ترياق الأمراض النفسية

فوبيا النخاريب | ماذا تعني لك الثقوب؟!

بينما ينتظر الجميع الحدث السنوي الذي تعلن فيه أكبر الشركات الرائدة في مجال التكنولوجيا عن وليد جديد لها؛ يخدم الناس وييسر حياتهم ويزيد رفاهيتهم، فإذا بها شركة “أبل” تطل بسلسلة هواتفها الجديدة ذات الثلاث كاميرات.

هاتف محمول ذو ثلاث كاميرات! يبدو الأمر مثيرًا حقًّا في أعين الجميع لا سيما المصورين والمصممين، لكنه بات مزعجًا في أعين مصابي فوبيا النخاريب.

نعم، أثارت تلك الأعين الثلاث الخوف والرعب بداخلهم، وبدلًا من مشاركة الآخرين في الحديث عن مميزات الهاتف الجديد واستكشاف قدراته، لازمهم الاشمئزاز والنفور من مجرد النظر إلى صورته.

لذا قررنا مد شراع السفينة، معلنين عن رحلة جديدة؛ قاصدين بها بحر العلم، ليحدثنا أكثر عن أعراض فوبيا النخاريب وعلاجها.

فلنبدأ الرحلة…

ما شكوى هؤلاء؟

يعاني مصابو رهاب النخاريب أو فوبيا النخاريب (Trypophobia) رد فعل جسدي وعاطفي قوي عندما يرون أنماطًا تشبه الثقوب أو البقع أو النتوءات، وكلما كبر حجمها، زاد شعورهم بعدم الراحة.

هل تعد فوبيا النخاريب والثقوب رهابًا حقيقيًّا؟

الرهاب الحقيقي هو ذلك الذي يسبب الخوف والقلق بدرجة تعطل روتينك اليومي، ووفقًا لجمعية الطب النفسي الأمريكية فإن رهاب النخاريب لا يفي بهذا المعيار، لذلك لم يدرج رهاب النخاريب ضمن الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية التابع لها.

بالرغم من ذلك، فإن فوبيا النخاريب تندرج تحت التصنيف الشامل لمرض الرهاب المحدد، ما دامت الأعراض مستمرة ومفرطة، وتسبب ضائقة كبيرة.

أعراض فوبيا النخاريب

يلازم شعور الخوف من الثقوب صاحبه ولا يزول أبدًا، فقد تظهر أعراضه عدة مرات في الأسبوع الواحد أو حتى كل يوم.

ومن بين تلك الأعراض ما يأتي:

  • الغثيان.
  • الرعشة.
  • ضيق التنفس.
  • تسارع ضربات القلب.
  • التعرق.
  • الصداع والدوخة.
  • ألم الصدر.
  • الاختناق.
  • جفاف الفم.
  • الارتباك.
  • الحكة أو القشعريرة أو الشعور بالتنميل.
  • شعور بالذعر.
  • شعور بالنفور وعدم الراحة.
  • الانزعاج البصري مثل: إجهاد العين أو رؤية تشوهات وأوهام.

إذًا؛ تبدو أعراض فوبيا النخاريب أشبه بنوبة هلع، وهناك بعض المثيرات التي تحفز حدوثها، مثل رؤية أحد الأشياء الآتية:

  • ثقوب أو حصى الخرسانة.
  • ثقوب الهواء في شريحة الخبز.
  • رأس زهرة لوتس.
  • الشعاب المرجانية وإسفنج البحر.
  • ثقوب الجلد والبثور والندوب والبقع.
  • الحيوانات المنقطة.
  • رأس دش الاستحمام.
  • فقاعات الصابون.
  • المصابيح في إشارات المرور.
  • بذور الفاكهة.
  • قرص العسل.
  • عيون الحشرات.
  • الرمان والفراولة.

ويميل مصابو فوبيا الرهاب والثقوب إلى تجنب الأشياء أو الأفعال التي تسبب لهم تلك الأعراض، وهو ما يزيد من صعوبة العمل، ويؤثر في سلاسة الحياة اليومية.

أسباب فوبيا النخاريب

لا تزال البحوث عن فوبيا النخاريب محدودة للغاية، وهناك بعض الاجتهادات والنظريات حول تفسير سبب حدوثها.

التفسير الأول… محاولة تجنب أنواع الخطر المختلفة

 يقترح باحثون في جامعة أمستردام أن السبب وراء تلك الحالة لا يعود إلى صدمة أو قلق، وإنما يتعلق الأمر بأساس تطوري.

إذ إن رهاب النخاريب ببساطة قد يكون حالة استجابة تكيفية طبيعية معممة، ولكن مبالغ فيها بعض الشيء.

 فالإنسان بطبعه لديه استجابة نفسية وعصبية لا إرادية، تترجم إلى ردود أفعال سريعة وأعراض جسدية، وتتجلى هذه الاستجابة عند التعرض للأنماط الخطيرة المتعارف عليها.

إذًا، فهذا الرهاب قد يكون استجابة تطورية للأشياء المرتبطة بالمرض أو الخطر، ومثال على ذلك:

  • قد تدل ثقوب الجلد ونتوءاته على اعتلال البشرة أو إصابتها بمرض معدٍ، كما أن الأمراض القاتلة (مثل: الحصبة والجدري) تسبب طفحًا جلديًّا دائريًّا، ويمكن أن يكون رهاب النخاريب هو رد فعل طوره البشر لتجنب الإصابة بالمرض.
  • يشبه مظهر الثقوب العنقودية الأنماط الجلدية لبعض الحيوانات السامة (مثل: الأفاعي، والضفدع السام، وبعض الأسماك)، وقد يخشى الناس من هذه الأنماط بسبب ارتباطات في اللا وعي تقودهم لتجنب خطر تلك المخلوقات.

وهناك اعتقاد أيضًا بأن مصابي رهاب النخاريب يواجهون حالة اشمئزاز أكثر منها خوف عندما يرون شيئًا مثيرًا.

التفسير الثاني… قد تثير الصور نفسها الخوف

يعتقد الباحثون أن الأنماط الشبيهة بالثقوب لها نوع من الطاقة البصرية يسبب تفاعلًا مزعجًا، وأن بعض الناس أكثر حساسية لمزيج الضوء والظلام في صور الثقوب. 

التفسير الثالث… الخوف يأتي من القلق الاجتماعي

تبدو الثقوب إلى حد ما مثل مجموعات من العيون أو الوجوه التي تحدق هنا وهناك، وقد تزعج من يشعرون بتوتر في أثناء تواجدهم في الأماكن العامة. 

عوامل الخطر

تشيع فوبيا النخاريب بين النساء أكثر من الرجال، كما أنها حالة وراثية.

وقد يعاني بعض الأشخاص الذين يخافون الثقوب اضطرابات عقلية أخرى، مثل:

التشخيص

في الواقع يصعب تشخيص رهاب النخاريب، إذ إنه في أغلب الأحيان يكون مصاحبًا لاضطرابات نفسية أخرى، وهو ما قد يسبب تداخلًا في الأعراض.

ومع ذلك، يمكن تشخيص رهاب النخاريب إذا تحققت معايير الرهاب المحدد وظهرت بعض الأعراض التشخيصية.

وتشمل تلك الأعراض مايلي:

  • اضطراب اكتئابي حاد.
  • اضطراب القلق المعمم.
  • ضائقة نفسية شديدة.
  • الخوف الشديد عند مواجهة شيء مثير.
  • مدة الضعف الوظيفي وشدته.

اختبار فوبيا النخاريب

أنشأ مجموعة من الباحثين قائمة تتكون من 17 سؤالًا، سُميت بـ “اختبار فوبيا النخاريب”.

 يطلب هذا الاختبار من الأشخاص تقييم مدى شعورهم ببعض الأعراض (مثل: القلق والخوف) عندما يرون صورًا للثقوب.

تُقيم هذه المشاعر بدرجات من “1” الذي يعني (لا على الإطلاق)، إلى “5”  التي تعني (نعم للغاية).

كما تتوفر بعض الاختبارات الذاتية عبر الإنترنت، بما في ذلك مقياس رهاب النخاريب الضمني  

(Trypophobia Measure 0.5a).

 ولكن قبل النقر على أحد هذه الاختبارات، تذكر أنها قد تتضمن صورًا مزعجة، حتى للأشخاص الذين لا يعانون رهاب النخاريب.

علاج فوبيا النخاريب

نظرًا لأن فوبيا النخاريب ليست اضطرابًا محددًا، فلا يوصى بأي علاجات محددة لها، وإنما يلجأ الأطباء إلى الأساليب العلاجية المتبعة عند الإصابة بأي فوبيا بصفة عامة.

 ومن بين هذه الأساليب ما يأتي:

  • العلاج بالتعرض

يعد العلاج بالتعرض هو أكثر أشكال العلاج فعالية، إذ يغير من استجابة الشخص للشيء أو الموقف الذي يسبب له الخوف.

  • العلاج السلوكي المعرفي

يساعد العلاج السلوكي المعرفي الأشخاص على معالجة الأفكار والسلوكات والعواطف السلبية التي تنشأ عندما يتعرضون لما يخيفهم، ثم يستبدلون مشاعر الأمان والإيجابية بها.

  • تقنيات الاسترخاء

يمكن أن تقلل إستراتيجيات الاسترخاء المختلفة (مثل: التخيل، والتنفس العميق، واسترخاء العضلات التدريجي) من مشاعر الخوف والاشمئزاز والقلق.

فالتخيل يعني استحضار صور أو مواقف مهدئة عند مواجهة شيء به ثقوب صغيرة، كأن تتخيل مشهد غروب الشمس الجميل أو حقلًا من الزهور.

وقد يساعدك أيضًا أسلوب الإلهاء البسيط على السيطرة على مشاعرك، فإذا رأيت شيئًا مثيرًا؛ يمكنك النظر بعيدًا إلى شيء آخر حتى تخف الأعراض.

  • الأدوية 
  • مضادات القلق: يمكنها تقليل أعراض القلق المرتبطة بالرهاب، بما في ذلك الذعر والتعرق وسرعة ضربات القلب وضيق التنفس.
  • البنزوديازيبينات: هي مثبطات للجهاز العصبي المركزي؛ يمكن استخدامها لتهدئة الشخص الذي يعاني التوتر والقلق والذعر استجابة للرهاب.
  • مثبطات امتصاص السيروتونين الانتقائية: تساعد على علاج الرهاب عن طريق تنظيم مادة السيروتونين، وهي مادة كيميائية في الدماغ تؤثر في الحالة المزاجية والقلق.
  • حاصرات بيتا: يمكنها السيطرة على آثار  القلق، إذ تعمل على إبطاء معدل ضربات القلب، وتساعد على خفض ضغط الدم.

وإضافة إلى ما سبق، فهناك بعض الممارسات التي قد تفيد أيضًا في السيطرة على حالة الرهاب، نذكر منها: 

  • كثرة النشاط البدني وممارسة الرياضة لإدارة القلق.
  • تمارين اليقظة الذهنية والتأمل الواعي للمساعدة على التعامل مع التوتر.
  • الحصول على قسط كاف من الراحة.
  • تناول نظام غذائي صحي ومتوازن.
  • تجنب الكافيين والمواد التي تعزز القلق.
  • التواصل مع الأصدقاء أو العائلة أو مجموعة الدعم لمشاركة مشكلاتك.

وفي النهاية…

قد يعاني الكثيرون مخاوف ومشاعر غير منطقية، وبغض النظر عما إذا كانت فوبيا النخاريب والثقوب حقيقة أم لا، فلا ينبغي تجاهل أي استجابة مفرطة نحو شيء يدفعك إلى سلوكات تضر بحياتك اليومية.

لا تتردد أبدًا في استشارة الأطباء والمختصين لاختيار وسائل العلاج وأساليب التأقلم المناسبة، كما أن مشاركة مخاوفك ومشاعرك مع أصدقائك وأحبائك يساعدك على الحصول على الدعم المناسب في أثناء رحلة الشفاء.

المصدر
TrypophobiaEverything You Should Know About TrypophobiaTrypophobia or the Fear of HolesWhat Is Trypophobia?
اظهر المزيد

د. مي جمال

صيدلانية ومترجمة وكاتبة محتوى طبي. أحب البحث والتعلم، ولا أدخر جهداً لمشاركة وتبسيط ما تعلمت للآخرين. أعتز بالنفس البشرية، وأهوى البحث في أعماقها، ولا أجد أبلغ من الكلمات للتعبير عنها ومناقشة قضاياها، مساهمةً في نشر الوعي والارتقاء بحياة البشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق