ترياق الأمراض النفسية

فقدان الذاكرة | الأسباب والعلاج

هل شاهدت من قبل فيلم “فاصل ونعود”؟! 

يلعب الفنان “كريم عبدالعزيز” في هذا الفيلم دور “عربي” الذي فقد ذاكرته في حادث عجيب، فصار ينسى أي حدث يحدث له فور انتهائه. 

في الحقيقة، تعج الأعمال الفنية والروائية بالعديد من القصص التي تتحدث عن فقدان الذاكرة. 

كنت دائمًا ما تنتابني الشكوك حول حقيقة هذه القصص؛ أعلم أن بعضها به شيء من الحقيقة، لكن خيال المؤلف دائمًا ما يلعب دورًا في رسم الأحداث من أجل تشويق المشاهد -أو القارئ- وجذب انتباهه، فلا نعلم حينها هل ما نشاهده حقيقيًا، أم هو -فقط- خيال الكاتب. 

ما رأيكم إذن بأن نتناول هذا الموضوع الشيِّق من وجهة النظر العلمية؟

دعونا نصحبكم عبر سطور هذا المقال لكي نُرضِي شغفكم، ونخبركم كل ما توَدُّون معرفته عن كيفية فقدان الذاكرة، والأسباب المحتملة، وطرق العلاج. 

في البداية…

ما هي الذاكرة؟

تُعرَف الذاكرة بأنها “عملية تخزين المعلومات داخل الدماغ، إذ تُخزَّن تلك المعلومات في شكل مسارات عصبية
متشابكة داخل المخ، وتُنشَّط عن طريق مرور إشارات حسية معينة عبر تلك التشابكات”.

ما هو فقدان الذاكرة؟

ما هو فقدان الذاكرة؟

هي حالة مرضية يعاني فيها الأشخاص صعوبة تكوين ذكريات جديدة، أو يفقدون القدرة على استرجاع وتذكُّر الأحداث السابقة التي حدثت لهم في حياتهم.

عادةً ما يحتفظ هؤلاء المرضى بمعلوماتهم عن هويتهم، وكذلك المهارات الحركية التي يعرفونها. 

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

جدير بالذكر أنه من الطبيعي -مع التقدم في السن- أن يصبح التذكر صعبًا، وقد يُصاب المرء بحالة من فقدان الذاكرة المصاحب للشيخوخة، لكن ذلك لا يُعَدُّ نوعًا من فقدان الذاكرة العصبي، الذي نحن بصدد الحديث عنه في هذا المقال. 

الأعراض

تشمل الأعراض الرئيسية صعوبة تذكُّر بعض التفاصيل الخاصة بالأحداث اليومية، مثل: أسماء الأماكن أو أسماء الأشخاص.

كذلك قد ينسى المريض أنه قد فعل شيئًا معينًا، مثل: نسيانه ما إذا كان قد تناول طعامه أم لا، أو نسيانه أنواع الطعام التي تناولها.

لكنه يظل محتفظًا ببعض المهارات التي تعلمها في حياته، خاصةً المهارات الحركية كالقدرة على المشي،
وكذلك الطلاقة اللغوية والقدرة على الكلام. 

كيفية فقدان الذاكرة

تعتمد ذاكرة الإنسان على أجزاء ومناطق معينة من الدماغ. لذا، فإن حدوث أي إصابة أو تلف لهذه المناطق قد ينتج عنه حالة من فقدان الذاكرة الجزئي أو الكلي.

من الأسباب التي تؤدي إلى تلف أجزاء الدماغ المسؤولة عن الذاكرة ما يأتي: 

  • الإصابات الخطيرة بالرأس.
  • الحمى الشديدة.
  • التشنجات.
  • الصدمات العصبية والنفسية.
  • السكتات الدماغية.
  • تلف الدماغ الناتج عن إدمان الكحوليات.
  • بعض أمراض الدماغ، مثل: الزهايمر
  • نقص الأكسجين الواصل إلى الدماغ، إذ يؤدي إلى تلف بعض خلايا المخ. على سبيل المثال، قد يحدث هذا النقص نتيجة حدوث أزمة قلبية، أو صعوبة في التنفس، أو التسمم بأول أكسيد الكربون.
  • تناول أنواع معينة من الأدوية، مثل: البنزوديازبين (benzodiazepine)، أو بعض الأدوية الأخرى التي تُستخدَم كمهدئات.
  • بعض أورام المخ.
  • بعض التهابات الدماغ.
  • العلاج بالصدمات الكهربائية.

والآن، بعد أن تعرفنا إلى كيفية فقدان الذاكرة، والأسباب المحتملة لحدوث ذلك، دعونا نستكشف الآن الأنواع المختلفة لفقدان الذاكرة الجزئي أو الكلي.

أنواع فقدان الذاكرة

هناك نوعان رئيسان؛ النوع الأول هو فقدان الذاكرة التقدمي (ويعني عدم القدرة على تكوين ذكريات جديدة)،
أما النوع الثاني فهو فقدان الذاكرة الرجعي (ويعني نسيان الذكريات القديمة). 

لكن الدراسات أثبتت أن هناك أنواعًا أخرى متعددة بجانب هذين النوعين.

دعونا نلقي الضوء على بعض أنواع فقد الذاكرة المعروفة لعلماء الأعصاب اليوم.

1- فقدان الذاكرة التقدمي

كما ذكرنا سابقًا، فإن فقدان الذاكرة التقدمي يعني عدم قدرة المريض على تكوين ذكريات للأحداث الجديدة التي حدثت له بعد الإصابة، لكنه ما زال يحتفظ بجميع ذكرياته القديمة.

يُعْتَقد أن منطقة في الدماغ -معروفة بالحُصين (Hippocampus)- هي المسؤولة عن هذا النوع من فقد الذاكرة.

ما هو الحُصين؟

الحصين هو جزء من الدماغ موجود بالفص الصدغي الوسطي، ويشارك في تكوين الذكريات طويلة المدى.

وجدت الدراسات أن إزالة هذا الجزء من الدماغ تؤدي إلى عدم القدرة على تخزين المعلومات في الذاكرة طويلة المدى، بينما المعلومات القديمة التي خُزِّنت قبل إزالة الحصين تظل كما هي. 

لذا، فإن إصابة هذا الجزء من الدماغ قد تؤدي إلى فقد الذاكرة. 

لا يمكن علاج هذا النوع بالأدوية، ولكن يدرَّب المريض على بعض الممارسات التي من شأنها أن تساعده على عيش حياته بصورة طبيعية، مثل: تدوين الأشياء الهامة باستمرار، وغير ذلك. 

2- فقدان الذاكرة الرجعي 

فقدان الذاكرة الرجعي هو حالة يكون فيها المريض غير قادر على استرجاع بعض الذكريات القديمة. 

يستطيع الشخص في هذا النوع تكوين ذكريات جديدة والاحتفاظ بها، لكنه يعجز عن استدعاء الذكريات القديمة المتعلقة بالأحداث التي سبقت إصابة الدماغ، والتي أدت بدورها إلى فقدانه لذاكرته.

في حالة فقدان الذاكرة الرجعي، تكون ذكريات الماضي القريب هي الأكثر فقدًا، وذلك مقارنةً بذكريات الماضي البعيد.

يعتقد العلماء أن السبب وراء ذلك يرجع إلى أن الذكريات القديمة قد استُدعِيَت مرات عديدة قبل الإصابة،
مما يعني أنها قد تأصلت بعمق في مسارات الدماغ، فأصبح نسيانها أصعب من نسيان الذكريات الحديثة.

3- فقدان الذاكرة النفسي 

ويُسمَّى أيضًا بفقدان الذاكرة الانفصالي، لا يحدث هذا النوع من فقدان الذاكرة نتيجة تلف في الدماغ كما في الأنواع السابقة.

ولكن يحدث عندما يتعرض الشخص لصدمة عصبية أو نفسية شديدة، يصاب على إثرها بنوع من فقدان الذاكرة الجزئي، فيعجز عن تذكر أي أحداث متعلقة بتلك الفترة المؤلمة من حياته.

قد يحدث فقدان الذاكرة النفسي في شكل نوبات، وقد تستمر النوبة الواحدة لساعات، أو أيام، أو حتى أسابيع.

في خلال النوبة، يجد المريض نفسه عاجزًا عن تذكر بعض المعلومات الشخصية، أو بعض الأحداث السابقة. 

غالبًا ما يعاني المرضى المصابون بفقدان الذاكرة النفسي اضطرابات القلق أو الاكتئاب.

4- فقدان الذاكرة الانتقائي

في هذا النوع من فقدان الذاكرة الانتقائي، ينسى المرضى أجزاء معينة من ذكرياتهم؛ فقد ينسون بعض الأحداث المحددة التي حدثت لهم في السابق، أو أسماء بعض الأشخاص أو الأماكن، أو غير ذلك.

أحيانًا يستخدم الأطباء فقدان الذاكرة الانتقائي لأغراض علاجية، من أجل مساعدة المرضى على نسيان بعض الأحداث والذكريات المؤلمة في حياتهم.

5- النسيان الشامل العابر

غالبًا ما يحدث هذا النوع من فقد الذاكرة لدى بعض الأشخاص في منتصف العمر، وفيه يعانون نوعًا من فقدان الذاكرة اللحظي المفاجئ، فيجدون أنفسهم عاجزين عن تذكر بعض الأشياء، مثل: كيف وصلوا إلى هذا المكان،
أو ماذا حدث حولهم منذ قليل. 

إذا كنت تقيم محادثة مع أحد الأشخاص الذين يعانون هذا النوع من فقدان الذاكرة اللحظي، فستجده يعيد طرح الأسئلة مرارًا وتكرارًا عن معلومات قلتها لتوك خلال المحادثة، ببساطة لأنه نسيها. 

يحدث هذا النوع نتيجة تشوهات بمنطقة الحُصين بالدماغ، ويمكن رؤيتها عن طريق التصوير بالرنين المغناطيسي.

السبب الرئيسي وراء حدوث هذه التشوهات ما زال غير معلوم تحديدًا، لكن يُرجِّح بعضهم أنه قد يكون بسبب
انخفاض مؤقت في كمية الدم الواصلة إلى الدماغ، أو بسبب حدوث نوبات عابرة من التشنجات أو الصداع النصفي. 

غالبًا ما يستعيد المرضى ذاكرتهم الطبيعية وسلوكهم المعتاد بعد ساعات قليلة من حدوث النوبات.

6- فقد الذاكرة الطفولية

هذا النوع من فقد الذاكرة شائع بين البالغين، إذ لا يستطيعون تذكر الأحداث التي حدثت لهم في سنوات طفولتهم المبكرة.

كان الاعتقاد السائد في السابق أن هذه الحالة تحدث نتيجة للتطور النفسي الجنسي للأفراد.

لكن المرجِّح الآن لدى العلماء أنها بسبب التطور العقلي، وكذلك التطور اللغوي، فيُعتقد بأن الأفراد لا يستطيعون تكوين ذكريات عن الأحداث التي حدثت لهم قبل تعلمهم الكلام.

7- فقدان الذاكرة الناتج عن تناول بعض الأدوية

هو نوع من فقدانِ الذاكرة الجزئي قصير المدى، والذي يحدث كأثر جانبي لتناول بعض الأدوية، مثل: البنزوديازبين.

هذه الأدوية تتداخل مع عملية تكوين الذكريات في المخ، فيصبح المريض عاجزًا عن تذكر الأحداث التي حدثت له وهو تحت تأثير الدواء. 

تُستخدَم هذه الأدوية في بعض الأحيان لأغراض طبية، على سبيل المثال، في أثناء العمليات الجراحية.

8- فقدان الذاكرة في متلازمة كورساكوف (Korsakoff Syndrome)

تحدث هذه المتلازمة لمدمني الكحوليات، إذ يتسبب التناول المفرط للكحوليات في حدوث نقص للثيامين (أو فيتامين ب 1 – Vitamin B1).

جدير بالذكر أن نقص الثيامين من الممكن أن يحدث للأشخاص الذين لا يتناولون الكحوليات بسبب سوء التغذية. 

يعاني المرضى نوعًا من فقدانِ الذاكرة اللحظي، وصعوبة في استدعاء الذكريات القديمة.

9- فقد الذاكرة الصرعي 

هو نوع نادر يصيب مرضى الصرع، ويعتقَد أنه يحدث كنتيجة لتناول بعض الأدوية المضادة للصرع

والآن، بعد أن تحدثنا بالتفصيل عن كيفية فقدانِ الذاكرة وأنواعها المتعددة، هيا بنا لنفهم كيف يشخصها الأطباء.

تشخيص حالات فقد الذاكرة

تشخَّص الحالات عن طريق الآتي:

  • في البداية، سيطرح طبيب المخ والأعصاب على المريض عددًا من الأسئلة عن الأعراض التي يشعر بها. 
  • إذا كان المريض عاجزًا عن تذكر الإجابات عن الأسئلة التي يطرحها الطبيب، فقد يستعين بأفراد عائلته والمحيطين به.
  • قد يستخدم الطبيب بعض الاختبارات لقياس مدى إدراك المريض، ومدى كفاءة الذاكرة لديه. 
  • قد يجري الطبيب بعض الفحوصات للتأكد من وجود تلف في بعض أجزاء الدماغ، مثل: عمل أشعة مقطعية على المخ، أو إجراء تصوير بالرنين المغناطيسي للمخ. 
  • قَد يطلب أيضًا فحوصات للدم، للتأكد من عدم وجود نقص غذائي، أو أي نوع من العدوى، أو غير ذلك. 

علاج حالات فقدان الذاكرة

يركز الطبيب على السبب المؤدي إلى حدوث فقد للذاكرة:

  • إذا كان السبب وراء ذلك هو استخدام الكحوليات أو الأدوية، فإن التوقف عن تناول هذه المواد يحسن من فرص المريض في استرداد قدرته على التذكر، ومن ثَمَّ التعافي.
  • الحالات الناتجة عن الإصابات الطفيفة بالرأس غالبًا ما تشفَى وحدها مع الوقت دون تدخل. 
  • أما فقد الذاكرة الناتج عن الإصابات الشديدة بالرأس، فهو غالبًا غير قابل للعلاج، ولكن قد تتحسن حالة المريض قليلًا مع الوقت.
  • إذا كان المريض مصابًا بحالة فقدان ذاكرة غير قابلة للعلاج، فقد يلجأ الطبيب إلى أساليب علاجية تساعده على التكيف، وتعلُّم مهارات وتقنيات جديدة للاحتفاظ بالمعلومات واسترجاعها عند الحاجة.

غالبًا ما تؤدي عائلة المريض والمحيطين به دورًا فعالًا في هذا الأمر، وذلك من أجل مساعدته على عيش حياته بصورة طبيعية. 

في النهاية عزيزي القارئ، لكي تقي نفسك من الإصابة بفقدانِ الذاكرة، يجب عليك أن تحرص على اتباع نمط حياة صحي، وأن تبتعد تمامًا عن كل ما قد يؤذي صحتك النفسية أو الجسدية.

المصدر
AmnesiaAmnesiaAmnesiaWhat Is Retrograde Amnesia and How Is It Treated?Mental Health and Dissociative Amnesia
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى