ترياق الأمراض النفسية

كثرة النوم | Hypersomnolence

منذ عدة سنوات، كنت أستخدم مصطلح “قوقعتي الخاصة” للتعبير عن غرفتي التي ألجأ إليها معظم الوقت، أُفضِّل قضاء أغلب يومي فيها، أنام كثيرًا خلال النهار والليل، وأغادرها قليلًا..

غير أن هذه الأعراض كانت حِيَلًا للهروب من الواقع إثر معاناتي من الاكتئاب، فقد كنتُ أُفضِّل الاختلاء بنفسي أغلب الوقت، إلا أن كثرة النوم كانت إحدى الأمور المؤثرة عليَّ سلبًا، فلا طاقة لي بمذاكرةٍ أو ممارسة أي نشاط، فقط نومٌ يجلب نومًا أكثر، وهكذا تدور أيامي في دائرةٍ لا أستطيع منها فكاكًا.

وبالبحث عن كثرة النوم -وتُعرَف بالإنجليزية hypersomnolence-، وجدتُ أسبابًا أخرى كثيرة قد تؤدي إليها، منها ما هو عضوي، وبعضها الآخر نفسي، وأحيانًا قد تكون بلا سبب محدد. 

في هذا المقال، نتحدث معًا عزيزي القارئ عن أسباب كثرة النوم وأعراضها وعلاجها، كما سنبحث سويًّا عن أضرارها المختلفة؛ فتابع معي القراءة.

ما هي كثرة النوم Hypersomnolence؟

هي حالة تشعر فيها باحتياج شديد للنوم عدة مرات خلال النهار، أو يصعب استيقاظك من النوم بعدما تأخذ قسطًا كافيًا من النوم ليلًا.

فمن الطبيعي أن تشعر بالإرهاق والنعاس بعد يومٍ عصيبٍ بالعمل، أو ليلةٍ لم تذق فيها النوم إلا قليلًا، لكن كثرة النوم تدفعك للنوم حتى بعد ثمان ساعاتٍ من النوم يوميًّا.

وتكمن صعوبة هذه الحالة في كونها تؤثر على انتباهك خلال العمل أو الدراسة، أو تحرمك من قضاء وقتٍ مع عائلتك، وربما تصبح خطرًا على حياتك كأن تغفو أثناء قيادة السيارة.

تظهر هذه الحالة في آخر سنوات المراهقة وأول فترة الشباب، فتشيع في أول العشرينيَّات من العمر.

أسباب كثرة النوم

يربط العلماء أسباب كثرة النوم بأحد النواقل العصبية في الدماغ ويسمى “جابا”، إذ له تأثير مهدئ يعمل على تثبيط جهازك العصبي، إلا أن هذه الدراسات لا تزال مستمرة حتى الآن.

ولمعرفة سبب هذه الحالة لديك؛ يبحث طبيبك عن الأسباب العضوية أو النفسية التي قد تؤدي إليها، فمنها:

أسباب عضوية

قد تزيد الرغبة في النوم نتيجة وجود إحدى الحالات الآتية:

  • إصابة بالرأس.
  • الأورام الدماغية.
  • قصور الغدة الدرقية.
  • أمراض الكلى المزمنة.
  • متلازمة الألم العضلي التليفي.
  • أمراض الجهاز الهضمي؛ مثل الداء الزلاقي.
  • اليوريميا أو تبولن الدم.

أسباب نفسية

عادةً ما يصاحب بعض الاضطرابات النفسية تغيرات في نمط النوم، فقد تجد نفسك تلجأ إلى النوم بكثرة إذا كنت مصاباً بأحد الاضطرابات الآتية:

عَرَض جانبي لبعض الأدوية

قد يظهر النوم الكثير مع استخدام بعض الأدوية -خاصةً النفسية-، مثل:

وقد يظهر كأحد الأعراض الانسحابية لبعض الأدوية، أو الإفراط في تناول الكحول، أو المواد المخدرة.

اضطرابات النوم الأخرى

قد تظهر كثرة النوم كواحدة من أعراض اضطرابات النوم الأخرى، مثل:

  • متلازمة توقف التنفس أثناء النوم.
  • الخدار أو النوم القهري.
  • متلازمة تململ الساقين.
  • اضطراب حركة الأطراف الدورية.

زيادة الوزن

تمثل زيادة الوزن تحديًا في التمتع بنمط نوم جيد؛ إذ تظهر كثرة النوم كواحدة من نتائج زيادة الوزن، فيقل معدل الأيض واستهلاك الطاقة بالجسم، مما يزيد من صعوبة فقد الوزن الزائد.

كما قد يؤدي النوم الكثير إلى زيادة الوزن؛ إذ إن انخفاض الطاقة والشعور بالخمول يدفعانك إلى تناول كميات أكبر من الكربوهيدرات؛ لتعطيكَ شعورًا بالنشاط والتغلب على هذا الخمول، لكن هذه الأطعمة ستزيد من وزنك بالنهاية.

وإذا لم يجد طبيبك أيًّا من الأسباب السابقة لديك، يكون نومك الكثير في هذه الحالة بدون سبب واضح.

وتبعًا لذلك، يمكن تصنيف النوم الكثير في نوعين رئيسيين، فيكون:

  • أوّلِيًّا: إذ يعبر عن النوم بكثرة خلال اليوم بدون وجود سبب آخر.
  • ثانويًّا: حيث يكون نتيجة أسباب أخرى كالسابق ذكرها.

اعراض كثرة النوم

اعراض كثرة النوم

تظهر الرغبة في النوم الكثير كأهم أعراض هذه الحالة، بالرغم من الحصول على سبع ساعاتٍ أو أكثر من النوم ليلًا، هذا بالإضافة إلى:

  • الغفوات المتكررة خلال اليوم.
  • صعوبة الاستيقاظ من النوم صباحًا حتى بعد ليلة طويلة من النوم العميق.
  • فقد التركيز والانتباه، والذي قد يستمر لعدة دقائق أو ساعات بعد الاستيقاظ.
  • زيادة ساعات النوم؛ إذ قد تصل إلى النوم لمدة 14 إلى 18 ساعة يوميًّا.
  • الخمول وانخفاض الطاقة للعمل أو المذاكرة أو القيام بأي أنشطة.
  • التفكير والتحدث ببطء.
  • فقد الشهية.
  • الهلوسة.

ويمكن تشخيص كثرة النوم تبعًا لمدة استمرار هذه الأعراض، فيكون الاضطراب:

  • حادًّا: إذا استمرت هذه الأعراض لمدة شهر أو أقل، مع تكرارها مرتين إلى ثلاث مرات أسبوعيًّا.
  • متوسطًا: إذا استمرت لمدة أقل من ثلاثة أشهر.
  • مستمرًّا: إذا امتدت هذه الأعراض لثلاثة أشهر أو أكثر.

أضرار كثرة النوم

لا شك أن احتياج الجسم للراحة يساعده على التمتع بالنشاط الكافي والصحة الجيدة، لكن في حالتنا هذه ينقلب الأمر إلى ضده، فلا نشاط أو صحة، ولا اكتفاء من الراحة تحصل عليه من هذا النوم الكثير، فمن أضرار كثرة النوم:

  1. الاكتئاب:

قد يدفعك انخفاض النشاط والإنتاجية إلى الدخول في نوبات اكتئاب -أو زيادته إذا كنت تعاني منه بالفعل- فالانعزال عن العالم الخارجي، وترك أنشطتك اليومية، والبقاء بمفردك طويلًا، كلها أمورٌ تزيد من سوء حالتك النفسية.

  1. السمنة أو زيادة الوزن:

فكما أوضحنا سابقًا، يقلل النوم الكثير من معدل الأيض بجسمك، وتسهم قلة الحركة في زيادة وزنك.

  1. داء السكري:

تعمل زيادة الوزن المرتبطة بكثرة النوم كأحد العوامل المساعدة على الإصابة بمرض السكري، ويفقد الجسم القدرة على تنظيم مستوى السكر بالدم.

  1. أمراض القلب:

يسهم الخمول وقلة النشاط والحركة في زيادة احتمالية الإصابة بأمراض القلب.

  1. آلام الظهر:

يعاني البعض ممن ينامون كثيرًا من آلام بالظهر، نتيجة أوضاع نومٍ خاطئة، أو النوم في أماكن غير مريحة كالنوم على المكتب أثناء العمل، أو نتيجة النوم لساعات طويلة متصلة.

أوضاع النوم الخاطئة
  1. الصداع:

قد ترغب بالنوم لمدة أطول للتخلص من الصداع، لكن أحيانًا تجد الأمر يزيد سوءًا بالرغم من زيادة ساعات النوم، بالإضافة لفقد القدرة على الانتباه وتذكر الأشياء الهامة خلال يومك.

  1. ضعف العضلات:

فقلة مستوى النشاط الحركي، وقلة ممارسة التمارين الرياضية، تسهمان في ضعف قوتك العضلية، وتفقدك القدرة على رفع أشياء بسيطة مع الوقت.

علاج كثرة النوم

كما رأيتَ عزيزي القارئ، فلن تجد الراحة بكثرة النوم، بل قد تحتاج للتخلص منه تجنبًا لأضراره.

ويمكن علاج كثرة النوم بإحدى الطرق الآتية:

علاج الأسباب: 

إذا كان النوم الكثير اضطرابًا ثانويًّا، فيمكن التخلص منه بعلاج سببه؛ كما في حالة قصور الغدة الدرقية على سبيل المثال، إذ أظهر علاجه تحسنًا ملحوظًا في نمط النوم لدى من كانوا يعانون منه.

العلاج بالأدوية:

يمكن استخدام بعض الأدوية المنشطة للجهاز العصبي المركزي؛ لتزيد من انتباهك ومستوى نشاطك، مثل:

  • الأمفيتامين
  • ميثيل فينيدات
  • مودافينيل

كما يمكن أن يصف لك طبيبك بعض مضادات الاكتئاب المناسبة لحالتك، أو مثبطات الأمين أحادي الأكسيداز.

اتباع نمط حياة صحي:

بالحرص على ممارسة بعض التمارين الرياضية، واتباع نظام غذائي صحي، وروتين يومي للنوم. كلها أمور تساعدك على التمتع بنشاط وصحة جسدية جيدة، وحالة نفسية أفضل.

وختامًا عزيزي القارئ، فاضطرابات النوم من الأمور التي يمكن حلها بنجاح، لكن الأهم هو أن تواجه نفسك؛ إذا كان نومك الكثير حيلةً للهرب من حالة نفسية سيئة، أو مسؤولية كبيرة، فنصيحتي لك أن تكُفَّ عن الهرب، فلا طائل منه، ولا راحة تجدها. والأمر يأتي بتكلفةٍ ليست بهينةٍ كما رأيت، فإلى متى تهرب؟! وهل يستحق الأمر كل هذا العناء؟!

المصدر
HypersomnolenceHypersomnolence: What you need to knowHypersomniaHypersomnolence (Hypersomnia) SymptomsHypersomnia
اظهر المزيد

د. آلاء عمر

آلاء عمر، صيدلانية، أم، وكاتبة محتوى طبي، أهدف إلى إيصال المعلومة الطبية للقارئ بسهولة وزيادة الوعي الطبي لدى الناس. مهتمة بمجال الصحة النفسية وما يخص الطفل والمرأة طبياً. مؤمنة بقدرة الإنسان على اكتساب الوعي والتغيير الإيجابي للإرتقاء بمستوى حياته للأفضل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق