ترياق الحياة الصحية

غرائب النوم

“النوم هبة إلهية، لولاها لاجتاح العالم الجنون!” 

تلك كانت كلمات الكاتب المصري المبدع يوسف زيدان في إحدى رواياته الشهيرة.

تخيل معي عزيزي القارئ عالمًا من دون نوم! الأمر مثل السير على القمر حافي القدمين، الأمر درب من دروب المستحيل.

دعنا إذًا في السطور التالية نلقي الضوء على عجائب وغرائب النوم، وماذا قد يحدث لو أصابك إحداها؟!

النوم رحمة.. لا حياة صحية صحيحة من دون نوم

يعد النوم شيئًا ضروريًّا وحيويًّا للحياة؛ إذ يؤدي دورًا مهمًّا في استقرار صحتك النفسية والجسدية، وشعورك العام بالرضا والسعادة طوال حياتك. 

في أثناء النوم يعزز جسمك قدراتك العقلية والجسدية ويقويها، هذا إلى جانب أهمية النوم الصحي للأطفال والمراهقين من أجل نموهم الجسدي والنفسي السليم.

يساعد النوم عقلك على إعادة التوازن المفقود من جراء يوم طويل ومجهد، ليقوم بتهيئته من أجل يوم قادم جديد؛ فهو يساعد على تكوين نواقل عصبية جديدة تساعدك على تقوية قدراتك الذهنية وقدرتك على التعلم والتذكر.

وقد أثبتت الدراسات الحديثة أن النوم الهادئ الليلي المريح يحفز الدماغ البشري على تعلم مهارات جديدة، وحل المشكلات اليومية التي تواجهه، وزيادة قدراته الإبداعية.

فإذا كنت تود تعلم قيادة السيارة أو العزف على البيانو، أو تعلم لغة أجنبية جديدة؛ الأمر سهل وبسيط؛ نل قسطًا كافيًا من النوم!

لكن هل الأمر وردي وجميل هكذا في عصر السوشيال ميديا، وعصر العولمة الاقتصادية الحديثة وتطور الدول والبشر!

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

العصر الذي صار فيه الأرق واضطرابات النوم جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، أضف إلى ذلك بعض غرائب النوم التي تحدث فجأة نتيجة لعدة أسباب سنغوص في تفاصيلها لاحقًا.

يعد أشهر الغرائب والاضطرابات الخاصة بالنوم ما يُدعى ب “الخطل النومي”.

أعلم أنك الآن قد أصابتك دهشة وظهرت فوق رأسك علامات تعجب واستفهام، ما هو ذلك الخطل النومي! 

حسنًا، دعنى أحدثك عنه…

الخطل النومي… ما بين هلع وشلل وسير!

قبل الكلام عن عجائب وغرائب النوم، دعنا نبسط فكرة النوم إلى عنصرين أساسيين أو مرحلتين أساسيتين هما:

  • نوم حركة العين غير السريعة NREM.
  • نوم حركة العين السريعة REM. 

وذلك بناءً على تصنيف “المؤسسة الوطنية الأمريكية للنوم”. 

متى يحدث إذًا الخطل النومي؟!

“هناك عملية طبيعية تحدث في أثناء التنقل بين النوم والاستيقاظ، والعكس”.

تلك كانت كلمات الدكتور جيسي ميندل المتخصص في علاج مشكلات اضطراب النوم بجامعة أوهايو.

وأضاف بأن

 “الخطل النومي ينتج عن حدوث مشكلة ما في مراحل التنقل بين النوم والاستيقاظ”.

حسنًا، لنبسط الأمور قليلًا…

أنت في أثناء النوم تمر بمراحل عديدة لتصل إلى نوم هادئ، ما يحدث هو أنه في أثناء إحدى تلك المراحل، وبالأخص المرحلة الأولى NREM التي تشمل 75% من الوقت الذي تحتاجه للنوم، يؤثر فيها بعض العوامل الخارجية مثل: الضوضاء أو مشكلات التنفس، الأمر الذي يتسبب في اضطراب المرحلة الانتقالية NREM وعادة ما يتسبب في الاستيقاظ المشوش.

وعلى العكس في مرحلة REM، إذا ما حدث اضطراب ما في تلك الفترة يصاب المريض بالشلل!

إليك عزيزي القارئ أشهر أربع حالات من اضطراب الخطل النومي: 

  • الاستيقاظ المشوش (Confusional Arousal): 

يعرف أحيانًا بثمالة النوم (sleep drunkenness).

ويحدث عادة عندما يوقظك شيء ما في الثلث الأول من الليل، أي عند دخولك مرحلة نوم العين غير السريعة NREM أو ما يسمى بموجة النوم البطيئة طبقًا للمؤسسة الوطنية الأمريكية للنوم، تلك المرحلة التي تساعد المخ على التعافي من مجهود اليوم الذهني، فإذا ما استيقظت في أثنائها، فإن قدراتك العقلية تكون منخفضة بشكل كبير وقد تحتاج إلى نصف ساعة كاملة حتى تستعيدها، لذلك تظهر أعراض مثل: التحدث والتمتمة بكلام مبهم وليس له أي معنى!

في العموم، مشكلة الاستيقاظ المشوش لا تمثل معضلة كبيرة وغير مؤذية على الإطلاق، ولن تتذكرها مطلقًا، لكن إذا تكرر الأمر؛ عليك التخلص من أي مؤثرات خارجية قد تتسبب في استيقاظك من عز نومك لتعكر عليك يومك لاحقًا.

  • المشي في أثناء النوم (sleepwalking): 

يعرف أيضًا بكلمة (somnambulism) أو السير في أثناء النوم.

يحدث عادة في مرحلة نوم العين غير السريعة NREM، ويتضمن النهوض والسير على الأقدام في الأرجاء وأنت نائم تمامًا.

يحدث ذلك عندما يستثار جزء بسيط من الدماغ ويبقى باقي المخ في حالة خمول ونوم، الجزء الذي نشط في الدماغ مسؤول بشكل رئيسي عن الوظائف الحركية الإرادية ولكن من النوع البدائي البسيط، لذلك إذا ما رأيت أحد الأشخاص المقربين منك يسير وهو نائم؛ كل ما عليك فعله هو توجيهه نحو السرير، الأمر بسيط!

السبب الرئيسي وراء السير في أثناء النوم غير معروف، كما أن معظم الحالات تعتبر غير مؤذية أو خطرة على الإطلاق، لكن إذا كان الأمر مزعجًا بالنسبة إليك، يمكن استشارة الطبيب النفسي المختص الذي قد يوصي باستخدام بعض المهدئات من عائلة Benzodiazipine، التي تقلل من نشاط المخ في مرحلة NREM ومن ثَم تقلل من نوبات السير في أثناء النوم.

  • الهلع الليلي أو ذعر النوم (night terrors)

في لحظة ما أنت في سريرك وتبدأ الدخول في النوم، وفي اللحظة التالية أنت ترتجف وتصرخ وتركل بقدميك وتقول أشياء مبهمة بصوت عال ولا أحد يفهم منك شيئًا!

مرحبًا بك في عالم الكوابيس المرعبة، لقد مررت لتوك بنوبة هلع ليلي.

تحدث عادة هذه النوبات في مرحلة نوم العين غير السريعة NREM وقبيل الدخول في مرحلة نوم العين السريعة REM، وهي تختلف عن الكوابيس العادية في أن المصاب لا يذكر أي شيء مطلقًا سوى شعوره بالخوف الشديد.

وأشهر الأسباب وراء الهلع الليلي هي: (انقطاع التنفس الانسدادي النومي، الاكتئاب، القلق والتوتر الشديد).

إذا ما تكرر الأمر؛ عليك باستشارة الطبيب المختص الذي سيخبرك بضرورة التواصل مع طبيب مختص في مشكلات النوم؛ لمعرفة السبب وراء نوبات الهلع تلك ولحماية الآخرين من خطر تلك النوبات.

  • شلل النوم أو الجاثوم (sleep paralysis): 

هل تخيلت نفسك مستيقظًا، غير قادر على الحركة، وتشعر بأن شيطانًا أو جسمًا غريبًا يجثو على صدرك ولا تقدر على التحدث! ذلك ما يشعر به تمامًا المصاب ب شلل النوم.

يحدث عادة في مرحلة نوم العين السريعة REM؛ إذ يجد الشخص نفسه غير قادر على القيام بأي حركة لمدة ثوان أو دقائق قليلة سواء كان نائمًا أو مستيقظًا. 

يذكر الأشخاص الذين عانوا من هلع النوم الليلي أو الجاثوم شعورهم بالرعب الشديد، وتعلق في ذاكرتهم صور مخيفة وأحاسيس مرعبة.

لكن لنتحدث بشكل علمي…

في أثناء مرحلة نوم العين السريعة REM؛ يضع عقلك عضلات جسمك كلها في حالة استرخاء عام، وفي أقل درجة أو نطاق ممكن من الحركة، وتسمى تلك الحالة ب “الوني” أو “اللاحركة”.

في معظم الحالات الطبيعية بمجرد أن تستيقظ من نوم مليء بالأحلام؛ تنتهي حالة الشلل تلك في التو واللحظة وتستعيد سيطرتك على عضلات جسمك، لكن في بعض الأحيان لا يحدث ذلك ويتحول الأمر من ضعف بسيط إلى شلل تام يستمر عدة دقائق.

عادة ما تنتهي نوبات شلل النوم من تلقاء نفسها أو بمجرد أن يلمسك شخص ما أو يوقظك. 

لا تعد نوبات شلل النوم أمرًا خطيرًا، إلا أن تكرر النوبات قد يرجع إلى عدة أسباب أهمها: (فرط النوم، أو القلق والتوتر النفسي الشديد، أو حتى الاضطراب الوجداني الثنائي القطب).

في حالة أزعجتك مثل تلك النوبات؛ عليك استشارة الطبيب النفسي المختص الذي غالبًا ما سيصف لك (بعد التأكد من روتين حياتك الشخصية اليومي) بعض الأدوية المضادة للاكتئاب مثل: SSRIs، التي تكبت مرحلة REM وتقلل من فرص ظهور أعراض شلل النوم.

ختامًا…

إذا ما رأيت أو سمعت أن أحد الأشخاص المقربين منك يعاني اضطرابات الخطل النومي؛ فلا تتردد في تقديم النصيحة له، بل ساعده بالبحث عن طبيب مختص لعلاج حالته إذا ما أزعجه الأمر.

وتذكر دائمًا أن مفتاح الصحة النفسية السوية عقل سليم لنوم هادئ وحياة أفضل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى