علماء ومشاهيرمفاهيم ومداركنظريات

علم النفس الفردي | جولة حول ما صنعه إدلر

أهلًا يا أصدقاء، هل تذكرونني أم لا؟!

أعتقد أن الإجابة لا. 

إذًا دعونا نعود بالذاكرة قليلًا إلى الوراء، أنا ذلك الشخص الفضولي الذي أوقعتني المصادفة بالطبيب النفسي الشاب. 

وقتها شاركتكم الكثير من المعلومات عن العلاج النفسي في مقال علاج المرض النفسي دون طبيب.

هل تذكرتم الآن؟! 

اليوم تجدد اللقاء وكان موضوعنا مختلفًا وشيقًا… عن ماذا تحدثنا؟!

تحدثنا عن واحد من أشهر فروع العلاج النفسي؛ علم النفس الفردي، ووددت أن أشارككم ما عرفته، فهيا بنا.

علم النفس الفردي… البداية 

بدأت حديثي قائلًا: “لفت نظري منذ مدة مصطلح علم النفسي الفردي والاجتماعي فهلَّا حدثتني عنه بالتفصيل؟!” 

أجاب صديقي الطبيب قائلًا: “بالطبع، علم النفس الفردي واحد من أكثر المصطلحات شيوعًا، ويمكن القول باختصار أنه يهتم بدراسة كل العوامل التي تؤثر في قيم الفرد ومشاعره وأفكاره ومدى انعكاسها على حياته”.

وقد أرسى قواعد هذا العلم العالم النمساوي (ألفريد إدلر) في مطلع القرن التاسع عشر تقريبًا، وأسهم بالكثير من النظريات الخاصة به.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

ألفريد إدلر… من هو؟! 

قاطعت صديقي قائلًا: “لهذا يُطلق على هذا العلم اسم علم النفس الفردي عند إدلر أو ما يسمى ( Adlerian Psychology)!.

أومأ بالإيجاب، ثم استطرد قائلًا: “إن إدلر واحد من العلماء المميزين في مجال علم النفس؛ بدأ طريقه في عالم الطب كعالم وطبيب عيون ثم وجه اهتمامه إلى علم النفس. 

وقد كان من أشد المؤيدين لفرويد ونظرياته حتى أنه انضم لدائرته المقربة، ثم انفصل عنه وأسس مدرسته الخاصة بعلم النفس الفردي”. 

سألت: “وما سبب انفصال إدلر عن مدرسة فرويد يا تُرَى؟!”.

أجاب: “اعتمد فرويد في مدرسته على تبني نظرية أن أصل كل سلوك إنساني يرجع إلى وجود دافع جنسي أو رغبات مكبوتة. أما إدلر فاعتمد في نظرياته على وجود عوامل أخرى داخلية وخارجية تؤثر في سلوك الإنسان”. 

آخرون أسهموا في صناعة علم النفس الفردي 

أكمل صديقي قائلًا: “لم تتوقف مسيرة علم النفس الفردي عند إدلر؛ فقد سار العديد من العلماء على نفس دربه وطوروا فيه، من أشهرهم:

  • رودلوف دريكيرز (Rudolf Dreikurs): عالم نفسي أمريكي طور نظريات إدلر لفهم أساس السلوكات البغيضة لدى الأطفال وزرع روح التعاون لديهم.
  • صوفيا دي فراز (Sophia J. de Vries).
  • هنري ستين (Henry T. Stein).

علم النفس الفردي والاجتماعي عند إدلر

“يعتقد إدلر أن معظم المشكلات والأمراض النفسية المنتشرة بيننا منشؤها الأول هو افتقارنا للقدرة على التعامل مع مشاعر الدونية والنقص”. 

لاحظ  الطبيب حيرتي فأردف:

“نولَد يا صديقي أطفالًا ضعفاء نواجه الحياة بالقليل من الخبرات ولا نقوى على شيء، وتولَد معنا مشاعر النقص وعدم الاكتمال. 

وعلى الرغم من قسوتها فهي تعد الدافع الأول الذي يدفع الإنسان إلى التعلم وتطوير ذاته وصقل شخصيته”. 

قاطعته قائلًا: “أفهم من قولك هذا أن مشاعر الدونية طبيعية جدًا وعند كل البشر تقريبًا… أين المشكلة إذًا؟” 

قال: “المشكلة تكمن في أن قدرة البشر على التعامل مع تلك المشاعر الطبيعية متفاوتة جدًا؛ فبعض البشر تلازمه تلك المشاعر للأبد وتسيطر على حياته بالسلب وتتحول إلى مشكلات أكثر تعقيدًا، مثل: 

  • عقدة النقص (Inferiority Complex): وفيها يفتقد الشخص للثقة بالنفس واحترام الذات، ويلازمه شعور دائم بالاحتقار.
  •  عقدة الاستعلاء (Superiority Complex): وهي وجه آخر يخفي فيه الشخص شعوره بالدونية ويبحث عن طريقة مختلفة لإخفاء مشاعر النقص.” 

وهنا كان يجب عليَّ أن أسأل سؤلًا مهمًا: “ما السبب وراء تحول مشاعر النقص الطبيعية لمشكلة تنغص حياة هؤلاء البشر؟” 

وكانت إجابة الطبيب: “هناك العديد من العوامل يا صديقي تؤدي إلى تلك المشكلة، وعادة ما يكون منشؤها في الطفولة. 

فمثلًا: النشأة في بيئة أسرية أو اجتماعية غير داعمة أو سوية للطفل تتسبب في تضخيم تلك المشاعر وتنميتها”.

ولك أن تتخيل أن مجرد ترتيب الأطفال في الأسرة قد يؤثر؛ فالطفل الأول يملك صلاحيات واهتمامًا كبيرًا من الأب، بينما الطفل الثاني يحتاج إلى بذل جهد أكبر حتى يخرج من ظل أخيه وينافسه ليحظى بإعجاب أبويه، هذا بخلاف الطفل الوحيد الذي تسيطر عليه حماية الأبوين الدائمة. 

هناك أيضًا عوامل أخرى ذُكرت في علم النفس الفردي عند ألدر مثل:

  • غياب التعاطف المجتمعي عن هؤلاء الأشخاص.
  • وجود إعاقة عقلية أو جسدية.
  • قيم المجتمع المبالغ فيها.
  • انتشار التنمر بناءً على الدين أو الجنس أو العرق.

تطبيق نظرية إدلر في الإرشاد والعلاج النفسي 

انتقلنا في الحديث بعدها إلى طريقة تطبيق نظرية إدلر في الإرشاد والعلاج النفسي، وأوضح الطبيب أن العلاج عن طريق علم النفس الفردي يعتمد على عدة أشياء:

  • التعرف إلى القيم والأفكار والمشاعر والمعتقدات السلبية التي يتبناها المريض وتسيطر عليه.
  • الكشف عن العوامل التي تسببت في نشأة تلك المعتقدات والأفكار والمشاعر التي بدورها أثرت في تقديره لذاته.
  • مساعدة المريض على تقبله لذاته مرة أخرى عن طريق الفهم الصحيح للعوامل السابق ذكرها وبناء قيم وأفكار صحيحة.  

ويطبق العلاج باستخدام نظريات العلاج النفسي الفردي عن طريق ست مراحل رئيسة نشرحها بالتفصيل في الفقرة التالية.

خطوات العلاج النفسي الفردي 

أولًا: الارتباط 

تبدأ أولى خطوات العلاج النفسي الناجح بوجود علاقة وثيقة بين الطبيب المعالج والمريض.

تلك العلاقة قوامها مزيج بين ثقة المريض في الطبيب وبين تعاطف الطبيب معه. 

ثانيًا: التقييم 

في تلك الخطوة يقيم الطبيب المعالج حالة المريض ويتعرف إلى ماهية المشكلات التي يعانيها ودرجة تأثيرها ومدى سوؤها؛ لتحديد خطة العلاج المناسبة له. 

ويتم خلال هذا التقييم كشف اللثام عن الأفكار والمعتقدات والمشاعر السلبية التي يشعر بها الشخص تجاه نفسه، ومعرفة الأسباب والمواقف التي تسببت في ترسيخها.

كل ذلك خلال حوار بنَّاء وعميق بين الطبيب المعالج والمريض حول طفولته وخبراته الحياتية السابقة.

ثالثًا: التوضيح والتصحيح 

يعمل الطبيب في تلك المرحلة على توضيح أسباب المشكلة للمريض، ويشير فيها إلى موضع الخطأ من مشاعر وأفكار ومواقف مسببة للمشكلة.

وينتقل بعدها إلى كيفية تصحيح تلك المشكلة عن طريق غرس وبناء أفكار ومعتقدات ومشاعر جديدة من خلال خطوات بسيطة. 

رابعًا: الترجمة أو التصريح 

بعد التأكد من إحراز المريض بعض التقدم في العلاج؛ يمكنك التصريح بحذر للمريض باسم المشكلة التي يعانيها ومناقشتها معه.

خامسًا: تغير نمط الحياة 

هنا بعد الفهم التام للطبيب والمريض للمشكلة وجذورها؛ يساعد الطبيب المعالج المريض عن طريق توجيهه لتغيير نمط حياته وغرس مشاعر الرضا وتحسين قدرته على الارتباط بالمجتمع المحيط به.

سادسًا: العلاج الإضافي 

لا يكتفي بعض الأشخاص بالوصول لتلك المرحلة؛ بل يرغب بعضهم أحيانًا في تحسين نمط حياته بالكامل؛ فيتجاوز الأمر التخلص من مشاعر النقص والدونية ويرغب في الارتباط بقيم أعلى مثل: الجمال والعدالة وغيرها.

بمعنى آخر؛ يسعون للحصول على أفضل نسخة لشخصيتهم بمساعدة جلسات العلاج النفسي الفردي.

انتهى حواري اليوم مع الطبيب الشاب -يا أصدقاء- وقد كان قيِّمًا وممتعًا كالعادة، لدرجة أن مشاركته معكم كانت أمرًا ضروريًا…

هل استمتعتم مثلي بهذا الحوار؟! 

نلقاكم قريبًا في حوار آخر وترياق جديد.

المصدر
Alfred Adler Biography: Career and LifeAdlerian Psychology / PsychotherapyIndividual psychologyAlfred Adler's Theories of Individual Psychology and Adlerian TherapyIndividual psychology
اظهر المزيد

د. مروة إسماعيل

مروة إسماعيل صبري، طبيبة بيطرية وكاتبة محتوى طبي، مهتمة بالبحث في مختلف العلوم الطبية وتبسيطها وإثراء المحتوى الطبي العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى