ترياق الأمراض النفسية

فوبيا الدم… هل ستفقد وعيك؟

كانت صديقتي “سلمى” وزوجها “خالد” في إحدى زياراتهما الأخيرة لطبيبة الولادة، يتناقشون حول ترتيبات يوم الولادة المنتظَر.

فحدّثتهما الطبيبة عن إمكانية دخول زوجها معها غرفة العمليات في أثناء الولادة، ليشدَّ من أزرها، ويساعدها على تخطي الألم، ويستقبلا سوياً لحظة خروج طفلتهما الإعجازية.

وفجأة قطع زوجها هذا الحديث الحالم، ليفاجئهما بأنه لا يستطيع القيام بهذا الأمر، إذ يعاني من فوبيا الدم!

توقفت سلمى لتلتقط المفاجأة، فهذه المرة الأولى التي تسمع فيها بهذا النوع من الفوبيا، أو أن زوجها يعاني منها. كما أنها لم تستعد لخوض تلك التجربة بدون زوجها.

فأتت لتسألني عن هذه الفوبيا، ما هي؟ وما أسبابها؟ وكيف تكون أعراضها؟ وهل يمكن التخلص منها؟

فإن كنتَ -عزيزي القارئ- كزوج صديقتي، أو تعرفُ أحداً يعاني من فوبيا الدم، فلأجل صديقتي ولأجلك قررتُ كتابة هذا المقال.

ما هي فوبيا الدم؟

تُعرف فوبيا الدم أو الهيموفوبيا، بأنها خوفٌ شديدٌ من رؤية الدم، قد تمر بها إذا أُصبتَ وجرحتَ نفسك، أو إذا رأيتَ شخصاً مصاباً ينزف أمامك، أو عندما تفكر في مشهد الدم.

وتصنَّف فوبيا الدم كأحد أنواع الرهاب المحدد تبعاً للدليل التشخيصي والإحصائي للأمراض النفسية- النسخة الخامسة (DSM-5)، ويُقصد بالرهاب المحدد الخوف غير المنطقي من أشياء ومواقف تحمل نسبة خطورة قليلة.

فعلى الرغم من قلق بعض الأشخاص من مشهد الدم، وشعورهم بعدم الراحة لرؤيته، إلا أنه في حالة الفوبيا تظهر خطورة الأمر في عدم الذهاب للمستشفى عند الحاجة، أو رفض القيام بتحاليل طبية هامة، لتجنب التعرض للدم بأية حال.

ما هي أسباب فوبيا الدم؟

يعاني البعض من الفوبيا نتيجة عوامل وراثية، إذ تلعب الجينات دوراً في استعدادك لاكتساب بعض أنواع الفوبيا،

وربما تكون بسبب صدمة أو حادثٍ قديم مررتَ به، فأثار مشهد الدم فيك الرعب، وصار الدم يذكرك بهذا الحادث.

اقرأ أيضاً: كيفية التعامل مع الذكريات المؤلمة.

كما ترتبط فوبيا الدم لدى الكثيرين ببعض أنواع الخوف الأخرى والتي قد تكون سبباً فيها، منها على سبيل المثال:

الخوف من المرض

يخاف البعض من فكرة المرض، فيرتبط الدم معهم باحتمالية تطور أحد الأمراض لديهم؛ كأن يفكر أحد ما باحتمالية إصابته بالسرطان في المستقبل، أو أن الأعراض التي لديه هي لمرض يحتاج للتشخيص، فيركز في كل نوبة صداع تصيبه، أو ألم في معدته.

فمثل هذا الشخص قد يعاني من فوبيا الدم والجروح، إذ يعزز مشهدُ الدم فكرةَ إصابته بأحد الأمراض.

الخوف من العدوى

قد تكون ممن يخافون من التقاط عدوى مميتة عن طريق الدم، لن أنكر عليك خوفك عزيزي القارئ، فمن منا لا يقلق حيال أمراض الدم المعدية؟ 

فقد يعاني البعض من فوبيا الدم والجروح، نتيجة تفكيرهم باحتمالية إصابتهم بالعدوى عند التعرض للدم.

الخوف من الموت

يُعَدّ مشهد الموت في الأفلام من الطرق المثيرة لإنهاء حياة البطل، فبحادث مروّع في بعض الأحيان يملؤه الكثير من الدم المتناثر في كل مكان، يحصل صناع الفيلم على الحبكة الدرامية.

وقد يزيد هذا المشهد من فوبيا الدم لدى بعض الأشخاص، فيرتبط الدم في أذهانهم بالموت في النهاية.

الخوف من الحقن والأطباء

قد يلجأ بعض من يعانون من فوبيا رؤية الدم إلى التهرب من زيارة الطبيب، أو سحب عينة لتحليل طبي، بسبب خوفهم من الحقن، أو من الطبيب الملطَّخ بالدم بعد عملية جراحية طويلة، فيثير هذا الأمر فيهم شعوراً بالتوتر وعدم الراحة.

فوبيا الدم

إصابة في الطفولة

قد تعاني من فوبيا رؤية الدم إذا تعرضّتَ لإصابة كبيرة في طفولتك، أو شاهدتَ حادثاً أليماً لا ينمحي من ذاكرتك، فتصبح رؤية الدم أحد كوابيسك، وقد تدفعك للهروب من المكان لتجنُّب تدافُع المشهد لذهنك.

تأثير العائلة:

أحياناً تأتي الحماية الزائدة من الأهل بردود فعل عكسية لدى الطفل، فيصبح خائفاً مما تحميه وتحذره والدته منه دائماً، ولا يقوى على مواجهته عندما يكبر.

أو ربما ينتقل خوف الأم من الدم إلى أطفالها، فيكون خوفها هو أحد أسباب فوبيا الدم لدى طفلها، إذ ارتبط معه بقلق أمه حياله، فأصبح بالنسبة إليه أمرا سيئا.

ولا أخفيك سراً عزيزي القارئ، عندما علمتُ بهذا الأمر تكوَّنَ لدي قلقٌ من أن أنقل أحد مخاوفي إلى أطفالي، فمن منا يريد ذلك؟

أعراض فوبيا الدم

تتشابه أعراض الفوبيا بين أنواعها المختلفة، فتشمل بعض الأعراض الجسدية وأعراضا أخرى نفسية.

وقد تحدث هذه الأعراض عند رؤية الدم مباشرة إما بإصابتك أو إصابة شخص أمامك، أو رؤية مشهدٍ للدم في التليفزيون، وأحياناً يكون التفكير في الدم كافٍ لإثارة تلك الأعراض لديك.

ومن الأعراض الجسدية لفوبيا الدم:

  • تسارع ضربات قلبك.
  • صعوبة التنفس.
  • ضيق الصدر.
  • الدوار.
  • الغثيان.
  • التعرق.
  • عدم وضوح الرؤية.
  • الرؤية النفقية؛ أي أن يضيق مجال الرؤية فترى ما هو أمامك فقط.
  • شعورك بأنك على وشك فقدان الوعي حول مشهد الدم.

أما الأعراض النفسية لفوبيا الدم فتشمل:

  • شعورك بالهلع أو القلق الشديد من الدم.
  • رغبتك في الهروب من أي مشهد للدم.
  • شعورك بفقد السيطرة على الموقف.
  • شعورك بعدم قدرتك على مقاومة الخوف.
  • وأحياناً قد تشعر باقتراب الموت منك من شدة الخوف.

الإغماء الوعائي المبهمي

هو انخفاض مفاجئ في معدل ضربات القلب وضغط الدم، يؤدي إلى انخفاض تدفق الدم إلى الدماغ، فتفقد الوعي لفترة قصيرة.

ويعد من الأمور الشائعة في هذا النوع من الفوبيا، فتصبح أكثر عرضة له بعد رؤية مشهد الدم.

أعراض فوبيا الدم في الأطفال

إذا تعرض طفل يعاني من فوبيا الدم إلى مشهد يثيره، فغالباً ستجده:

  • يدخل في نوبة غضب
  • يصبح أكثر التصاقاً بك
  • يبكي بشدة
  • يحاول الاختباء

فحاوِل تهدئته وطمأنته قدر الإمكان.

هل يمكن علاج فوبيا الدم؟

قاطعتني صديقتي بلهفة، حسناً لقد عرفتُ أعراضها، لكن هل يمكن التخلص من فوبيا الدم سريعاً؛ فيلحق زوجي بموعد ولادتي؟

فإليكِ البشرى صديقتي، فعلى الرغم من أن أغلب أنواع الرهاب المحدد قد لا تحتاج لعلاج، إلا أن فوبيا الدم من الأنواع التي يمكن التخلص منها. بل يصبح علاجها ضرورياً في بعض الأوقات، لتأثيرها على حياة المصاب بها.

فإذا كنت تعاني من فوبيا الدم عزيزي القارئ، فقد تجد صعوبة في رعاية طفلك إذا سقط وجرحَ نفسه، فبدلاً من أن تسرع لمساعدته، قد تجد نفسكَ مسرعاً في الاتجاه الآخر، محاولاً الفرار من الموقف.

كما أنها قد تمنعك من زيارة طبيبك -حتى وأنت تتألم-، أو تمنعك كذلك من القيام بتحاليل طبية هامة لتشخيص حالتك.

لذا ستجد من الضروري التخلص من فوبيا الدم في أحد مراحل حياتك، واطمئن عزيزي القارئ، فالأمر ليس بهذه الصعوبة التي تتخيلها.

ويشمل علاج فوبيا الدم الأنواع الآتية:

العلاج بالتعرض

يعتمد معالجك النفسي في هذا النوع من العلاج على تعريضك لمصدر الفوبيا لديك تدريجياً، فقد يُريكَ صوراً للدم بالقدر الذي تتحمله، ويتحسن رد فعلك مع الوقت.
وهو من أنواع العلاج التي لها نتائج فعالة وسريعة، فقد تصل للتخلص من هذه الفوبيا في جلسة واحدة.

العلاج النفسي المعرفي

فوبيا الدم - العلاج النفسي

وهنا يعمل معالجك على تحديد مشاعر القلق ومخاوفك من الموقف، واستبدالها بأفكار أكثر واقعية وعقلانية، فتساعدك على وضع الأمر في موضعه والسيطرة على خوفك.

للمزيد اقرأ: كل ما تود معرفته عن العلاج المعرفي السلوكي.

تقنيات الاسترخاء

يساعدك الاسترخاء على التخلص من التوتر والقلق المصاحبَين للفوبيا، والتحكم في ردود فعلك بدرجة ما، لذا حاوِل المداومة عليها، كتمارين التنفس العميق، أو اليوجا، أو غيرها.

تقنية التوتر التطبيقي

تعتمد هذه التقنية (applied tension) على زيادة الضغط على العضلات الإرادية؛ لزيادة ضغط الدم، فتتجنب الإغماء المؤقت الذي قد يصاحب فوبيا الدم. يمكنك قبض عضلات يديك ورجليك لعدة ثوانٍ وكررها أكثر من مرة، حتى يرتفع ضغط دمك مجدداً وتتجنب الإغماء.

العلاج بالأدوية

ليس من الشائع استخدام الأدوية لعلاج فوبيا الدم، لكن يمكن لطبيبك أن يصف بعض أدوية القلق إذا كنت تعاني من نوبات قلق شديدة مصاحبة لهذه الفوبيا.

وختاماً عزيزي القارئ، أعلم أنك ربما تكون على وشك فقدان وعيك الآن بالحديث عما يخيفك طوال المقال، فأرجو أن تكون استطعتَ إكماله للنهاية، لتطمئن وتعلم أن بإمكانك التخلص من خوفك سريعاً.

فلا تهرب من موقف يحتاج فيه مصابٌ لمساعدتك، أو تهمل صحتك هروباً من زيارة الطبيب بعد الآن.

المصدر
Symptoms and Treatment for the Fear of Blood What Is Hemophobia?Medical Definition of Hemophobia Hypochondriasis: A Fear of Illness
اظهر المزيد

د. آلاء عمر

آلاء عمر، صيدلانية، أم، وكاتبة محتوى طبي، أهدف إلى إيصال المعلومة الطبية للقارئ بسهولة وزيادة الوعي الطبي لدى الناس. مهتمة بمجال الصحة النفسية وما يخص الطفل والمرأة طبياً. مؤمنة بقدرة الإنسان على اكتساب الوعي والتغيير الإيجابي للإرتقاء بمستوى حياته للأفضل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق