطة تصميم بعض الاختبارات والتقييمات.
  • اختيار المعدات: تصميم واختيار المعدات اللازمة لزيادة الإنتاج، وتحديد الإجراءات التي تضمن تقليل الإصابات بين العمال.
  • التطوير التنظيمي: يساعد المختصون في هذا المجال على زيادة أرباح الشركة بواسطة تقديم اقتراحات لتعديل هيكل الإدارة.
  • متابعة الأداء: تصميم تقنيات لمتابعة أداء الموظفين ومعدل إنتاجهم.
  • تحفيز الموظفين: لأن هذا العلم يهتم بدراسة دوافع النفس البشرية والسلوك الإنساني؛ فهو يستطيع تحديد طريقة تحفيز الموظف سواء كانت معنوية أو مادية.
  • تحسين ظروف بيئة العمل: يحسن أيضًا العلاقات بين الموظفين والإدارة، ويحاول اكتشاف طرق جديدة لتخفيف ضغوط العمل.

دور علم النفس الصناعي في تنمية المجتمع

يتمثل دور علم النفس الصناعي في تنمية المجتمع في النقاط الآتية:

1- ابتكار استراتيجيات جديدة

قد تصل الشركات والمنظمات الحكومية إلى مرحلة تتَّبِع فيها روتينًا محددًا ولا تعمل على تغييره، وهذا يؤدي أحيانًا
إلى انخفاض المبيعات؛ لذلك يطور هذا العلم استراتيجيات جديدة تشجع الموظف على الإبداع وتجذب عدد أكبر من العملاء.

2- تكوين فرق عمل

يهتم هذا العلم بدراسة الاختلافات الفردية بين الموظفين وكيفية التعامل معهم، لذلك يستطيع المختصون تقسيم العمال
إلى فرق صغيرة، كل فريق يحتوي على شخصيات يسهل عليهم التعاون معًا؛ وهذا يوفر الكثير من الوقت والجهد.

3- سعادة العامل

يساعد أيضًا على خلق بيئة عمل جيدة حتى يستطيع الموظف العمل بسعادة وراحة أكبر؛ وبذلك يتجنب الإصابة بالأمراض النفسية المزمنة.

4- رضا العميل

يمكِّننا هذا العلم من فهم احتياجات العميل ومعرفة طريقة تفكيره؛ وبذلك نستطيع توفير المنتج الذي يتناسب مع احتياجاته.

في النهاية، مهما توصل العلم إلى مُعَدَّات وأدوات حديثة سيظل العامل البشري أساس أي صناعة؛ لذلك أصبح من
الضروري اهتمام المجتمع بتطبيق علم النفس الصناعي في مجال العمل؛ حتى نحافظ على الصحة النفسية والعقلية لشركاء النجاح.

المصدر
The Basics of Industrial-Organizational PsychologyWhat is Industrial Psychology?Industrial Psychology: Top 6 Scopes of Industrial Psychology – Explained!Major Problems Faced by Industrial PsychologyFunction and applications of Industrial and Organizational Psychology
اظهر المزيد

د. راشيل نادي

صيدلانية وكاتبة محتوى طبي. هدفي أن يصل العلم بشكل غير معقد لمن يريد المعرفة، أثق أن الكتابة ليست مجرد موهبة ولكنها شغف نستطيع به أن نصل لعقول الآخرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق