ترياق الأمراض النفسية

فوبيا الحشرات.. ومسابقة الوثب الطويل!

كنت جالسة في محاضرة طويلة رتيبة، في قاعة خالية من الأصوات، إلا من صوتَيِ المحاضر الناعس، وعقرب الساعة المشاكس. 

أنظر عن يميني فأرى القوم يغالبون النوم ويغالبهم، وألتفت إلى يساري فأجد رفاقي ساكتين ساكنين، كأن على رؤوسهم الطير!

وبينما نحن على هذا الحال، إذ ارتفعت صرخة هلعة مجلجلة رجت أرجاء القاعة الصامتة.

وإذا بي أجد زميلتي تثب من مقعدها في آخر المدرج، لتلامس قدماها مقعدي في أوله، في وثبة تمنحها -وبجدارة- ميدالية ذهبية في الأولمبياد! 

والسبب؟ نحلة في حجم عقلة الإصبع، تطير فوقنا في سلام، ولعلها -بعد وثبة زميلتي- تشعر بالهلع!

ولأن فوبيا الحشرات وعلاجها هي موضوع مقالنا اليوم، فخذ حذرك، واتبعني!

ما هي فوبيا الحشرات؟

تُعَد فوبيا الحشرات، أو الإنتوموفوبيا، نوعًا من أنواع الرهاب؛ إذ يتملكك خوف مبالغ فيه من نوع أو أكثر من الحشرات: كالنحل، والنمل، والفراشات.

ويدفعك ذلك الخوف للإتيان بتصرفات غير عقلانية، ولا تتناسب مع حجم الخطر الذي يهددك؛ هل سمعت قصة الرجل الذي أحرق منزله ليتخلص من عنكبوت؟

الجدير بالذكر أن العناكب لا تنتمي إلى الحشرات، لأن لديها تصنيفًا منفصلًا. ولكن، يمكن إدراج فوبيا العناكب ضمن فوبيا الحشرات في بعض الأحيان.

ما الفرق بين الخوف والفوبيا؟

فوبيا الحشرات المرعبة

إن الخوف هو رد فعل طبيعي، يهدف لحمايتك من أخطار حقيقية؛ فخوفك من أن تصدمك سيارة مسرعة -مثلًا- يجعلك أكثر حذرًا عندما تعبر الطريق. 

أما الفوبيا، أو الرهاب، فهي واحدة من اضطرابات القلق، تتوهم فيها خطرًا ما، وتنشط دفاعاتك لمواجهة عدو غير موجود، بردود أفعال مبالغ فيها، تضرك أكثر مما تفيدك.

فربما ترفض دخول لجنة الامتحان لأنك رأيت صرصورًا يزحف قرب مقعدك، مما يؤثر بالسلب في سير حياتك بشكل طبيعي. 

ما هي أعراض فوبيا الحشرات؟

  • تدرك في قرارة نفسك أن خوفك غير منطقي، ولكنك تعجز عن السيطرة على انفعالاتك. 
  • يتملكك القلق، وتصيبك نوبات هلع عند رؤية الحشرات، أو حتى التفكير بها. 
  • يزداد خوفك كلما اقتربت الحشرة منك، وربما يخيل إليك أنها تزحف على جلدك.
  • يجبرك الخوف على الهروب من المكان، والابتعاد عن مصدر الخطر بسرعة، حتى تهدأ خيالاتك وأفكارك.
  • تجد صعوبة في مواصلة حياتك بشكل طبيعي، وربما تشعر أن الحشرات تحاوطك في كل مكان.

ويصاحب ذلك الهلع أعراض جسدية؛ فعلى سبيل المثال:

  • تتسارع ضربات قلبك.
  • يرتعش جسدك، وترتعد فرائصك.
  • تتصبب عرقًا، ويجف حلقك.
  • يزداد معدل تنفسك.
  • قد تبدأ بالصراخ والبكاء (يزداد الأمر صعوبة في الأطفال).
  • تشعر بالغثيان.

المخاوف التي تصاحب فوبيا الحشرات

الخوف من التلوث

تثير بعض الحشرات -كالنمل والصراصير- اشمئزازك، وتخشى أن تنقل إليك أمراضًا لا تعرفها. وقد يصحب ذلك وسواس يجبرك على تنظيف الأسطح والأرضيات بشكل قهري.

الخوف من اللدغات

ربما شاهدت فيلمًا وثائقيًا عن لدغات بعض الحشرات السامة، فألقى في قلبك الذعر تجاه كل حشرة على وجه الكرة الأرضية.

تخيفك عيونها، وإبرها الحادة، وتخشى أن يصيبك أي رد فعل تحسسي بسبب لدغة غير متوقعة.

الخوف من غزو الحشرات

لا أدري إن شاهدت -قبلًا- عشًا للدبابير… ولكنك ،حتى وإن لم تشاهد واحدًا على أرض الواقع، تخشى أن يجد دبور تائه طريقه إلى شرفتك فيغزوها، ويصبح التخلص من العش مستحيلًا.

وقد يخيل إليك أن قطعة من الوبر أو القش هي حشرة مخيفة، فتقضي بعض الوقت بعيدًا عن المكان قبل أن تكتشف حقيقتها.

ما أسباب فوبيا الحشرات؟ 

  • مرورك بتجربة قاسية: فربما لدغك دبور من قبل، وتعرضت لرد فعل تحسسي كاد يودي بحياتك.
  • يعاني أحد أفراد أسرتك الفوبيا: يمكن للطفل أن يكتسب الفوبيا من والدته التي تصرخ مذعورة كلما رأت نحلة.
  • جيناتك: يعتقد الباحثون أن الجينات لها دور ما في الإصابة باضطرابات القلق.
  • تعرضت لإصابة شديدة بالدماغ: يجعلك ذلك أكثر عرضة للإصابة باضطرابات القلق.

ما علاج فوبيا الحشرات؟

يمكنك اللجوء إلى معالج نفسي متخصص لمساعدتك على التخلص من فوبيا الحشرات، وينقسم العلاج إلى نوعين أساسيين: العلاج النفسي، والعلاج الدوائي.

العلاج النفسي

يُعَد العلاج النفسي حجر الأساس في علاج فوبيا الحشرات.

  1. العلاج بالتعرض: 

في هذه الطريقة، يضعك معالجك النفسي في مواجهة مع مخاوفك، ولكن في بيئة آمنة، وبشكل تدريجي. 

فربما يطلب منك مثلًا تخيل الحشرة التي تخيفك، وتتكرر هذه الخطوة عدة مرات، حتى يشعر عقلك أن الأمر ليس مخيفًا، ولا يشكل خطرًا مباشرًا كما تظن.

ربما يعرضك كذلك لمجموعة من الصور، أو يطلب منك الاقتراب من الحشرة، ستجد نفسك -بعد نهاية العلاج- قادرًا على التحكم في انفعالاتك.

  1. العلاج السلوكي المعرفي:

يعتمد هذا النوع من العلاج على تحديد الأنماط الخاطئة في التفكير لديك، ويساعدك على تعديل بعض سلوكياتك. 

فحينما تدرك أين يقع الخلل في تصورك عن المشكلة، تصبح أكثر قدرة على مواجهتها، والتعامل معها بشكل سليم.

العلاج الدوائي

قد يلجأ معالجك النفسي، في بعض الحالات، لوصف بعض الأدوية لمساعدتك على التحكم في القلق، ونوبات الهلع التي تصيبك.

ومن أمثلة الأدوية المستخدمة ما يلي:

  • الأدوية المهدئة: مثل عائلة “البينزوديازبين” التي تخفف أعراض القلق.
  • مثبطات مستقبلات البيتا: تهدئ ضربات قلبك، وتقلل الرعشة لديك.

لا تُستخدَم هذه الأدوية عادةً لفترات طويلة، إلا إذا صاحبت الفوبيا مشاكلُ نفسيةٌ أخرى تتطلب علاجًا طويل المدى. 

بعض العادات الصحية المهمة

يمكنك اتباع هذه النصائح للحفاظ على صحتك بشكل عام، وللتخفيف من حدة التوتر والقلق بشكل خاص:

  • ممارسة تمارين الاسترخاء: كتمارين التنفس العميق، والتأمل، واليوجا التي تساعدك على تصفية ذهنك، وترتيب أفكارك.
  • الحصول على قسط كافٍ من النوم: لتصبح أكثر هدوءًا، وأكثر قدرة على التحكم في أعصابك.
  • تجنب الإفراط في المنبهات: مثل “الكافيين”.
  • ممارسة الرياضة بانتظام: كالمشي أو الجري لمدة نصف ساعة، خمس مرات أسبوعيًا.

فوبيا الحشرات عند الأطفال

ما أسبابها؟

تتشابه أسباب فوبيا الحشرات عند الأطفال مع البالغين.

يمكن للطفل أن يكتسب فوبيا الحشرات بسبب ردود أفعالك إن رأيت صرصورًا في المنزل؛ تصرخ فيتولد لديه إحساس بالذعر. 

وكذلك قد يثير شكل الحشرة مخاوفه؛ فعيونها، وأرجلها، وقرون استشعارها تجعلها -في نظره- وحشًا مخيفًا، ينبغي الابتعاد عنه.

كيف تساعد طفلك على تخطي فوبيا الحشرات؟

  1. امنحه فكرة عامة عن الحشرات، وصنفها إلى فئتين: 
    • مؤذية: يُفَضَّل الابتعاد عنها، مثل: الدبابير، والبعوض، والعناكب.
    • غير مؤذية: يمكن تأملها عن كثب، كالفراشات.
  2. لا تبالغ في رد فعلك تجاه الحشرات، كي لا يشعر طفلك بالخوف.
  3. دعه يتحدث عن مخاوفه من الحشرات، وناقش معه الدور المهم الذي تلعبه تلك الحشرات في الطبيعة؛ فالنحل مثلًا مسؤول عن إنتاج العسل.
  4. تَفَهَّم مخاوف طفلك، وكن صبورًا، ولا تعنفه إن بالغ في رد فعله قليلًا.

وهنا، يا صديقي العزيز، تنتهي جولتنا التي تقشعر لها الأبدان ويشيب لها الوجدان. 

وإني لأدعو الله أن تتضاءل مخاوفك شيئًا فشيئًا، حتى تختفي تمامًا كأن لم تكن.

وأرجو ألا تضطر في يوم من الأيام، بسبب عنكبوت صغير، أن تنافس زميلتي في مسابقة من مسابقات الوثب الطويل!

المصدر
Entomophobia: Fear of insectsDifferences between fear and phobia responsesUnderstanding the fear of insects or entomophobiaSpecific phobias: TreatmentHelping children overcome a fear of bugsThe phobia of insects in children: What you need to know
اظهر المزيد

د. لميس ضياء

صيدلانية إكلينيكية، قضيت شطرًا من عمري بحثًا عن العلم، وأنوي قضاء الشطر الآخر في تبسيط ما تعلمته وتقديمه بلغة سهلة مستساغة للجميع. تستهويني النفس البشرية وأسعى دومًا لسبر أغوارها، وفك طلاسمها، وفهم ما قد يؤرقها من اضطرابات واعتلالات.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق