ترياق الأسرة

كيفية التعامل مع المراهق | ماذا حلَّ بطفلي المطيع؟

في رسالة مؤثرة، تسأل إحدى الأمهات عن كيفية التعامل مع المراهق:

“في طفولته، كنتُ رُبّان سفينته؛ أنشر أشرعة حبي، وأطوقه بحناني، وأدير دفة أيامه بحرص، فأقيه من شر نفسه، وأصدُّ عنه عواقب أفعاله.

كان التواصل بيننا لا يحتاج إلى كلمات؛ إذا التقت أعيننا فهمت ما يزعجه، وإذا بكى كفكفت دموعه بأناملي، وإذا خاف خبأته بين ضلوعي وفرشت له قلبي ليكون مستقره ومأواه.

فما باله اليوم يُعرِضُ عني كأنه غريب؟ أناديه فلا يجيب، ويخاطبني بحدة وغضب! حتى صرت أسأل نفسي: هل غيروا لغة الكلام؟! 

أين اختفى طفلي الوديع المطيع؟ لست أدري!”

لهذه الأم، ولغيرها من الأمهات والآباء، نهدي هذا المقال عن كيفية التعامل مع المراهق، وكيف تصل بطفلك إلى بر الأمان.

ما هي فترة المراهقة؟

فترة المراهقة

هي فترة انتقالية يتحول فيها ابنك -أو ابنتك- من طفل يعتمد عليك اعتمادًا كليًّا، إلى شخص بالغ مستقل بذاته وتفكيره.

في هذه الفترة، تنضج القشرة المخية -المنطقة المسؤولة عن اتخاذ القرارات– تدريجيًّا، ولكن لا يكتمل نضجها حتى العشرينيات من العمر.

وتؤثر التغيرات الهرمونية التي تصاحب بلوغه على انفعالاته، ويصبح أكثر حساسية من ذي قبل.

لذا، فإنه -مهما بدا كبيرًا- قد يتصرف بتهور ويسيء فهم انفعالاتك، مما يتطلب منك بعض الحكمة لمعرفة كيفية التعامل مع المراهق.

متى يبدأ سن المراهقة؟ 

لا يمكنك معرفة متى يصل طفلك إلى فترة المراهقة أو يبلُغ بالتحديد؛ إذ يختلف الأمر من طفل إلى آخر، فلكل نموه وظروفه الخاصة. 

فقد تظهر بعض التغيرات الجسمانية لدى بعض الأطفال في سن مبكرة ويصاحبها تغير مفاجئ في بعض التصرفات، بينما يتأخر ظهورها عند الآخرين.

ولكن يمكن تقدير بداية سن المراهقة في الفترة من 8 إلى 14 سنة -تقريبًا-، بناء على ما يظهر على طفلك من تغيُّرات جسمانية ونفسية. 

وتبلغ الفتيات -عادة- قبل الفتيان.

مراحل فترة المراهقة

يمكن تقسيم فترة المراهقة إلى ثلاث مراحل، يتطور فيها طفلك جسمانيًّا ونفسيًّا وعقليًا ليصبح إنسانًا بالغًا راشدًا.

المرحلة المبكرة (من 8 إلى 13 سنة)

  1. يبدأ طفلك بملاحظة التغيُّرات الجسمانية المصاحبة للبلوغ، مثل: ظهور الشعر في بعض مناطق جسمه، ونمو أعضائه التناسلية.
  2. قد تثير تلك التغيٌّرات فضوله وقلقه في آن واحد؛ إذ يعجز عن فهم ما يمر به، ولا يستطيع تحديد ما هو طبيعي أو غير طبيعي.
  3. ينصب تركيزه على نفسه، فيهتم بمظهره، وقد يقارن نفسه بالآخرين.
  4. يبدأ في الانفصال عنك بشكل تدريجي، وقد يرفض الانصياع لبعض القواعد على غير المعتاد.

المرحلة الوسطى (من 14 إلى 17 سنة)

  1. تستمر التغيرات الجسمانية في هذه المرحلة، فيزداد طوله، ويتغير صوته، وتنتظم الدورة الشهرية لدى الفتيات.
  2. يلفت الجنس الآخر انتباهه، وقد يبدأ بطرح بعض الأسئلة الحرجة، أو يبحث عن إجابات لتساؤلاته مستخدمًا الإنترنت -إن لم يجد من يرشده.
  3. تزداد الخلافات بينه وبين الأهل؛ إذ يسعى للاستقلال واتخاذ قراراته بنفسه، ويرغب في احترام خصوصياته.
  4. يهتم بآراء أصدقائه -وإن تعارضت مع رأي الأهل- ويسعى لإثبات نفسه بين أقرانه.
  5. قد تطرأ بعض التغيرات على ذوقه، واهتماماته، ومظهره، ويتأثر بما يشاهده أو يسمعه.
  6. قد يتصرف باندفاع معتقدًا أن تفكيره لا تشوبه شائبة، وتؤثر انفعالاته وعواطفه على قراراته.

المرحلة الأخيرة (من 18 إلى 21 سنة)

  1. يصبح المراهق أكثر قدرة على اتخاذ القرارات وتقدير عواقب تصرفاته.
  2. ينصب اهتمامه على شكل مستقبله، ويبني خططه وأحلامه وطموحاته.
  3. يشارك آراءه مع عائلته، مع المحافظة على تفكيره المستقل.

والجدير بالذكر أن التعامل الخاطئ مع المراهق ومحاولة فرض السيطرة دون إتاحة مساحة للحوار، سيؤثر سلبًا على علاقتكما، خاصة في المرحلة الأخيرة.

وكم سمعنا من آباء يهتفون: “ابني المراهق يكرهني”!

كيف تصادق ابنك المراهق دون تطفل وتأثير ذلك على علاقتكما المستقبلية

لعلك تسأل الآن: كيف أتعامل مع ابني المراهق؟ أو كيف أعدل سلوك ابني المراهق؟

يتطلب الأمر منك الكثير من الهدوء والروية والوقت والجهد، لتتمكن من فهم طباع المراهق، ومد جسور الثقة بينكما، وتوفير الدعم والنصح اللازمين له.

تحدث معه باستمرار 

تحدث معه باستمرار

تبدأ هذه الخطوة في مرحلة مبكرة من العمر؛ فلابد أن يعتاد طفلك على اللجوء إليك إذا ساورته أي تساؤلات أو مخاوف.

  • مهِّد له -تدريجيًّا- التغيُّرات التي قد تطرأ عليه، مثل: البلوغ والدورة الشهرية.
  • لا تتفاد أسئلته المحرجة بل امنحه قدرًا من المعلومات بما يتلاءم مع عمره؛ حتى لا يبحث عن مصدر آخر للمعلومات.
  • إذا لاحظت عليه اهتمامًا شديدًا بنفسه -تزامنًا مع بداية بلوغه- اسأله إذا كان يلاحظ أي تغيُّر في جسمه، أو ينتابه أي شعور غريب.
  • حدِّثه عن فترة مراهقتك، واحكِ له عن التحديات التي واجهتك؛ كي يطمئن أنه ليس وحده، وأنك تفهم ما يمر به.
  • اسمح له بالتعبير عن رأيه دون أن تهاجمه، وناقشه في أفكاره بهدوء.

اغمره بحبك واهتمامك 

قد يسيء المراهق فهم تعبيرات وجهك والقصد وراء تصرفاتك نظرًا لاندفاعه.

  • احرص على إظهار مدى حبك له وافتخارك به بين الحين والآخر.
  • لا تربط بين أفعاله ومقدار حبك له بل امنحه حبًّا غير مشروط.
  • وجه نقدك للسلوك الخاطئ ذاته، ولا تنتقد شخصه أو تنتقص منه.
  • شجعه إذا حقق نجاحًا، وهوِّن عليه إذا لم ينجح وأظهر تقديرك لمجهوده.
  • حافظ على الروابط الأسرية؛ فاحرص -مثلًا- على أن يتناول أفراد الأسرة غداءهم معًا. 

دعه يشارك في صنع القرارات 

يقع العديد من الآباء في فخ التحكم الزائد في كل شاردة وواردة، فيُضيق الخناق على المراهق ظنًّا منه أنه يحميه، ولكنه -في الحقيقة- يُنشئ مراهقًا متمردًا. 

  • عدِّل بعض القواعد القديمة -كتلك المتعلقة بمواعيد النوم- بما يتلاءم مع عمر ابنك، وامنحه مساحة من حرية الحركة.
  • تناقش معه حول التصرفات غير المقبولة، ووضح له وجهة نظرك.
  • دعه يشاركك في وضع القواعد الجديدة، واتفق معه على مجموعة من العواقب -الواضحة وغير المبالغ فيها- في حال بدر منه ما يسيء.
  • كن منطقيًّا عند وضع القواعد؛ لا تختر قاعدة صعبة التنفيذ ثم تعاقب ابنك على عدم اتباعها!
  • اجعله جزءًا من يومك؛ ,دعه يشاركك تجهيز الطعام مثلًا، وأسأله عن رأيه في بعض القرارات المهمة.

تابع بيئته المحيطة

من الضروري أن تبقى على دراية بما يشاهده ويتلقاه ابنك المراهق من بيئته المحيطة، سواء أكان في المنزل أم المدرسة.

  • حدد ساعات مشاهدته للتلفاز أو استخدامه للإنترنت.
  • انتبه لفترات جلوسه الطويلة بمفرده، وشجعه على مشاركتك ما يتلقاه.
  • اعرف من يصادق ولكن دون أن تبالغ في التضييق عليه أو أن تحاول التطفل على خصوصياته.
  • لابد أن تبقى على دراية بالأماكن التي يتردد عليها، وأن تعرف مواعيد عودته.

كن له مثالًا يحتذى به

كن أنت التغيير الذي تود أن تراه في طفلك، تمالك أعصابك وتحدث بهدوء، ولا تندفع وراء انفعالاتك.

ما العلامات التي تشير إلى وجود مشكلة؟

العلامات التي تشير إلى وجود مشكلة
  • التغير المفاجئ في مظهره، إذا صاحبه سلوكٌ سلبي -كأن يتعمد إيذاء نفسه.
  • التغير المفاجئ في الوزن (زيادة أو نقصانًا).
  • التعامل العنيف مع من حوله أو اعتداؤه على الآخرين.
  • الهروب من المدرسة، وتدني مستواه الدراسي فجأة.
  • التغيرات المزاجية العنيفة والميل للعزلة؛ قد يدل ذلك على تعرضه لمشكلة أو معاناته من الاكتئاب.
  • الالتحاق بمجموعة من رفاق السوء، أو ظهور بوادر إدمان.

كيفية التعامل مع المراهق العنيف

  1. ضع حدودًا واضحة لكل منكما في أثناء الغضب، فلا يجوز مثلا أن يعتدي على من حوله مهما كان غاضبًا. 
  2. حاول معرفة أسباب غضبه… هل يعاني مشكلة ما؟ هل يتعرض للتنمر في المدرسة؟ هل يشعر بالاضطهاد؟
  3. علِّمه كيف يُنفِّس عن غضبه بطريقة صحية، كأن يلكم وسادة، أو يمارس رياضة كالركض أو ركوب الدراجة، أو أن يعبر عنه بالرسم أو الكتابة.
  4. امنحه مساحة آمنة ليراجع تصرفاته؛ لا تطارده -لائمًا إياه- في كل غرفة بالمنزل إذا حاول تجنبك وقت غضبه.
  5. تحكم في غضبك أمامه وقاوم استفزازه كلما أمكن، أو أوقِف المناقشة حتى تتمالك أعصابك.
  6. استعن بمعالج نفسي إذا كانت تصرفاته ناتجة عن وجود مشكلة نفسية، أو ظهرت أي من العلامات شديدة الخطورة السابق ذكرها.

ربما -عزيزي القارئ- كان التغير المفاجئ في الأحداث مخيفًا ومقلقًا، ولكن هذه الزوبعة ستمر -حتمًا- في سلام، إذا أوليت ابنك المراهق الاهتمام الذي يستحقه.

كان الله في عونك!

المصدر
A parent’s guide to surviving teen yearsStages of adolescenceThe growing child: teenagers (13-18 years)Parenting skills: Tips for raising teensThe experience of parenting a teenHelp for parents of troubled teens
اظهر المزيد

د. لميس ضياء

صيدلانية إكلينيكية، قضيت شطرًا من عمري بحثًا عن العلم، وأنوي قضاء الشطر الآخر في تبسيط ما تعلمته وتقديمه بلغة سهلة مستساغة للجميع. تستهويني النفس البشرية وأسعى دومًا لسبر أغوارها، وفك طلاسمها، وفهم ما قد يؤرقها من اضطرابات واعتلالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق