مفاهيم ومدارك

علم النفس الفارق

أعمل معلمًا منذ مدة طويلة، وأشعر أن أكبر تحدٍ لي هو التعامل مع الطلاب الجدد، إذ إنني أعرف أن كل طفل له شخصيته المستقلة، وبالتأكيد لدى هؤلاء الأطفال عدة مواهب لا أعلم عنها شيئًا.

أشعر بالذنب عندما أكتشف أن بعض الطلاب أصبحوا متشابهين للغاية، إذ إنني أدرك أن دور المدرسة هو تنمية قدرات هؤلاء الأطفال وتطوير مواهبهم الفريدة.

لذا، قررت أن أبحث في كتب علم النفس عن أي أسلوب يُمكِّنني من مساعدة هؤلاء الصغار.

نتحدث في هذا المقال عن أهمية علم النفس الفارق، وأسباب الفروق الفردية، فتابع معنا…

تعريف علم النفس الفارق

هو أحد فروع علم النفس الذي يهتم بدراسة الفروق الفردية بين الأفراد والجماعات والسلالات المختلفة، ويتعرف أيضًا إلى تأثير هذه الاختلافات في حياتنا اليومية.

بدأت أبحاث علم النفس الفارق في عام 1800 على يد العالِم (فرانسيس جالتون)، والذي اهتم بدراسة تأثير العامل الوراثي في معدل ذكاء الفرد، ثم تطورت أبحاثه لاحقًا لتشمل دراسة الجينات، ومعرفة دورها في تطور السلوك البشري.

لا يقتصر دور هذا العلم على دراسة القدرات الفردية ونمط السلوك فقط؛ ولكنه يهتم أيضًا بفهم الدوافع والانفعالات والحالة النفسية للشخص. 

يهدف إلى معرفة أسباب الفروق الفردية، ويُعلِّمنا كيفية الاستفادة من هذا التباين، إذ يساعدنا على اختيار الدور المهني والاجتماعي الذي يتناسب مع سماتنا الشخصية.

مجالات الدراسة في علم النفس الفارق

مجالات الدراسة في علم النفس الفارق

إليك أشهر المجالات التي يدرسها علم النفس الفارق:

معدل الذكاء

يُعَدُّ معدل الذكاء والنمو المعرفي أهم الفروق الفردية التي تميز الشخص، ويمكنك أن تجد عدة اختبارات ذكاء معتمدة تساعدك على معرفة نسبة ذكائك.

ولكن قد تكون نتائج هذه الاختبارات محبِطة في بعض الأحيان، لأنها تعتمد على أرقام محددة تقيس القدرات العقلية التي يولد بها الفرد.

لذا، يركز علماء النفس حاليًا على تطبيق نظرية “الذكاءات المتعددة“، والتي تُمكِّن الفرد من معرفة نوع الذكاء الذي يملكه، فيستطيع تطوير مهاراته وتحديد مجال العمل الذي يستطيع التفوق فيه.

السمات الشخصية

لا يمكن أن تجد نسخة أخرى منك، إذ إن كل إنسان يمتلك بعض الصفات الفريدة التي تميز شخصيته.

حاول علماء النفس تقسيم الشخصيات إلى عدة أنواع، وتحديد بعض السمات الشخصية المتشابهة، ومن أهم أنماط الشخصية:

  • الشخصية المتعاونة.
  • الشخصية المحفزة.
  • الشخصيةُ القيادية.
  • الشخصية المفكرة.
  • الشخصيةُ الرومانسية.
  • الشخصية المسيطرة.
  • الشخصيةُ الباحثة عن الكمال.
  • الشخصية النرجسية.
  • الشخصية الانطوائية.

يحاول علماء هذا المجال فهم كيفية تطور السمات الشخصية، ودراسة المواقف والمشاعر التي تعرض لها الشخص في طفولته، إذ إنها تلعب دورًا هامًا في تكوين الشخصية.

الإعاقة العقلية

يهتم هذا العلم بتحديد نوع الإعاقة التي يعانيها الطفل، ويساعدنا على البحث عن أفضل الوسائل التعليمية التي تُمكِّنه من التركيز وفهم المعلومات بسهولة.

إذا كنت معلمًا، ستساعدك أبحاث ونظريات علم النفس الفارق على معرفة الفروق الفردية بين الطلاب.

لذلك، يجب أن تحدد نمط التعلم الذي يتناسب مع القدرات العقلية للطفل، ويُمكِّنه من تنمية مهاراته، ويساعده على الاندماج مع زملائه.

التفوق العقلي

يهدف هذا العلم إلى معرفة المواهب والقدرات الذهنية العالية التي يتميز بها الفرد، إذ توجَد بعض الحالات النادرة
التي نلاحظ فيها تمتع الشخص بموهبة فريدة في مجال محدد، مثل:

  • الرياضة.
  • القدرة على الفهم والحفظ بسرعة.
  • الحسابات الرياضية.
  • الفنون.

تظهر علامات التفوق لدى الطفل منذ الصغر، ولكن ربما يؤدي عدم اهتمام الوالدين بتنمية مهارات الطفل وقدراته الخاصة إلى شعور الطفل بالإحباط وفقدان الشغف.

لذا، يحتاج هؤلاء الأطفال إلى عناية خاصة، حتى يتمكنوا من معرفة الخطوات الصحيحة التي تساعدهم على الإبداع والتفوق.

علاقة علم النفس الفارق بالعلوم الأخرى

علاقة علم النفس الفارق بالعلوم الأخرى

يرتبط علم النفس الفارق ارتباطًا وثيقًا ببعض العلوم، مثل:

1- علم نفس الشخصية

يعَدُّ علم نفس الشخصية أكثر التخصصات شيوعا، إذ تطورت نظرياته بسرعة منذ بداية أبحاث علم النفس الحديث.

يركز هذا العلم على دراسة أوجه التشابه بين الأفراد والجماعات، ويصنِّفهم إلى عدة أنواع، بينما يهتم علم النفس الفارق بالاختلافات والفروق التي تميز شخصية الفرد.

في السنوات القليلة الماضية، استخدم العلماء هذه النظريات المختلفة في دراسة السلوك البشري، وفهم العوامل المؤثرة في نضْج الفرد وتطور الشخصية.

2- علم النفس الصناعي والتنظيمي

تستخدم أغلب الشركات حاليًا أبحاث علم النفس الصناعي والتنظيمي الذي يهدف إلى تطبيق نظريات علم النفس
في مكان العمل، ويدرس سلوك العمال، وتأثير ضغط العمل في حالتهم النفسية.

وجد الباحثون حديثًا أنه توجَد علاقة إيجابية بين دراسة الفروق الفردية وتطبيق نظريات علم النفس الصناعي،
إذ لاحظ أعضاء مجلس الإدارة زيادة معدل الإنتاج عندما قُسِّم العمال إلى مجموعات صغيرة، بناءً على قواعد علم النفس الفارق.

يرجع ذلك إلى أن كل فريق يتكون من شخصيات متشابهة يسهل عليها العمل معا، وهو ما يسهم في تحسين الحالة النفسية للعمال، ويمكِّنهم من تحقيق أكبر قدر من الأرباح.

3- علم النفس التربوي

تستطيع المدرسة أن تنمي شخصية الطفل وتطور مهاراته، ويمكنها أيضا أن تسبب له الإحباط واليأس.

يرتكب المعلمون أكبر خطأ عند إتباع نفس الأسلوب التربوي مع جميع الطلاب، دون مراعاة الفروق الفردية
في معدل الذكاء والقدرات العقلية.

قد يؤدي عدم اهتمام المدرسة بشخصية الطفل إلى كره التعليم والسلوكات العدوانية، لذلك يجب أن يدرك المعلم الاختلافات بين الطلاب، حتى يتمكن من توجيه الطفل بسهولة، وتقييم سلوكه وتحصيله الدراسي.

ما هي العوامل المؤثرة في الفروق الفردية؟

بعد أن ناقشنا تعريف علم النفس الفارق، وتعرفنا إلى علاقة علم النفس الفارق بالعلوم الأخرى، سنذكر في السطور القادمة بعض العوامل المؤثرة في الفروق الفردية، ومنها:

العامل الوراثي

يعَدُّ العامل الوراثي أهم أسباب الاختلاف الفردية، إذ يرث الفرد عدة صفات شخصية يصعب تغييرها، مثل:

  • لون العين.
  • شكل الجمجمة.
  • معدل النمو البدني.
  • لون البَشَرَة.
  • بعض الأمراض الوراثية.
  • السمات العقلية (مثل الذكاء وطريقة التفكير).

العمر

يؤثر العمر في النمو البدني والعاطفي والفكري للشخص، فعندما تتذكر أفكارك ومشاعرك منذ عام، ستلاحظ بعض
الاختلافات في شخصيتك وطريقة تفكيرك.

البيئة المحيطة

تؤثر البيئة المحيطة ومواقف الحياة اليومية في آراء الشخص وحالته النفسية، فالشخصية تتكون نتيجة التفاعل المتبادل بين الوراثة والبيئة.

الحالة المادية والتعليم

من الطبيعي أن تجد فروقًا في الحالة الاقتصادية بين أفراد المجتمع، وهو ما يسبب اختلافًا في طريقة التفكير،
ومستوى التعليم، ونمط السلوك الاجتماعي.

أهمية علم النفس الفارق 

إليك بعض النِّقَاط التي تمثل أهم أهداف علم النفس الفارق:

التعليم

يركز علم النفس الفارق على دراسة الفروق الفردية بين الطلاب، والتعرف إلى القدرات العقلية العالية، حتى يتمكن
المعلمون من مساعدة الطفل على التعامل مع هذه القدرات الفريدة وتنميتها.

يركز أيضًا على معرفة شخصية الطفل، ومساعدته على التكيف مع زملائه، واختيار الأنشطة المدرسية التي تتناسب مع سماته الشخصية ومواهبه.

اختيار الموظفين

يساعد على تحديد نِقَاط القوة والضعف لدى العامل، وهو ما يمكِّن المدير من اختيار الشخص الذي تتوافق قدراته ومهاراته مع متطلبات الوظيفة.

يهدف أيضًا إلى تحسين الحالة النفسية للموظفين، ومساعدتهم على التغلب على ضغط العمل النفسي.

دراسة السلوك البشري

تعَدُّ دراسة السلوك البشري -والتنبؤ بكيفية تطور شخصية الفرد- أهم أهداف علم النفس الفارق، حيث يهتم هذا العلم بتحديد أسباب الفروق الفردية، مثل أسلوب التربية، والصدمات النفسية العنيفة.

يحاول أيضًا علماء هذا المجال تقديم بعض الاقتراحات التي تساعد الشخص على علاج الأزمات النفسية والمخاوف.

وفي النهاية، تذكَّر أن الفروق الفردية هي تلك الأشياء البسيطة التي صنعت شخصيتك الفريدة، لذلك تيقَّن أنه يوجَد مجال ما تستطيع أن تبدع فيه.

لذا، حاوِل أن تبحث عن نِقَاط قوتك ومواهبك، حتى تدرك أن اختلافك هو سر تميُّزك.

المصدر
Individual Differences: Types, Causes and Role | PsychologyDifferential psychologyDifferential PsychologyWhat Is Differential Psychology?Personality Traits & Personality Types: What is Personality?
اظهر المزيد

د. راشيل نادي

صيدلانية وكاتبة محتوى طبي. هدفي أن يصل العلم بشكل غير معقد لمن يريد المعرفة، أثق أن الكتابة ليست مجرد موهبة ولكنها شغف نستطيع به أن نصل لعقول الآخرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق