ترياق الطفل

كثرة انتقاد الطفل | سهام تستقر بسويداء قلبه!

رحلتنا مع أطفالنا ليست سهلة، هدفنا جميعًا أن نصل بهم إلى بر الأمان؛ ليجدوا مكانهم في هذا العالم.

ولكن في أثناء هذه الرحلة، سنرتكب الكثير من الأخطاء؛ سنتحدث حين يجب أن نبقى صامتين، وسنصمت حين يجب أن نقول الكثير!

أحيانًا سنكون بكامل نشاطنا معهم وسنشاركهم مرحهم كما لو كنا بنفس أعمارهم، وسنجاهد أنفسنا ولن نقوى أحيانًا أخرى على القيام من الفراش كي نلبي احتياجاتهم!

سيكون هناك الكثير من المواقف التي سنتعامل معها كما يجب، وسيكون هناك العديد من الأخطاء، ولكن مادامت هذه الأخطاء متوازنة مع ما يكفي من الحب والدفء والتواصل، فلا بأس.

ومع ذلك… يمكن أن يكون للأشياء التي نقوم بها كآباء عواقب طويلة الأمد حتى عندما نفعلها بقصد المحبة!

قد لا نرى أثرها السيئ على صغارنا بوقتها، ولكنهم سيحملونها كالجبال على رؤوسهم إلى مستقبلهم، ولن نحقق هدفنا معهم كما تمنينا في البداية، واحد من أهم هذه الأخطاء هو كثرة انتقاد الطفل.

سنوات الطفل الأولى هي الأهم

يُكون الأطفال معلومات عن أنفسهم وعن البيئة المحيطة من خلال عيون آبائهم؛ لأن الطفل يولد كصفحة بيضاء على
استعداد لقبول كل ما يقال له.

إذا أحضرت برتقالة وقلت لك إنها تفاحة، لن تصدقني؛ ببساطة لأن لديك بالفعل معلومات حول البرتقال وكيف يكون،
ولكن ماذا لو لم تكن قد رأيت برتقالة من قبل؟

على الأرجح سوف تصدقني حتى لو كنت مخطئًا، هذا بالضبط ما يحدث مع الأطفال في أثناء طفولتهم المبكرة التي
تعد المرحلة الأهم في حياتهم والتي يمتد أثرها طوال حياتهم.

قيمه ومبادئه وأخلاقه وصورته عن نفسه تتشكل في هذه السن.

فبماذا ستملأ هذه الصفحات؟! 

للمزيد اقرأ: أثر التربية في صورة الطفل على نفسه مستقبلًا.

أضرار النقد المستمر على الطفل

أضرار النقد المستمر على الطفل

تأثير كلماتنا في أطفالنا قوي لأبعد الحدود، فبعض الكلمات قد تجعلهم يحلقون في السماء من فرط السعادة،
وبعض الكلمات كالسهام الموجهة نصب قلوبهم، تلحق الضرر بهم وتترك ندوبًا لن يمحوها الزمان.

فكثرة انتقاد الطفل يسبب الكثير من المشاكل، نذكر بعضًا منها فيما يلي:

يؤثر في أسلوب ارتباطهم

عندما توجه انتقادًا للطفل فأنت بذلك قد توجه له رسالة يترجمها الطفل بأنك لا تحبه، وهذا الشعور قد يتطور شيئًا فشيئًا ويزيد إحساسه بعدم القيمة والحب. 

ونتيجة لذلك قد يبدأ في البحث عن الحب في مكان آخر؛ فالعديد من مدمني الإباحية، والنرجسيين ومحبي السيطرة على الغير، هم البالغون الذين حرموا من الحب عندما كانوا أطفالًا! 

الشعور بالخزي

كثرة انتقاد الطفل أمام الآخرين خاصة؛ تشعره بالخجل من نفسه، ومع مرور الوقت واتخاذ نفس أسلوب النقد السلبي للطفل يشعر وكأن هناك مشكلة شخصية معه، قد يجبره هذا النوع من الشعور على الانسحاب الاجتماعي، والخوف من التعبير عن عواطفه والخوف كذلك من المخاطرة.

تشوه في تكوين صورة عن نفسه

عندما تخبر الطفل عشرات المرات كل يوم بأنه غبي وكسول وفاشل، سيتكون لديه اعتقاد تام بأن هذه الصفات بالفعل موجودة به.

وقد يحاول فيما بعد عندما يكبر ودون وعي إثبات تلك المعتقدات التي كونها عن نفسه؛ فقد يتعمد الفشل في الدراسة لمجرد أن عقله الباطن يريد أن يثبت أنه فاشل كي تتحقق النبوءة.

اقرأ أيضًا: الصحة النفسية للأطفال ضرورة أم رفاهية؟

فقدان الثقة بالنفس

فقدان ثقة الطفل بنفسه هي نتيجة متوقعة بالفعل، ماذا تظن بالطفل الذي يتعرض لانتقاد لاذع طوال الوقت؟!  فكما وضحنا أن الطفل يكون معتقدات عن نفسه من خلال آراء المحيطين به، وتؤدي هذه المعتقدات السلبية تدريجيًا إلى هز ثقته بنفسه.

تكون جروح عاطفية تستمر طوال الحياة

بماذا ستشعر إذا انتقدك مديرك في العمل أمام زملائك؟ ماذا لو وجه لك زوجكِ انتقادًا على مظهرك أو على تصرف ما؟! 

كبالغين ربما نظل نفكر في الموقف وربما يؤذينا نفسيًا لأيام.

فإذا كان انتقاد الشخص البالغ يسبب كل هذا الألم النفسي، فماذا سيكون أثره على طفل لم يدرك بعد كيف يدير مشاعره؟! 

إذا وجهت لطفلك أي كلمة مهينة أو نعته بالغباء أو الفشل فإنه يصاب بجرح عاطفي ربما يستمر طوال حياته.

فإذا كان الطفل يعتقد بأنه غبي، فإن أي تلميح أو ذكر لهذه الكلمة -وإن لم تكن موجهة له- ستذكره بهذا الجرح اللاواعي، وستجعله يشعر بالألم والانزعاج أو بغصة في قلبه مع أنه قد لا يكون مدركاً سبب هذه المشاعر!

اقرأ أيضًا: الطفل الذي تعرض للصدمة| كيف أنسى هذا اليوم؟!

هل انتقاد الطفل يقلل من ذكائه؟

هل انتقاد الطفل يقلل من ذكائه؟

وجد الباحثون أن الأطفال الذين يتعرضون لانتقاد مستمر من قبل أحد الوالدين يولون اهتمامًا أقل لتعابير الوجه الإيجابية والسلبية.

وهو أمر تكيفي؛ فالأشخاص يميلون لتجنب الأشياء التي تجعلهم غير مرتاحين أو قلقين أو حزناء؛ فهذه المشاعر منفرة بالتأكيد.

وهذا الأمر يحد من قدرتهم على قراءة الأشخاص بشكل فعال، وهي مهارة ضرورية لبناء العلاقات بالآخرين.

لذا يمكن القول بأن كثرة انتقاد الطفل تقلل من ذكائه الاجتماعي، وتقوض قدرته على فهم احتياجات ورغبات الآخرين
ومشاعرهم تجاهه، ويؤكد الباحثون أن هذا قد يؤدي إلى إصابتهم بنوبات القلق والاكتئاب. 

ولكن، ابني يطيعني بعد أن أوجه له انتقادًا أو لومًا على أفعاله، إنه حل سحري!

نحن كآباء عندما نوجه انتقادًا لأبنائنا، قد نشعر بأننا نحكم سيطرتنا عليهم، انتقاد الشخص عمومًا يشعر صاحبه بالنفوذ والسيطرة، ولكنه في الحقيقة وهم كبير.

فكثرة توبيخ الطفل تجعله يوجه سلوكه كليًا لتجنب هذا النقد، في بعض الأحيان سيطيعك ويسلك السلوك الجيد،
وفي أحيانٍ أخرى سيكذب بل وربما يحترف الكذب والسرية في أفعاله.

تجنب الانتقاد وإعلان العيوب سيكون الدافع الأساسي للطفل بدلًا من التركيز على الشيء الصحيح، فلا أحد يريد أن
يشعر بالغباء أو الدونية أو أنه المتسبب في خذلان والديه طوال الوقت.

اقرأ أيضًا عن: الخوف عند الأطفال| متى يصبح الأمر خطيرًا؟

هل يعني ذلك ألا نوجه سلوكهم؟

بالطبع لا، سنوجه سلوكهم للصواب ولكن الاستجابة لهم دائما وأبدًا تقوم على التعاطف والصبر، وبطريقة تتيح لهم الفرصة لتعلم الدروس التي يحتاجون إلى تعلمها بأمان ودون كسر شعورهم بذاتهم.

انتقد السلوك وليس الشخص

إذا كانت غرفة الطفل غير مرتبة، لا تقل له: “أنت شخص فوضوي”، ولكن قل: “غرفتك غير منظمة، هل يمكنك ترتيبها؟”

لا تقل له: “أنت شخص غير مهذب”، ولكن قل: “كيف لشخص مهذب مثلك أن يتصرف بهذه الطريقة”.

وهكذا في كل موقف عليك أن تفصل الشخص عن السلوك.

اقترح بعض الحلول الممكنة

إذا كان ابنك يعاني مشكلة في مادة الرياضيات مثلًا؛ فبدلًا من أن تقول له: “لا فائدة منك، أنت ضعيف في هذه المادة”، يمكنك القول: “أعتقد أن دروس الرياضيات الإضافية يمكن أن تساعدك”.

يمكنك الاطلاع على هذا المقال: التشتت وعدم التركيز عند الأطفال.

تقدير الإيجابيات

من الهام التركيز على الإيجابيات وتوضيحها بشكل مستمر؛ فعلى سبيل المثال: 

إذا أنهى طفلك واجبه المدرسي ولكن خط يده كان بحاجة إلى التحسين، فبدلًا من قول: “خط يدك ليس جيدًا”،
يمكنك القول: “إنني معجب حقًا بأنك أنهيت مهامك المدرسية، ولكن أعتقد أننا بحاجة إلى العمل بشكل أكبر على خط
يدك”.

عندما يكون دافعك وراء انتقاد الطفل هو الرغبة بمساعدته بدلًا من الإشارة فقط إلى أخطائه، فمن المحتمل أن يكون
نهجك مختلفًا أيضًا؛ وذلك لأن القصد من الانتقاد يحدد لهجة النهج المتبع وأسلوبه.

نعلم جميعًا من خلال تجاربنا الحياتية بماذا نشعر إذا وجه لنا أحد انتقادًا لاذعًا، ومدى تأثيره المعنوي على أرواحنا!

فإلى متى سنظل نغض الطرف عندما يتعلق الأمر بفلذات أكبادنا!

تذكر دائما أن الرسائل الأولى لطفلك وكيفية رؤية العالم له تأتي منك أولًا؛ لذا قدم هذه الرسائل بعطف ودفء،
وركز على إمكاناته بدلًا من عيوبه، حتى يشعر بالانتماء والأهمية واحترام الذات، وهذا ما نريده بالضبط.

نريدهم أن يحلقوا، لكنهم لن يتمكنوا من ذلك إذا كانت قلوبهم “ثقيلة!”.

المصدر
When Our Kids Get it Wrong – Why Criticism Won’t Work, And What to Do InsteadThe effect of criticism on childrenHow Overly Critical Parents Can Jeopardize Student SuccessCriticism Part I: The Harmfulness of Criticism
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق