ترياق الأمراض النفسية

فوبيا الجروح | آلام نفسية وراء الجرح

جلس (علي) -طالب في المرحلة الابتدائية- في الفسحة يشاهد زملاءه وهم يلعبون كرة القدم، ويتمنى أن يشاركهم رياضته المفضلة، ترى ما يمنعه من اللعب معهم؟!

هل (علي) مصاب بمرض عضوي يرهقه في أثناء بذل المجهود، أم أنه يجد صعوبة في الاندماج مع أقرانه وتكوين صداقات؟!

ليس بهذا وليس بذاك، فالأمر يتعلق بخوفه من الإصابة بجروح عند احتكاكه بزملائه أو ارتطامه بالأرض.

ليس الألم هو ما يمنع (علي) من اللعب، بقدر رؤيته لمنظر الجروح والدماء الذي يثير بداخله نوبات قلق عنيفة.

تشمل هذه النوبات ارتجاف (علي) وانصباب العرق منه صبًّا، فضلًا عن سرعة نبضات قلبه وتسارع أنفاسه.

ما يُعانيه (علي) ويحرمه من ممارسة حياته بشكل طبيعي والاستمتاع بها يُعرف بـ “فوبيا الجروح”.

فوبيا الجروح… ألم من نوع آخر!

لا أقصد بفوبيا الجروح ألمَ وفزعَ المصاب بجرحه؛ فهو أمر طبيعي للغاية.

فوبيا الجروحِ المعروفة بـ “Traumatophobia” هي الخوف غير المنطقي من الإصابة بالجروح أو مجرد التفكير فيها؛ مما يثير بداخله مخاوف وأعراضًا شديدة، ومن ثم يُصبح شديد الحرص في كل خطوة يقدم عليها.

في الحالات المتقدمة، قد يصل الأمر إلى لزوم المريض منزله لتجنب مخاطر الحياة بالخارج، وتقليل احتمالية إصابته بالجروح؛ ما يدخله في مراحل الاكتئاب وكره الذات.

من أهم العلامات الشهيرة لفوبيا الخوف من الجروح: مبالغة المريض فيما يعانيه.

فمثلًا: شاب لديه جرح سطحي جدًّا، لكنه يتحدث مع من حوله وكأنه يعاني نزيفا أو أن هناك خطورة على حياته نتيجة لهذا الجرح.

أعراض فوبيا الجروح على صاحبها… ليست مجرد نوبة قلق!

القلق هو أول ما يصيب المريض بمجرد تخيل نفسه مجروحًا أو حتى رؤية شخص آخر يعاني جرحًا، لدرجة أن عاطفته تجاه المصاب تشعره وكأنه صاحب الجرح.

ينتج عن قلق المريض وعدم قدرته على التأقلم مع الفوبيا من الجروح أعراض شديدة، تشمل:

أعراض جسدية

  • التعرق
  • هبات حرارية
  • صعوبة في التنفس
  • رعشة
  • تسارع ضربات القلب 
  • ارتفاع ضغط الدم 
  • آلام الصدر
  • غثيان 
  • صداع
  • دوار
  • خدر
  • جفاف الفم
  • الإغماء
  • الارتباك

أعراض نفسية

تظهر هذه الأعراض في الحالات المتقدمة من فوبيا الجروح، أو معاناة الشخص من أنواع الفوبيا الأخرى بجانب الفوبيا من الجروح؛ مما يؤثر سلبًا على الحياة اليومية للمريض وكذلك صحته النفسية.

من أبرز هذه الأعراض:

  • الفزع الدائم
  • الخوف من الموت
  • الانعزال عن أقرب الناس لهم
  • الشعور الدائم بالحزن وانعدام الأمل
  • الشعور بالذنب ولوم النفس
  • تقلبات مزاجية حادة وتوتر نفسي
  • صعوبة في التركيز
  • الشعور بالوحدة

مضاعفات فوبيا الجروح… مخاطر تنتظرك في نهاية المطاف!

مضاعفات فوبيا الجروح

مع تكرار هذه الأعراض مع المريض، قد يتطور الأمر إلى الخوف غير المبرر من أي خطوة يفعلها في حياته العملية والشخصية.

فمثلًا: يخاف من قيادة السيارة، أو من ممارسة الرياضة، أو حتى النزول من البيت… 

أي: تعوقه فوبيا الجروحِ من الحياة بشكل طبيعي.

رغم معرفة المريض أن مخاوفه مبالغ فيها وغير مبررة، فإنه لا يستطيع التفكير بعقلانية لتهدئة نفسه من فوبيا الجروح.

نتيجة لذلك؛ يستمر المريض في الابتعاد عن أنشطة كثيرة والبقاء في المنزل، ومن هنا يكون أكثر عرضة لأنواع الفوبيا العديدة والوسواس القهري والاكتئاب.

أسباب فوبيا الخوف من الجروح

لا توجد أسباب معينة وراء فوبيا الجروح، لكن هناك عوامل مؤثرة في قابلية الفرد لاكتساب هذه الفوبيا عن أشخاص أخرى، من أبرز هذه العوامل:

١. الجينات

إذا كانت التركيبة الجينية لشخص ما مستعدة لاكتساب الأمراض النفسية، فهو عرضة للإصابة بفوبيا الجروح عند تعرضه للحوادث.

 يلاحظ الطبيب هذه النقطة من خلال التاريخ المرضي لعائلة المريض.

٢. الحوادث السابقة

تعرض المريض لحادثة قوية أدت إلى مكوثه طويلًا في المستشفى، أو تركت أثرًا في جلده.

٣. معاناة المريض من أمراض نفسية أخرى 

مثل: اضطراب القلق العام أو الوسواس القهري.

علاج فوبيا الجروح

لحسن الحظ معظم أنواع الفوبيا -ومن بينها فوبيا الجروحِ- سهل الشفاء منها، باتباع أيٍّ من الطرق العلاجية الملائمة لطبيعة المريض والتي يستجيب معها بشكل فعال.

قد يلجأ الطبيب إلى الجمع بين أكثر من طريقة علاجية في حالة عدم تحسن المريض؛ للتعجيل بشفائه.

سنتناول أهم الطرق العلاجية لجميع أنواع الفوبيا وخاصة فوبيا الجروحِ.

١. العلاج المعرفي السلوكي

جلسة علاجية تعتمد على تبادل الحوار بينك وبين الطبيب النفسي ليفهم من خلالها معتقداتك وأفكارك عما يُثير مخاوفك، وردة فعلك تجاه هذه المخاوف.

من فوائد العلاج المعرفي السلوكي:

  • مساعدتك على فهم نفسك ومشاعرك بشكل أوضح.
  • إرشادك إلى المفاهيم الخاطئة المسببة لخوفك، وإمدادك بسلوكات وتعليمات تغير نظرتك الخاطئة لمخاوفك.
  • التغلب على ما تمر به من مشاعر معقدة أو التأقلم معها.
  • إتاحة الفرصة لك للبوح بما بداخلك لشخص موثوق لن يصدر أحكامًا تجاهك، بل يُعينك على تجاوز الفوبيا.

٢. العلاج بالتعرض

من أبرز علاجات فوبيا الجروحِ وعلاج فوبيا الدوار عند رؤية الدم.

تعرض الشخص لمخاوفه شيئًا فشيئًا يُقلل منها، بل وينظر إليها على أنها أمر تافه لم يكن يستدعي كل هذا الخوف.

في البداية يهيئك الطبيب لتخيل مناظر الجروح والدماء في ذهنك، إذا تجاوزت هذه المرحلة دون أن تصيبك الفوبيا سينقلك إلى المرحلة التالية.

في هذه المرحلة يعرض الطبيب لك صورًا وفيديوهات لأشخاص مصابين بجروح، إذا تجاوزت هذا الأمر فأنت في طريقك إلى الشفاء من فوبيا الجروحِ.

٣. العلاج الدوائي

من الحلول الفعالة في الأعراض الشديدة لفوبيا الجروح ونوبات القلق الحادة المؤثرة سلبًا في صحة المريض النفسية والجسدية.

تُستخدم الأدوية النفسية لفترة قصيرة للتحكم في الأعراض المصاحبة للقلق ولعلاج الدوار عند رؤية الدم. 

كل ذلك بجانب العلاج السلوكي المعرفي أو العلاج بالتعرض.

قبل البدء في العلاج الدوائي، يوضح الطبيب للمريض أبرز الآثار الجانبية للدواء حتى لا يقلق، مع توضيح الطريقة الصحيحة لتناوله.

من أهم الأدوية المستخدمة لعلاج الفوبيا:

  • مضادات الاكتئاب، وخاصة مثبطات السيروتونين الانتقائية.
  • حاصرات بيتا.
  • المهدئات، ومن أبرزها: عائلة البنزوديازبين.

عادات يومية للتخلص من فوبيا الجروح

هناك نصائح إذا التزمت بتخصيص وقت ولو قليل لها يوميًا -بجانب علاج فوبيا الجروحِ-؛ ستلاحظ نتائج أسرع في رحلتك العلاجية.

١. ممارسة اليقظة الذهنية

تعني صب كامل تركيزك على اللحظة الحالية دون التفكير في ما يشغل بالك.

تفيد اليقظة الذهنية في تغيير مسار ذهنك من القلق الناتج عن الفوبيا إلى ما تمارسه من تمارين التنفس العميق، والتركيز في كل شهيق وزفير خارج منك؛ مما يرخي جسدك وعقلك معًا.

ممارسة اليوجا أيضًا تساعدك على الاسترخاء وتصفية ذهنك من مخاوفك.

٢. الحد من الكافيين

تناول جرعات كبيرة من الكافيين يحفز الجهاز السمبثاوي بالجسم؛ ومن ثم تزداد ضربات القلب وتكون أكثر توترًا، أي أكثر عرضة للإصابة بفوبيا الجروح.

لذلك؛ الحد من الكافيين يقلل من التوتر اليومي ومن حدة أعراض فوبيا الجروحِ.

٣. ممارسة الرياضة

خاصة الكارديو والإيروبكس؛ إذ تمكن جسدك من التأقلم مع الضغوطات اليومية وتمنح جسدك الاسترخاء الكامل. 

إلى جانب ذلك تقلل الرياضة من الآلام المصاحبة لفوبيا الجروحِ.

فوبيا الجروحِ من أنواع الفوبيا الشائعة نظرًا لاحتمالية إصابة الأفراد بجروح في حياتهم اليومية.

إذا كنت تعرف -عزيزي القارئ- شخصًا يعاني فوبيا الجروحِ أو كنت شخصيًّا تعانيها؛ بادر بزيارة الطبيب النفسي والتزم بالعلاج المناسب لحالتك.

لا تترك نفسك لهذه الفوبيا، فتتحكم في مسار حياتك وتمنعك من الاستمتاع بكل لحظة فيها، القرار بيدك.

المصدر
Traumatophobia (Fear of Injury)Fear of injury. TraumatophobiaTRAUMATOPHOBIA
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق