ترياق الأمراض النفسية

فقدان النطق النفسي | عندما تُسجن في نفسك!

في إحدى الأُمسيات وأنا أتنقل بين القنوات الفضائية، كمحاولة لكسر حالة الملل التي أشعر بها، وجدت إحدى القنوات تعرض برنامجًا تلفزيونيًا يستضيف طبيبًا نفسيًا معروفًا. وإذا بمُتصلةٍ تسأل الطبيب عن حالة ابنتها -ذات الثالثة عشرة- التي أصبحت لا تستطيع التكلم فجأة، وتتحدث أحيانًا ببعض الكلمات ولكنها غير مفهومة.

وبعد إجابتها على عدة أسئلة من الطبيب، أخبرها أن ابنتها تعاني فقدان النطق النفسي أو ما يُعرَف بـ”الحُبسة النفسية”.

فهلُمَّ بنا -عزيزي القارئ- نُجَدِّف قليلًا في بحر الاضطرابات النفسية، لنستكشف معًا أسباب وأعراض الحُبسة النفسية، وكيفية علاجها.

ما هو فقدان النطق النفسي (Psychogenic Aphasia)؟

هو أحد الاضطرابات التحولية أو الوظيفية التي تسلب المريض قدرته على التواصل مع الآخرين، نتيجة لصعوبة إنتاج الكلام وعدم القدرة على التعبير عمَّا يدور بداخله، أو تفسير محادثات الآخرين، ويُعرَف أيضًا باسم “الحُبسة النفسية”.

ويحدث نتيجة للاضطرابات النفسية الشديدة، ولا يوجد أي خلل عضوي يُفسِّر حدوثه؛ فالمريض يتمتع بصحة جيدة.

أعراض فقدان النطق النفسي

الحُبسة النفسية دائمًا ما تكون عرضًا لاضطراب نفسي ما، ويمكن أن تصاحبها عدة أعراض تختلف باختلاف نوعها (حُبسة طَلِقَة أو حُبسة فقْد الطلاقة)، وتشمل:

  • استخدام كلمات ومرادفات غير مفهومة.
  • التحدث بجمل طويلة لا معنى لها.
  • يعاني المريض عدم فهم محادثات الآخرين.
  • فقدان القدرة على القراءة والكتابة.
  • يجد المريض صعوبة في إيجاد الكلمات المناسبة للتعبير عما يريد.
  • هذا بالإضافة إلى أعراض الاضطرابات النفسية المسببة لها، مثل: الاكتئاب، والتوتر، والعزلة الاجتماعية، والوساوس، والجمود.

أسباب فقدان النطق النفسي

حتى الآن لم يُعرَف السبب الرئيسي له، ولكن يعتقد الباحثون أنه قد يحدث نتيجة لإحدى الأسباب التالية:

الحُبسة قد تكون مؤقتة بسبب مواقف معينة، ومنها:

  • التعرض للضغط العصبي في بعض الأحيان يجعل من الصعب عليك التفكير في الكلمات الصحيحة.
  • الشعور بتحكم الآخرين في حياتك -أو الشعور بالحرج- يدفعك للجمود، ويجعلك تُصارع لتتكلم.
  • القلق الشديد تجاه موقف معين من الممكن أن يؤدي إلى جفاف الفم، وتعثُّر الكلمات وتشوُّش التفكير.
  • العصبية المفرطة، وكونك شخصية عصبية ليس عيبًا؛ فلا أحد مثالي، ولكن رفع الضغوط عن نفسك قد يؤدي إلى تدفُق كلماتك من جديد.

وقد تستمر الحُبسة لفترة طويلة لحين علاج سببها الرئيسي، وأهم أسبابها:

أسباب فقدان النطق النفسي
  • الاضطرابات النفسية والعصبية، مثل: الاكتئاب، والقلق، والفصام، ونوبات الهلع، والرهاب الاجتماعي، واضطرابات الشخصية، والوسواس القهري، واضطراب ثنائي القطب، والفصام.
  • التعرض لصدمة نفسية شديدة، مثل: الحوادث المؤلمة كالاختطاف أو الاغتصاب، وحدوث شيء صادم أو مُفجع، وعدم القدرة على التعامل معه.
  • اضطرابات ما بعد الصدمة.
  • التوتر الشديد، والشعور بالرعب والخوف.
  • سوء المعاملة والعنف الجسدي.
  • الضغط العصبي الشديد.
  • التغيرات التي تحدث في فترة المراهقة.

وقد يحدث في الأطفال الذين أدركوا قوانين وأصول الكلام والنطق بسبب:

  • طُرُق التربية الخاطئة، مثل: الضرب واللوم الدائم.
  • الخوف الشديد والرهاب الاجتماعي.
  • رغبة الطفل في تلبية مطالبه دون انتقاد أو انتقاص.

فيُعبِِّر الطفل عن ذلك بشيء من الاحتجاج قد يصل إلى فقدان النطق النفسي. ولكن لا بُدَّ أن نفرق بين فقدان النطق النفسي والخرس الاختياري، كالذي يحدث نتيجة اضطراب طيف التوحد في الأطفال.

العوامل التي قد تزيد احتمالية حدوث فقدان النطق النفسي

  • تشير الإحصائيات إلى أن الإناث أكثر عُرضة للحُبسة النفسية من الذكور.
  • التعرض المتكرر للصدمات النفسية الشديدة.
  • الوراثة قد تلعب دورًا أحيانًا.
  • نمط الشخصية؛ فهناك شخصيات لديها استعداد لحدوث الاضطرابات النفسية، ومن ثَمَّ، الحُبسة.
  • فترة المراهقة؛ نتيجة القلق والاكتئاب بسبب التغيرات الفسيولوجية.
  • البيئة المحيطة؛ فالأشخاص الذين يتعرضون دائمًا للنقد أكثر عرضة للعزلة والاضطرابات النفسية.

التشخيص

يجمع اختصاصي أمراض النطق واللغة معلومات عن حالة المريض العصبية والنفسية والصحية، لمعرفة تاريخه المرضي والجراحي. وغالبًا سيطلب الطبيب أشعة رنين مغناطيسي ورسمًا للمخ، وذلك لمعرفة سبب الحُبسة.

سوف يخضع المريض لفحص الأحبال الصوتية باستخدام المنظار وبعض الفحوصات الأخرى، لتُقيَّم مهارته اللغوية وقدرته على النطق.

بعد التأكد من أن العلة نفسية وعدم وجود أي خلل عضوي، وذلك من خلال المعايير التي وضعتها الجمعية الأمريكية للطب النفسي لتشخيص الاضطرابات التحولية (DSM-S)، تُحوَّل الحالة لطبيب أمراض نفسية وعصبية.

علاج فقدان النطق النفسي

ليس من الصعب علاج فقدان النطق النفسي، ويُعالَج المريض بمجرد زوال السبب الرئيسي للحُبسة. ومع الوقت، يعود المريض لحالته الطبيعية.

في البداية، سيُجري الطبيب النفسي دراسة مستفيضة حول الأسرة والبيئة المحيطة بالمريض، لمعرفة الأحداث التي عايشها قبل الإصابة بالحُبسة النفسية، وذلك بهدف التوصل لسببها.

سوف يُقيِّم الطبيب مدى استجابة واستعداد الحالة للعلاج؛ فهناك بعض الحالات ترفض بعناد أي محاولة لجعلها تتخلى عن وضعيتها الجديدة. بالإضافة إلى معرفة مدى سوء الحالة أيضًا.

وهكذا، يضع الطبيب خطة العلاج المناسبة للمريض، ومنها ما يلي:

العلاج السلوكي المعرفي

يتكون من عدة جلسات: إما جماعية (تتضمن مجموعة من الأشخاص الذين يعانون فقدان النطق النفسي، وتمنح المريض بيئة آمنة تساعده على استيعاب المشكلة التي يعانيها)، أو فردية (يساعد فيها الطبيب المريض على إدراك الأفكار السلبية والمخاوف غير المنطقية، وتقديم التشجيع الإيجابي له).

يهدف العلاج السلوكي المعرفي إلى تعديل أنماط التفكير السلبية، وتعلُّم طُرُق صحية للتعامل مع الحزن، ومواجهة التحديات التي تفرضها الحياة لتجنب تأثيرها السيئ على أنماط التفكير والسلوك. ويشمل العائلة أيضًا، لإعطائهم النصائح عن كيفية التعامل مع المريض.

التنويم المغناطيسي (الإيحائي)

التنويم المغناطيسي (الإيحائي)

يمنح المريض حالة شديدة من الاسترخاء والهدوء، بمساعدة المُعالج الذي يتحدث بنبرة لطيفة وهادئة، ويصف الصور التي تساعد على الشعور بالاسترخاء والأمان. وفي هذه الحالة، يكون العقل الباطن مُستجيبًا بشكل كبير للاقتراحات والإيحاءات.

يُستخدَم التنويم المغناطيسي بغرض: التشخيص لمعرفة أسباب الاضطراب وفقدان النطق النفسي، أو العلاج (وخاصةً في المرضى الذين يعاندون أي محاولة لمساعدتهم على الخروج من وضعهم الجديد، وأيضًا الذين لا يستجيبون لأساليب العلاج الأخرى).

الأدوية

قد يلجأ الطبيب لوصف بعض الأدوية للحد من أعراض الاضطرابات النفسية الشديدة المُسببة للحُبسة، مثل:

  • مضادات الاكتئاب التي تساعد على تحسين الحالة المزاجية للمريض.
  • مضادات القلق التي تعمل على تقليل التوتر، وتمنح المريض شعورًا لطيفًا من الهدوء.

تمارين الاسترخاء

تساعد على التحكم والحد من أعراض التوتر، ومن أمثلتها: اليوجا وتمارين التنفس العميق.

تمارين لاستعادة الطلاقة كما يلي

  • الحُبسة الطلقة: يساعد الطبيب المريض على إعادة إنتاج جمل مفيدة، وذلك بالتركيز على الذاكرة السمعية والاستيعاب اللغوي.
  • حُبسة فقد الطلاقة: يركز الطبيب على تمارين معينة لاستعادة مهارات اللغة، مثل: تمارين التنفس والصوت، وتمارين العضلات المسؤولة عن النطق.

وهنا، نكون قد وصلنا لنهاية رحلتنا القصيرة في بحر الاضطرابات التي قد تؤدي إلى فقدان النطق النفسي. ولكن أريد أن أُسدِي لك نصيحة يا عزيزي… حاول الحفاظ على سلامك وأمانك النفسي وثباتك الانفعالي قدر الإمكان!

واعلم أن مهما حدث أو سيحدث ليس نهاية الدنيا وأن هناك العديد من الخسائر الضئيلة مقارنةً بالشعور بأنك محبوس داخل نفسك؛ لذا حاول التمتع بصحتك النفسية.

بقلم د/ رباب جبل

المصدر
Mental Health and HypnosisAphasic syndromes and "psychiatric" symptoms: diagnostic dilemmas“Psychogenic” speech disorders: is it all in your head?
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق