نظريات

علم النفس الوظيفي

هل تساءلت يومًا -عزيزي القارئ- عن الطريقة المُثلى لفهم شعور الإنسان وإدراكه؟! 

«هل يجب أن نحلل مكوِّنات هذا الشعور والظروف التي أدت إليه؟!

 أم من الأفضل أن نركز على وظيفته، والدور الذي يؤديه في حياة الفرد، ومن ثَمَّ المجتمع؟!»

في الحقيقة، لقد كانت تلك التساؤلات محط اهتمام العلماء منذ نشأة مجال علم النفس، وهو ما أدى إلى ظهور ما يُسمى
بعلم النفس البنيوي في بداية الأمر، ثم تلاه بعد ذلك علم النفس الوظيفي، الذي هو موضوع مقالنا اليوم. 

لذا؛ إذا كنت تريد معرفة المزيد عن هذا الموضوع، فندعوك إلى مرافقتنا عبر سطور هذا المقال. 

لكن -في البداية- وقبل التطرق إلى ما يعنيه مفهوم علم النفس الوظيفي، دعونا نتعرف إلى أسباب نشأته وتاريخه.

 تاريخ علم النفس الوظيفي

عندما أُسس علم النفس لأول مرة علمًا منفصلًا عن الفلسفة، ظهر الكثير من الجدل بشأن كيفية فهم السلوك البشري،
وكيفية تحليل عقل الإنسان، والعمليات التي يؤديها. 

وقد أدى ذلك إلى ظهور نظريتين كانتا بمثابة الأساس الذي بُني عليه علم النفس الحديث؛ وهما نظرية البنيوية النفسية والنظرية الوظيفية.

ولكي نفهم تاريخ علم النفس الوظيفي جيدًا، يجب أن نعلم أنه ظهر كرد فعل للنظرية البنيوية، وكنقيض لها.  

عارضت المدرسة الوظيفية الاتجاه السائد للنظرية البنيوية في ذلك الوقت، والذي أسسها العالم (إدوارد تيتشنر). 

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

إذ كانت البنيوية هي المدرسة الأولى لعلم النفس، وقد قامت على فكرة تقسيم العمليات الذهنية البشرية إلى مجموعة من المكوِّنات الأساسية، واستخدمت ما يُسمى بـ «الاستبطان» لفهم هذه المكونات وتحليلها، ومن ثَمَّ فهم طريقة عمل الوعي الإنساني، وتأثيره في السلوك البشري. 

لم يقتنع العالم (ويليام جيمس) بهذا التحليل للسلوك والتفكير البشري، ورأى أنه بدلًا من التركيز على العناصر
التي يتكون منها الوعي الإنساني، يجب أن نركز على الوظيفة التي يؤديها هذا الوعي، والغرض الذي يفعله من أجل ظهور سلوك ما. 

ومن هنا يمكننا القول أن هذه كانت بداية تاريخ علم النفس الوظيفي. 

جدير بالذكر أن كلتا المدرستين (مدرسة علم النفس الوظيفي ومدرسة علم النفس البنيوي) قد فقدتا هيمنتهما على مجال علم النفس منذ بداية القرن العشرين.

 حيث ظهرت العديد من المدارس الأخرى التي اهتمت بتفسير السلوك الإنساني بشكل مختلف وأكثر عمقًا وتطورًا،
مثل علم السلوك، وعلم النفس المعرفي. 

لكن هذه المدارس الفكرية المبكرة قد أثرت -بلا شك- في مسار علم النفس وتطوره. 

إذن…

ما العلاقة بين علم النفس الوظيفي والبنيوي؟

خُلاصة القول -كما ذكرنا سابقًا-، فإن العلاقة بين علم النفس الوظيفي والبنيوي قامت على المعارضة بالأساس. 

ولكن، على الرغم من ذلك، فإن بعض علماء النفس رأوا أن من الممكن التوفيق بين النظريتين، على أساس أن كلتيهما فسرتا السلوك اعتمادًا على مفهوم “الوعي“، حتى وإن اختلفت رؤيتهما لهذا المفهوم.

 والآن، هيا بنا لنفهم أكثر ما يعنيه مفهوم علم النفس الوظيفي، وما مدارسه المختلفة. 

تعريف علم النفس الوظيفي

تعريف علم النفس الوظيفي

يمثل علم النفس الوظيفي الفلسفة القائلة بأن جوهر أي حالة عقلية (فكرة ما، أو معتقد، أو رغبة، أو ألم، أو أي شيء
آخر) لا يعتمد على مكوِّنات هذه الحالة، بل يعتمد على وظيفتها، والدور الذي تؤديه في النظام المعرفي التي هي جزءٌ منه. 

بمعنى آخر، تُحدِّد المدرسة الوظيفية هويِّة أي حالة عقلية من خلال علاقتها بالمثيرات البيئية الأخرى، ومن ثَمَّ علاقتها السببية بالسلوك الذي تؤدي إلى ظهوره بالنهاية. 

يعد “ويليام جيمس” مؤسس علم النفس المدرسة الوظيفية. 

من هو ويليام جيمس؟ 

هو فيلسوف وعالم نفس أمريكي، يعده الكثيرون الأب الروحي لعلم النفس بالولايات المتحدة نظرًا لإسهاماته العظيمة في هذا المجال. 

اشتهر بنظريته الوظيفية، ويعد كتابه المسمى بـ “مبادئ علم النفس” من أهم الكتب في تاريخ علم النفس الأمريكي. 

  • من أشهر نظرياته:
  • الوظيفية.
  • نظرية (جيمس لانج) لتفسير العواطف والانفعالات.
  • البراجماتية.
  • من أشهر تلاميذه المؤثرين في مجال علم النفس:
  • ماري ويتون كالكنز.
  • إدوارد ثورندايك.
  • ستانلي هول.

مدارس علم النفس الوظيفية

حاولت مدارس علم النفس الوظيفية المختلفة تصنيف نظريات علم النفس الوظيفي وتفسيرها؛ كل مدرسة بناءً على رؤيتها وفهمها لتلك النظريات. 

من ضمن مدارس علم النفس الوظيفية ما يأتي:

  • مدرسة وظيفية الآلة

 

مدارس علم النفس الوظيفية

مؤسس هذه المدرسة هو الفيلسوف والعالم الأمريكي بوتنام (Putnam)، الذي اعتبر العقل البشري بمثابة حاسوب أو آلة، ومن ثَمَّ فإن أي حالة عقلية يمكن اعتبارها كمعادلة.

تعتمد هذه المعادلة على مجموعة من المعطيات أو المدخلات المحددة (inputs)، التي تؤدي -في النهاية- إلى ظهور مجموعة من المخرجات (outputs)، إذ تمثل تلك المخرجات سلوكًا معينًا ناتجًا عن هذه الحالة العقلية. 

لم تصمد هذه المدرسة طويلًا، إذ اتضح أن السلوك الإنساني أعقد من ذلك، وتتداخل المعطيات المؤدية إليه بشدة،
وقد تتأثر بمجموعة كبيرة ومختلفة من المؤثرات البيئية في نفس الوقت.

اقرأ هنا أيضًا عن علم النفس السلوكي.

  • مدرسة الوظيفية النفسية

تتبنى مدرسة الوظيفية النفسية منهجية علم النفس المعرفي، التي تحدِّد هويَّة العمليات العقلية بناءً على الدور
الذي تؤديه في النظام المعرفي. 

ترى هذه المدرسة أن أهمية العناصر أو المكوِّنات التي تتكون منها أي عملية عقلية تكمن في الدور الذي تؤديه للوصول إلى سلوك ما، وليس في طبيعة هذه العناصر في حد ذاتها. 

  • مدرسة الوظيفية التحليلية 

انحدرت هذه المدرسة من المدرسة السلوكية المنطقية، وتهدف إلى تقديم تحليلات أو تفسيرات للمفاهيم والعناصر
التي تتكون منها أي عملية عقلية، تعتمد هذه التفسيرات على العلاقة السببية بين تلك العناصر والمحفزات البيئية الأخرى،
وأيضًا بينها وبين السلوك النهائي الناتج منها. 

أهمية علم النفس الوظيفي

كان للمدرسة الوظيفية تأثير عظيم في تطور علم السلوك، وعلم النفس التطبيقي. 

وقد أثرت كذلك في تطور العملية التعليمية. 

تأثير المدرسة الوظيفية في التعليم

تأثير المدرسة الوظيفية في التعليم
  • ظهر تأثير المدرسة الوظيفية جليًا في التعليم من خلال رؤية العالم (جون ديوي)، وهو أول من اعتنق فكرة أن الأطفال يجب أن يتعلموا وفقًا لمراحل النمو المختلفة التي يمرون بها. 
  • ركزت المدرسة الوظيفية أيضًا على استغلال دور المدرسة والمؤسسة التعليمية في تحقيق الصالح المجتمعي،
    من خلال التنشئة المجتمعية السليمة للطلاب، وتنمية المهارات والسلوكات الإيجابية. 

اقرأ هنا أيضًا عن: كيف تكون مؤثرًا في المجتمع؟ 

  • أدى تطبيق علم النفس الوظيفي في مجال التعليم إلى التركيز على مهارات الطلاب، واكتشاف مواهبهم،
    من أجل مساعدتهم على الاندماج في المجالات الوظيفية التي يبرعون فيها.  

وعلى الرغم من تلك الأهمية التي مثلها علم النفس الوظيفي في مجال التعليم وفي تطور علم النفس، فإنه لم يسلم من النقد، خاصةً من قِبل العالِم الألماني فونت (Wundt)، الذي قال عن كتاب “مبادئ علم النفس”
لويليام جيمس بأنه يشبه الأدب، لكنه لا يمثل علم النفس الحقيقي

في النهاية، لا يستطيع أحد أن ينكر دور علم النفس الوظيفي في تطوير مجال علم النفس إلى الشكل الذي نعرفه الآن؛ إضافة إلى كونه الأساس الذي بُني عليه علم السلوك،
فإنه يعد مدرسة فكرية رئيسية لا تزال مستخدمة حتى الآن. 

المصدر
Structuralism and Functionalism Schools of ThoughtFunctionalismFunctionalism and EducationFunctionalism
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى