ترياق الأمراض النفسية

كيف تؤثر الأم في الصحة النفسية للأسرة؟

 نبع الحنان ومصدر الأمان، قطعة من الجنة على أرضي تعيش.

أول من رأت عيني وأجمل صديقة، ترعى مصالحنا وتهتم بأمورنا؛ أصغرها وأكبرها.

أمي هي الدواء لدائي، ونقطة القوة لضعفي، والجبل الصلب المتين الذي حمل الهموم والأحزان فوق أكتافه دون أن تشكو أو تشعرنا بأحزانها.

حملت على عاتقها جميع أمور حياتنا، وأحسنت تربيتنا، ولطالما تساءلت كيف أتت بكل هذه الحكمة التي ربتنا بها.

واليوم فقط أدركت السر وتوصلت إلى الإجابة المنتظرة لجميع تساؤلاتي، بعد أن أنهيت دراستي في كلية الطب النفسي.

وأصبح بمقدوري تفسير وتحليل خطتها المعتمدة التي كبرنا عليها، وقدرتها على مساندتنا في حل مشكلاتنا.

سأصحبكم في هذا الترياق في رحلة جميلة أكشف لكم فيها أسرار تربية أمي لي ولإخوتي، وكيف كان لها دور عظيم في الاهتمام بصحتنا النفسية والعقلية.

كيف يؤثر دور الأم في الصحة النفسية للأبناء؟

كانت أمي وما زالت تهتم بصحتنا الجسدية والبدنية، وتدرك أهمية أن نتمتع بجسم سليم، لكن المميز في الأمر أنها لم تغفل عن دورها في صحتنا النفسية والعقلية.

فهي تعلم جيدًا أن الصحة النفسية تؤثر في تفكير الفرد، وتُكوِّن مشاعره، وتسيطر على تصرفاته.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

لذلك كانت دائمة الحرص على تعزيز الصحة النفسية لدينا؛ من خلال خلق بيئة منزلية صحية يسودها الدعم والمحبة والتفاهم.

إليكم في هذه الفقرة بعض الأساليب التي كانت تتبعها في رعاية صحتنا العقلية: 

  • بناء علاقات قوية

مائدة الغداء كانت الساعة المقدسة في منزلنا، نتجمع حولها يوميًا لنقضي وقتًا عائليًا ممتعًا ومميزًا للغاية، ونتبادل فيه النقاش عن أحوالنا وأمورنا.

تسهم الأمهات بشكل كبير في تكوين شخصية الأبناء؛ وذلك من خلال توطيد علاقة أبنائها بسائر أفراد الأسرة والأصدقاء، فيساعد ذلك الطفل على أن يكون أكثر مرونة ومشاركة للآخرين.

  • احترام المشاعر والتشجيع

أتذكر ذلك اليوم في مرحلة طفولتي، عندما عدت لمنزلي باكيًا بعد يوم دراسي طويل، أشكو لها تعرضي للتنمر من زملائي بعد أن أخفقت في الإجابة على سؤال معلمي.

فما كان منها إلا أن ربتت على كتفي ووجهت أنظارها بقوة نحوي، وقالت لي بنبرة يغمرها الحب والحنان: لا عليك يا صغيري! فأنا أعلم أنك مجتهد وتسعى دائمًا لتحقيق أفضل ما عندك.

من الضروري أن تحترم الأم مشاعر طفلها، وتضع في حسبانها أنه يمر بلحظات حزن وغضب تؤثر في حالته النفسية والمزاجية، ويحتم ذلك عليها أن تقف بجوار طفلها وتساعده على التحدث والتعبير عن مشكلاته، والإصغاء إليه جيدًا.

  • تنمية احترام الذات

ساعدت أمي في تكوين شخصيتنا، وعلمتنا كيف نقدِّر أنفسنا.

قالت لي يومًا: يجب عليك أن تقدر ذاتك وتحترمها، وتسعى دومًا لتقييم نفسك.

نستطيع القول أن تربية الأم لطفلها على احترام ذاته يساعده على الشعور بالرضا تجاه نفسه، ويمنحه فرصة لزيادة ثقته بنفسه.

ويمكن تحقيق ذلك عن طريق الآتي:

  • إظهار الكثير من الحب والقبول.
  • مدحه عندما يفعل شيئًا إيجابيًا، كتفوقه في الدراسة أو في الأنشطة الرياضية.
  • مشاركته اهتماماته وأنشطته.
  • مساعدته على تحديد أهدافه وتحقيقها.
  • خلق بيئة منزلية آمنة وإيجابية

اهتمت أمي بجميع جوانب حياتنا، وسعت لجعل منزلنا عالمًا من الراحة والأمان، وذلك من خلال:

  • متابعة استخدامنا لوسائل الإعلام؛ سواء من حيث المحتوى أو مقدار الوقت الذي نقضيه أمام الشاشات، متضمنًا ذلك التلفاز والإنترنت وأجهزة الألعاب.
  • حرصت على عدم مناقشة أي قضايا عائلية خطيرة مثل الأمور المالية أو المشكلات الزوجية أمامنا؛ حتى لا ينتابنا شعور بالقلق بشأن هذه الأشياء.
  • خصصت وقتًا محددًا للنشاط البدني واللعب، كذلك وضعت أوقاتًا محددة لنمارس بعض الأنشطة العائلية معًا.
  • توفير الدعم لحل المشكلات

علمتني أمي كيفية الاسترخاء عندما أشعر بالضيق، كلماتها كالسحر الذي يزيح الهموم ويهدئ من وطأة التوتر الذي بسيطر عليَّ في كل موقف عصيب أمرُّ به.

التنفس العميق وممارسة بعض النشاطات الهادئة والذهاب إلى نزهة سيرًا على الأقدام كانت جزء من نصائحها لي لإعادة التفكير في مشكلاتي، ومساعدتي في إيجاد حلول سليمة لها، والوصول لأفكار من شأنها تحسين موقفي وحالتي النفسية.

كيف تؤثر المرأة في الصحة النفسية لزوجها؟

كانت أمي على دراية بأن الصحة العقلية والنفسية الجيدين للطفل تبدأ بالوالدين.

لذا، لم تتوانَ أمي في مراعاة الصحة النفسية لوالدي، وكانت على قدر كبير من الإيمان أن دورها تجاهه لا يقل أبدًا عن دورها تجاهنا.

إليكم مجموعة من النصائح والأساليب الذهبية التي اعتمدتها والدتي للاهتمام بصحة والدي النفسية:

  • تقديم الشكر والتقدير 

الشكر والتقدير هما غذاء الرجل…

هكذا كانت تردد أمي عندما تتحدث معي وإخوتي عن واجبنا في تقديم الشكر لوالدي لكل ما يبذل من مجهود في عمله وفي مساعدتنا لجعل حياتنا أفضل.

  • توفير الدعم الإيجابي

تحرص أمي على تشجيع والدي دائمًا، من خلال تقديم كلمات الدعم والمساندة التي تهوِّن عليه مصاعب الحياة وضغوطات العمل، والإخفاقات التي بالطبع تمر على أي أسرة.

  • احترام آرائه ومشاعره

حدثتنا أمي كثيرًا عن ضرورة أن يكون الاحترام متبادلًا بين جميع أفراد الأسرة، ولم تكن تكتفي بالحديث فقط؛ فكنا نرى ذلك واضحًا من خلال تعاملها مع والدي؛ فهي تقدر آراءه وتحترمها حتى في وقت الخلاف، وتسعى إلى إيجاد حلول للمشكلات بالنقاش والتفاهم. 

ختامًا…

لا أجد أجمل من بيت الشعر هذا لأختم به مقالي عن أهمية دور الأم في حياتنا:

الأم مدرسة إذا أعددتها .. أعددت شعبًا طيب الأعراق

الأم هي ميزان البيت، بها تستقيم الحياة وتُبنى الأمم والشعوب…

تحية تقدير واحترام لكل أم أعطت وما زالت تعطي من جهدها الكثير.

تحية لكل أم ترى أن دورها في الصحة النفسية لأسرتها هو استثمارها الحقيقي في هذه الحياة.

كتبته د.منى كرم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى