ترياق الأمراض النفسية

فقد الإرادة | متى يستدعى زيارة الطبيب؟

أنا فتاة عشرينية، كنت وما زلت أحب تجربة كثير من الأمور، وكلما تقع أمامي دورة تدريبية في مجال أراه سيعود علىَّ بالنفع، ألتحق بها.

اشتركت في كثير من الندوات، والدورات، وسمعت عددًا لا بأس به من المحاضرات في مجالات شتى.

وبنفس السرعة التي أقرر فيها بدء شيء جديد، أتركه بسبب شعوري بالملل والإحباط!

كنت أُبرر لنفسي دائمًا أنه لا بأس من تجربة الكثير من الأمور، فقد كنت أبحث عن شغفي، لكني سئمت من هذا السراب.

أكاد أُنهي عقدي الثالث ولا أعرف ما هدفي في هذه الحياة، وماذا أريد، وماذا أفعل كي لا أفقد إرادتي وعزيمتي بهذه السهولة!

في هذا المقال نتناول مفهوم الإرادة في علم النفس، وهل فقد الإرادة يُعد اضطرابًا نفسيًا؟ وما أسباب ضعف الإرادة وأساليب تقويتها؟

فتابع معنا القراءة…

مفهوم قوة الإرادة

عند سماعنا مصطلح قوة الإرادة، فإن أول ما يتبادر إلى ذهننا أنه القدرة على مقاومة الإغراءات من أجل هدف أسمى.

فالإرادة الداخلية هي وقودنا الذي يدفعنا إلى تحقيق أهدافنا، وهي ما تجعلنا نستمر في ممارسة تمارين الرياضة رغم المشقة، ونتبع نظام أكل صحي رغم شهيتنا للوجبات السريعة.

يحتاج إليها المدخن عندما يتخذ قرارًا بالإقلاع عن التدخين أو الإدمان، والطالب كي يتغلب على التسويف… 

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

والقائمة تطول.

قوة الإرادة في علم النفس

يفسر علماء النفس قوة الإرادة أنها مقدار القدرة على ضبط النفس، ومقاومة فكرة أو شعور غير مرغوب به، وتفضيل فعل الأمور
التي تقربك من أهدافك -حتى لو لم تمتلك الرغبة- على المتع اللحظية الزائفة.

أسباب ضعف الإرادة وأساليب تقويتها

تمر علينا أوقات نشعر فيها أننا على أتم الاستعداد لمواجهة العالم، ويملؤنا الحماس والرغبة لتحقيق الإنجازات، وعلى العكس من ذلك؛
تمر علينا أوقات أخرى نفتقر إلى الدافع لفعل أي شيء، فقط نريد الاستلقاء على الأريكة دون حراك.

والسؤال هنا: ما السبب وراء ضعف الإرادة وفقدان الدافعية التي تتملكنا أحيانًا؟

قد يكون سبب انعدام الإرادة أحد ما يأتي:

  • عدم تمكنك من وضع أهداف محددة

لا يمكنك الوصول ما دُمت لا تعرف وجهتك بالتحديد، فهناك كثير من الأشخاص لا يعرفون بالضبط ما يريدون تحقيقه.

اسأل نفسك هذا السؤال وفكر به مليًا، “ما الذي تريد تحقيقه في حياتك على المستوى الجسدي والروحي والديني والعاطفي والمالي؟

دوِّن ما تفكر به، وحدد خمسة أهداف على الأقل واجعلها أمامك باستمرار، فمجرد كتابتها يولد لديك الدافع تلقائيًا.

للمزيد اطلع على هذا المقال: كيفية تحديد الأهداف | التزم بالخطة

  • انعدام الثقة

هل تشعر أحيانًا أنك ستفشل في النهاية بغض النظر عن مقدار الجهد المبذول؟

هذا التفكير يكتب عليك الفشل قبل البدء! فإذا لم تثق بنفسك وقدراتك بشكل كبير، فلن تمتلك الحافز للسعي وراء أي هدف.

إن انعدام الثقة هو أحد الأسباب الشائعة لفقد الإرادة وفقدان الدافعية، كما أنه يمنعك من المجازفة باتخاذ قرارات ربما تكون نقطة تحول في حياتك.

  • الإرهاق والضغط النفسي

يُضعف العبء الذهني والنفسي من طاقتك وقدرتك على التركيز، وكذلك يستنزف كثرة التشتت بين الأمور الهامة وغير الهامة طاقتك ومحركك الداخلي، فتصل إلى مرحلة تريد فيها ترك كل شيء.

وحل هذه المشكلة هو الراحة! أنت فقط تريد أن تحصل على قسط من الراحة، وتستوقف نفسك برهة لتسألها، هل كل ما تفعله الآن يساعدك على تحقيق هدفك الأكبر؟

هذا سيجعلك تضبط بوصلتك باستمرار.

  • البيئة السلبية

يستنزف الأشخاص السلبيون طاقتك باستمرار، ولن تستطيع المضي قدمًا ما داموا يحيطون بك.

فإذا كنت تحاول الإقلاع عن التدخين مثلًا، فلا تذهب إلى أقرانك المدخنين على المقهى. 

وضع حدودًا مع الأشخاص السلبيين في حياتك إذا كانوا ممن لا تستطيع قطع علاقتك بهم نهائيًا.


وإذا أردت اكتساب عادة القراءة؛ اجذب إليك كل ما هو إيجابي؛ مثل: الذهاب إلى إحدى المكتبات العامة أو الأندية الثقافية،
والتواصل مع أشخاص يحبون القراءة.

البيئة السلبية بشكل عام من أهم أسباب فقد الإرادة، والبيئة الإيجابية والصحبة الصالحة خير معين لك في حياتك.

للمزيد اقرأ: الأشخاص ذوي الطاقة السلبية | آفةٌ يجب التخلص منها!

  • عدم القدرة على التحكم بالنفس

تحيط بنا الملهيات والمغريات من كل جانب، وعدم القدرة على ضبط النفس والاستسلام لها يشتتنا عن تحقيق أهدافنا.

ضبط النفس هو ما يجعلك تقاوم تخفيضات على ملابس لست بحاجة إليها، وهو أيضًا ما يجعلك تنجز عملك أو تدرس بدلًا من قضاء الوقت على مواقع التواصل الاجتماعي.

لذا حاول الابتعاد عن أي شيء يشتتك في وقت العمل مهما كان مغريًا؛ كأن تغلق هاتفك أو تخرجه من غرفتك، والتزم بقائمة المشتريات التي حددتها عند ذهابك للمتجر. 

  • نمط حياتك

من أسباب فقد الإرادة أيضًا هو نمط حياتك ومخزون الطاقة لديك؛ فكلما ازداد شعورك بالتعب الجسدي؛ لن تستطيع إنجاز أعمالك بكفاءة.

ولكي تحافظ على طاقتك وصحتك الجسدية؛ يجب عليك الحصول على القسط الكافي من النوم، وتمارس بعض التمارين الرياضية يوميًا، وتتبع نظامًا غذائيًّا صحيًّا لا يحتوي على الكثير من السكريات والكربوهيدرات.

فقد الإرادة المَرضي Abulia

اضطراب فقد الإرادة ليس مجرد حالة عابرة تصيب الإنسان، بل يحدث نتيجة تلف مناطق معينة في الدماغ؛ فيصاب الشخص باللامبالاة وفقدان الدافعية، حتى لو كان مستوى الوعي والإدراك لديه طبيعي.

أعراض مرض فقد الإرادة

تظهر على المصاب بمرض فقد الإرادة بعض التغييرات العاطفية والسلوكية، مثل:

  • سهولة التشتت.
  • السلبية.
  • بطء في الحركة.
  • مضغ الطعام طويلًا قبل بلعه.
  • تردد وصعوبة في اتخاذ القرارات.
  • عدم الاهتمام بالأحداث الجارية أو إبداء الرأي بها.
  • صمت وهدوء غير معتاد.
  • عزلة اجتماعية.
  • انعدام الرغبة في استكمال المهام الحياتية.

أسباب مرض فقد الإرادة

يعتقد أن تلف بعض المناطق المعينة في الدماغ مثل: الفص الأمامي والتلفيف الحزامي، يؤدي إلى تلف الإشارات العصبية التي تؤثر في الدوبامين؛ الأمر الذي يسبب الأبوليا Abulia .

هذه الإشارات العصبية هي المسؤولة عن تحويل الشعور بالإرادة الداخلية إلى عمل حقيقي، كما يعطيك الدوبامين شعورًا بالرضا والسعادة، ومن ثَم فعند تلف هذه الإشارات لا يوجد دافع عند الشخص المصاب لعمل أو إنجاز أي شيء.

قد يظهر مرض فقد الإرادة نتيجة الإصابة ببعض الحالات المرضية الأخرى، مثل:

  • مرض ألزهايمر.
  • السكتة الدماغية Stroke.
  • أورام الدماغ.
  • مرض هنتنغتون (Huntington’s disease).
  • مرضُ الشلل الرعاش.
  • مرض الفصام.
  • الخرف الجبهي الصدغي Frontotemporal dementia.
  • الخرف المصحُوب بأجسام ليوي Lewy body dementia.

تشخيص مرض فقد الإرادة

مرض فقد الإرادة من الأمراض المنتشرة بصورة أكبر مما نعتقد خاصة في كبار السن، ولكن غالبًا ما يُخلط بينه وبين اضطرابات أخرى، مثل: الاكتئاب، وفقدان النطق، والاضطرابات النفسية المختلفة. 

تختلف هذه الاضطرابات النفسية تمامًا عن مرض فقد الإرادة، ومن ثَم فإن الخطط العلاجية تكون مختلفة؛ لذا من الضروري الحرص على التشخيص السليم، حتى توضع خطة علاجية مناسبة.

يخضع المريض لعدة فحوصات عصبية ونفسية واجتماعية، ويؤخذ تاريخه المرضي بالكامل، ويخضع كذلك للتصوير المقطعي المحوسب (CT Scan)، أو التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI)؛ حتى يتبين وجود خلل في الدماغ من عدمه.

اقرأ أيضًا عن: اللامبالاة في علم النفس | هل حقًّا تطيب الحياة لمن لا يبالي؟!

علاج فقد الإرادة

تساعد الإرشادات الأسرية والنفسية على تحسين التواصل مع الآخرين، ويساعد إعادة التأهيل المعرفي في تحسين مهارات التفكير.

دواء بروموكريبتين هو العلاج الحالي المثبت فعاليته في تحسين مشكلة ضعف الإرادة لدى هؤلاء المرضى.

يُعطى المريض جرعات مبدئية منخفضة، مع زيادة طفيفة تدريجيًّا حسب الاستجابة؛ لتجنب آثار الدواء الجانبية، وهي:

  • انخفاض ضغط الدم.
  • النعاس.
  • ظهور بعض السلوكات القهرية.

تشير الأبحاث إلى فاعلية الأمفيتامينات ودواء لي- دوبا (L-dopa) في علاج حالات انعدام الإرادة وفقدان الدافعية، ولكنها لم تُستخدم بشكل رسمي حتى الآن.

نصاب بفقد الإرادة أحيانًا نتيجة المغريات وغياب الأهداف في حياتنا، لذا حاول العمل بالنصائح التي ذكرناها سابقًا؛ حتى تعيد شحن طاقتك باستمرار وتضبط بوصلتك.

أما إذا شككت أنك مصاب بمرض فقد الإرادة أو أحد أحبائك، فلا تتردد في استشارة طبيب نفسي، فكلما كان اكتشاف المرض مبكرًا، زادت فرص التحسن.

المصدر
How to Increase Willpower and Be Mentally ToughHow To Increase Your Willpower? Just 10 Simple But Powerful TrickshttpsThe Psychology of Willpower: Training the Brain for Better DecisionsThe Neurological Disorder Abulia
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى