ترياق الأمراض النفسية

كره الذات – أنا مليء بالعيوب!

في كل صباح، عندما يرن منَبِّه هاتفي معلنًا مجيء وقت استيقاظي، أشعر بثقل في نفسي، وكأني أحمل جبالًا من الهموم. 

فلماذا أستيقظ؟! وأنا لا قيمة لي، ولا أحد يرغب في وجودي! 

كم مرة راودتك تلك الأفكار في صباحك ومسائك، وتركتك غارقًا في آلامك وأحزانك وكراهيتك لنفسك؟! 

حسنًا يا صديقي… لا تحزن! 

من أجلك كتبنا هذه السطور، فإذا كنت تعاني من كره الذات، فأقرضنا من وقتك بضع دقائق، لتفهم أكثر ما يحدث داخلك، وتتعلم كيف تتغلب عليه وتواصل حياتك.

هيا بنا…

ماذا يعني كره الذات؟ 

كراهية النفس هي هذا الشعور الدفين الذي يخبرك دائمًا بأنك لست جيدًا بما يكفي، لست جيدًا في فعل هذا ولا ذاك، بل لست جيدًا في فعل أي شيء على الإطلاق. 

 ينشأ هذا الشعور عندما تستجيب لذلك الصوت الناقد بداخلك، الذي لا ينفك يوبخك ويعنفك ويخبرك كم كنت غبيًا في هذا الموقف أو ذاك، وكم كنت فاشلًا وعرضت نفسك للإحراج!

غالبًا ما ينعكس هذا الصوت على صاحبه كشعور من الدونية وعدم الاستحقاقية.

 وفي بعض الأحيان، يحاول الشخص أن يقاوم هذا الصوت بأن يبدو أفضل وأكثر ذكاءً من الآخرين، ويُسَخِّر كل إمكانياته لإثبات ذلك. 

لكن ذلك الصوت الناقد بداخله غالبًا ما يكون أقوى منه، وما يلبث أن يعيده إلى دائرة كراهية ذاته مرة أخرى. 

علامات تدل على كره الذات 

إليك يا صديقي بعض العلامات التي يجب أن تنتبه إليها جيدًا، لأنها تعد بمثابة جرس إنذار ينبئك بأنه ربما قد تكون وقعت في فخ كره الذات. 

تشمل تلك العلامات ما يلي:

  • دائمًا ما تتحدث إلى نفسك بلهجة قاسية للغاية، مثل أن تقول لنفسك: “أنا غبي!” أو “كم أنا فاشل!”.
  • تشعر دائمًا بعدم الأمان مع الآخرين. 
  • لا تهتم بمظهرك. 
  • تهمل في صحتك واعتنائك بجسمك. 
  • تقاوم كل سبل النجاح، ولا تسمح لنفسك بأن تكون سعيدًا. 
  • ترفض إطراء الآخرين عليك، ونصحهم لك، وعرضهم لمساعدتك. 
  • تميل إلى العزلة وعدم الاختلاط. 
  • تشعر دائمًا بأنك ضحية للظروف غير الملائمة. 
  • فاقد للأمل في الحياة، وليس لك أهداف تسعى لتحقيقها.

إذن…

ما هي أسباب كره الذات؟ 

 أسباب كره الذات

كره الذات هو شعور يكبر بداخلك بمرور الوقت، وغالبًا ما تشترك عدة عوامل في نشأته وتطوره، مثل: التعرض لصدمة عصبية، أو السعي للكمال، أو التوقعات الخاطئة، أو المقارنات المجتمعية، والعديد من التصرفات المكتسبة الأخرى. 

التعرض لصدمة عصبية 

غالبًا ما يكون لدى الأشخاص الذين يعانون من كره الذات العديد من الذكريات المؤلمة، التي تتعلق بصدمات نفسية تعرضوا لها في فترة ما من حياتهم -خاصةً طفولتهم- مثل: الاعتداء الجنسي أو الجسدي أو الإهمال العاطفي. 

عندما يتعرض الطفل لصدمة ما، فإنه يفقد الإحساس بالأمان في عالمه وكل من حوله، ولكي يستطيع التعايش مع هذا الشعور البغيض، يلجأ أحيانًا إلى وصم نفسه بأنه عديم القيمة، ويستحق ألا يكون محبوبًا أو مرغوبًا به. 

في بعض الأحيان، يسمع الطفل هذه العبارات بالفعل ممن يحيطون به، فتترسخ في ذهنه ونفسه، وتصبح مع مرور الوقت الحقيقة التي يؤمن بها عن نفسه. 

التوقعات الخاطئة

من الطبيعي أن يرغب الإنسان في الشعور بالتفوق والإنجاز، لكن أحيانًا يقودنا هذا الشعور إلى قبول مهام تفوق متطلباتها إمكانياتنا، فتكون النتيجة هي الإخفاق في أدائها. 

وهنا يأتي هذا الصوت الداخلي الذي يشعرنا بالخزي والعار، وكم كان أداؤنا محبطًا ومخيبًا للآمال. 

حتى وإن أخبرنا صوت العقل أن توقعاتنا هي التي كانت غير منطقية، فإن ذلك الصوت الداخلي الناقد غالبًا ما ينتصر في النهاية. 

محاولة إسعاد الآخرين على حساب النفس

البشر كائنات اجتماعية، تسعى دائمًا إلى الشعور بالانتماء والحب ممن حولهم.

 وفي رحلتهم لتحقيق ذلك، تنشأ لدى البعض أحيانًا مفاهيم خاطئة عن العلاقات، فيعتقدون أنهم يجب أن يكونوا دائمًا
عند حسن ظن الآخرين، ويجب أن يجعلوا شركاءهم في العلاقات سعداء طوال الوقت بهم ومعهم.

 فإن فشلوا في تحقيق ذلك لأي سبب، ظنوا أن العيب منهم، وأنهم لا يستحقون التقدير والحب،
وقد يتطور الأمر معهم إلى درجة من كره الذات واحتقارها.  

السعي إلى الكمال 

لدى العديد من الناس هوس الكمالية، فهم لا يسمحون لأنفسهم بأي خطأ، ولا يعتقدون بالأخطاء البشرية،
وليس لديهم حدود لما يمكنهم فعله وما لا يمكنهم. وغالبًا ما يصطدمون بصخرة الواقع المؤلمة،
التي تعطيهم درسًا قاسيًا مفاده أنهم بشر وأن الخطأ سيظل ديدنهم، فيؤدي ذلك أحيانًا إلى شعورهم
بالإحباط من أنفسهم وكراهية ذاتهم. 

المقارنات الاجتماعية

عندما ينظر الإنسان إلى الآخرين ويقارن نفسه بهم طوال الوقت، ينشأ لديه شعور دائم بأنهم أفضل منه،
ويظل يدور في دائرة مغلقة من بخس عمله وجهوده وإنجازاته، لأنه يرى الآخرين دائمًا يحققون ما لا يستطيع تحقيقه. 

ما تأثير كره الذات في حياة الإنسان

تأثير كره الذات في حياة الإنسان

يؤثر كره الذات على من يعانون منه تأثيرًا بالغًا في جميع المناحي، فمثلًا:

  • يؤثر على نظرتهم لأنفسهم: فهم يفكرون في أنفسهم بشكل سلبي، ويفتقرون إلى الثقة بالنفس، ويشعرون بالدونية. 
  • يؤثر على عملهم: فمن يشعر أنه فاشل دائمًا وغير قادر على إنجاز شيء، سيسير على هذا النهج في مهام عمله أيضًا، وبالتالي قد تنهار حياته المهنية. 
  • يؤثر على علاقاتهم بعائلاتهم أو بشريك الحياة: لأنهم يريدون أن يظهروا دائمًا بمظهر مثالي،
    فوجودهم في علاقات مقربة حيث يراهم الآخرون في لحظات ضعفهم، تضع عليهم نوعًا من الضغط وعدم الارتياح. 
  • يؤثر على اتخاذهم للقرارات: حيث يشعرون دائمًا بالعجز والتردد، فيؤجلون اتخاذ القرارات المهمة لظنهم أنهم غير قادرين على تحمل مسؤولية اتخاذها.

كيف تتغلب على مشاعر كره الذات لديك؟

 

إذا كنت تعاني من كراهية النفس، فعليك أن تتوقف لحظة يا صديقي، لكي تعيد ترتيب أفكارك، وتلملم شتات نفسك،
كي تتمكن من التصالح معها، فهذا هو السبيل الوحيد لنجاحك في هذه الحياة. 

وسنقدم لك هنا بعض الأفكار التي ستساعدك على تحقيق ذلك:

1- توقف عن مقارنة نفسك بالآخرين

تأكد أن ما يظهر لك من حياة الآخرين المثالية، يخفي وراءه الكثير من لحظات الضعف والعجز والفشل،
لأن هذه هي طبيعة البشر التي جُبلوا عليها، فلا أحد ناجح دائمًا، ولا أحد على حق دائمًا، فجميعنا نخطئ،
ونتعثر ونقوم… هذه هي الحياة. 

2- افعل شيئًا تحبه كل يوم

لا يهم ما هو هذا الشيء، أو ما هي أهميته بالنسبة للآخرين، المهم أنه يشعرك بالاسترخاء والراحة، ربما يكون تمشية صباحية في الهواء الطلق، أو صنع وجبة تحبها أو غير ذلك. 

3- تعلم أن تعبر عن نفسك وعن مشاعرك

لست مطالبًا بأن يراك الآخرون جلدًا وصلبًا دائمًا، وما هو بضعف أن تعبر عن مكنونات نفسك لمن يهتم لأمرك، فهذا سيذكرك بأنك بشر، وأن الضعف والخطأ ليس عيبًا. 

4- تعهد نفسك بالحب والرعاية

واجه نفسك بأفكارك السلبية عنها، وحاول تغييرها والسيطرة عليها، واعتنِ بمظهرك وصحتك، وقدر مواهبك، وتأكد أنك تستحق الحب والاحترام رغم كل شيء. 

أخيرًا يا صديقي، فلتعلم أن نفسك هي رفيقك الدائم في هذه الحياة، وحبك لها بلا إفراط أو تفريط هو سبيلك الأهم لتنعم بحياة هادئة مستقرة.

المصدر
Self-LoathingHow to Stop Your Self-HatredSelf-Loathing: 15 Signs You Hate Yourself (& Why it Happens)
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق