عام

كيف تبدأ المظاهرات (Psychology of riots)؟

قدم الفيلم الشهير “الجوكر” الإنسان المقهور، الذي دفعه الظلم والمرض النفسي والعقلي للتحول إلى مجرم قاتل، وتسبَّب في تأجيج التظاهرات في مدينته، وتحويلها إلى أعمال شغب تحصد الأرواح وتخرب الممتلكات.

على أرض الواقع، شاهدنا أحداثًاَ مماثلة، أوقدها مقتل المواطن الأمريكي الأسمر “جورج فلويد”، وقد أدت إلى الاحتشاد وأعمال العنف وتدخُّل الشرطة، بل والجيش!

هنا يتبادر للأذهان: كيف تبدأ المظاهرات ؟ وكيف يتحول المواطن العادي إلى مثير للشغب؟ فلنتعرف معًاَ إلى الإجابة من خلال هذا المقال…

كيف تبدأ المظاهرات (Psychology of riots)؟

يتطلب فهم الحشود وأعمال الشغب تحليل العديد من العوامل المؤثرة، للتعرف إلى الجذور الحقيقية للعنف الجماعي والتخريب وانتهاك القوانين.

لدى علماء الاجتماع نظريات مهمة لمساعدتنا في فهم هذا السلوك الاجتماعي، ويرشدنا علم النفس كذلك لما قد يحدث للناس في أثناء أعمال الشغب، وكيف تتصرف الجماعات، وكيف ينبغي للسلطات أن تستجيب؟

أعمال الشغب (riot)

هي شكل من أشكال الاضطرابات المدنية التي تتسم بأعمال العنف، وتشمل تدمير الممتلكات العامة أو الخاصة، مثل: المتاجر، والسيارات، والمطاعم، والمؤسسات المملوكة للدولة، والمباني الدينية.

تحدث أعمال الشغب بسبب الفقر، أو البطالة، أو سوء الأحوال المعيشية، أو القمع والمظالم السياسية، أو الصراعات بين المجموعات العرقية (الشغب العرقي) أو الدينية (العنف الطائفي)، أو بسبب حدث رياضي (الشغب الرياضي أو شغب كرة القدم).

الاضطراب المدني (civil disorder)

الاضطراب المدني

الخلل المدني -أو الفوضى/القلاقل المدنية- هو عمل جماعي نشط، مثل مظاهرة أو شغب أو إضراب يصبح المشاركون فيه عدائيين، وتواجه السلطات بسببه صعوبة في الحفاظ على الأمن والنظام من الحشد غير المنضبط.

يتدرج الاضطراب المدني من احتجاج بسيط إلى عصيان مدني جماعي، وقد تكون هذه الأحداث تلقائية أو مخططًا لها مسبقًا. تبدأ الأحداث -عادة- بصورة سلمية، ولكن للأسف كثيرًا ما تتجه للعنف نتيجة الشحن العاطفي.

تعرَّف إلى الطريقة الصحية للتعامل مع الأزمات والمخاوف وبواعث القلق من هنا.

أنواع الحشود (Crowds)

يمكن أن تكون الحشود:

  • حشودًا نشطة/ مشاغبة (الغوغاء mobs).
  • حشودًا خاملة/ مسالمة (الجماهير audience).

علم نفس الحشود/الجموع (Crowd psychology)

المعروف أيضًا بسيكولوجية الغوغاء (Mob psychology)، هذا المجال يتصل بسلوكيات وعمليات التفكير لدى كل من أفراد الجماهير، والحشد ككيان جمعي.

طور علماء النفس الاجتماعيون عدة نظريات، لتفسير الطُرُق التي تختلف بها سيكولوجية الحشد عن سيكولوجية الأفراد الذين يتفاعلون معا.

ومن بين المنظِّرين الرئيسيين في علم نفس الجموع: غوستاف لوبون، وجابرييل تاردي، وسيجموند فرويد.

والآن، سنتعرف أكثر إلى: ” كيف تبدأ المظاهرات ؟”…

سلوك الحشد (Crowd Behavior)

سلوك الحشد

يفقد الناس فرديتهم في حالة الاحتشاد، فيخفت إحساسهم بهويتهم الذاتية، ويتبعون سلوك الحشد بدون تفكير، مما يفسر حديث بعض المشاغبين -بعد الحدث- عن “لحظة جنون”!

يحول أفراد الحشد مسؤوليتهم الأخلاقية من مسؤولية شخصية إلى مسؤولية جماعية يتشاركها الحشد ككل.

يقود الحشد العاطفي والشعور بالخوف أفراد الحشود إلى الانغماس في الاعتداءات، وإطلاق العنان للغضب، رغم ميل هؤلاء الأشخاص لإطاعة القانون في الظروف الطبيعية.

قد تسلح الحشود نفسها بدروع منزلية الصنع، أو أحجار، أو زجاجات حارقة، أو عصي… إلخ. وتنتج عن كل ذلك أعمال شغب وتخريب، وفوضى ومواجهات مع السلطات.

العدوى العاطفية (Emotional contagion)

يؤثر الحشد العاطفي -أو العدوى العاطفية- بشكل كبير في سلوك الحشود، من خلال شعورهم الجماعي بـ”الاتحاد لتحقيق هدف مشترك”، أو “انتسابهم لكيان أكبر”. 

تغذي أعضاء الحشد انفعالات بعضهم بعضًا، الأمر الذي يؤدي إلى تشاركهم مزيجًا من المشاعر الجماعية المحتقنة.

وقد يدفع هذا الشعور بالحشد لتبني عقلية الغوغاء (Mob Mentality)، واتخاذ سلوك الغوغاء.

فعندما تسود حالة الحشد العاطفي، ترتفع الاستجابة للمشاعر، بينما تكون القدرة على تحقيق الانضباط الذاتي
منخفضة؛ فيطلقون الأحكام، والتحيزات الشخصية المسبقة، والرغبات المكبوتة، والتي تكون مقيدة في العادة.

هذا من شأنه أن يحفِّز “العضوية للحشد“، حيث يوفر الحشد الغطاء للأفراد للقيام بالأمور التي لا يجرؤون على القيام
بها بمفردهم في الأوقات العادية.

يصبح هذا الحافز بالنسبة للجماهير أكثر أهمية من اهتمامهم بالقانون والسلطة، وهو ما يمكنه أن يؤدي بهم إلى أعمال تخريبية غير قانونية. 

وبمجرد انخراط الحشد في مثل هذه الأعمال، يصبح ذلك الحشد عاطفيًا عنيفًا وغير عقلاني.

الهوية الاجتماعية الممتدة (Extended Social Identity Model, ESIM)

وفقًا لهذا النموذج فإننا نُعرِّف أنفسنا كأفراد فريدين، وأعضاء في مجموعات مختلفة. 

عندما نكون أعضاء في مجموعة ما، فإننا نغيِّر من تصورنا الذاتي، حتى نحدِّد أنفسنا بشكل أقل من حيث خصائصنا
الفردية، وأكثر من حيث عضويتنا في المجموعة التي ننتمي لها. ومن ثَمَّ، نعمل كجزء من المجموعة.

ومن النادر أن تتجمع الحشود الكبيرة بنية مشتركة تتسم بالعنف، ولا يفقد الأفراد ببساطة فرديتهم، ليشاركوا في العنف حين يبدأ.

أفراد الجماهير غير العنيفة يصنفون أعضاء الحشود إلى: غير عنيفين نحن، أو عنيفين هُم“. 

لكن إذا ردت السلطات بعنف ضد كل الحشود، فسيؤدي ذلك إلى تبني الجماهير “هوية مشتركة قوية”،
فيتحول الحشد بالكامل إلى “نحن” داخل المجموعة والسلطات إلى “هم” من خارج المجموعة.

من المرجح حينئذ حدوث “استجابة جماعية عنيفة” من جانب الجماهير، وينشأ شغب واسع النطاق.

لذا، يوصَى بأن يكون المفتاح إلى تحقيق الأمن الفعَّال للعنف في الحشود هو تجنُّب استخدام القوة العشوائية ضد حشد كامل.

اقرأ أيضًا عن اضطراب الهوية الشخصية من هنا.

أعمال الشغب وتحديات القائمين على  إنفاذ القانون

أعمال الشغب وتحديات القائمين على إنفاذ القانون

يشكل التعامل مع أعمال الشغب تحديًا بالنسبة لأفراد مكافحة الشغب في  الشرطة.

القائمون على فرض القانون عُرضة لسلوك الحشود، لأنهم أيضًا يعملون كمجموعة، فيمكن أن يفقدوا شعورهم
بالفردية ويطوروا شعورًا بـ”اختفاء هويتهم الذاتية” إلى “كيان مشترك”.

يمكن لمواجهتهم مع الغوغاء أن تحفِّزهم عاطفيًا، لتنتج جوًا مشحونًا بالتوتر يؤثر في سلوكهم.

وقد يفقدون قدرتهم على ضبط النفس، ليرتكبوا أفعالًا قمعية عند اشتداد التوتر والشحن العاطفي.

تجعلهم هذه الأوضاع المشحونة يبدأون في التعامل مع أفراد الغوغاء على أنهم ليسوا بشرًا، لكن كمصدر تهديد
محتمَل، مما يؤدي إلى سلسلة من الأفعال المفرِطة في العنف.

مع تزايد الفوضى، وفي إطار المواجهة بين “هم” و”نحن”، يزداد اشتعال المواجهات مع الحشود.

هل أعمال الشغب مبررة؟

الاحتجاجات المتطرفة وأعمال الشغب غير ناجحة في اكتساب الدعم الشعبي واسع النطاق، لكنها فعالة في إحداث
التغييرات الحقيقية على أرض الواقع.

فهي تلفت انتباه وسائل الإعلام (وهو ما يؤدي إلى انتشار الوعي بالقضية)، وتفرض الضغوط على الشركات الكبرى
والساسة رفيعي المستوى لإحداث تغيير، حتى في ظل غياب التأييد الشعبي.

من الواضح أن لا أحد يريد حدوث أعمال شغب، ونتمنى أن يأخذ الناس -بعد قراءة هذا المقال- بعض الوقت للتفكير
في سياق ودوافع هذه الاحتجاجات وأعمال الشغب، ويتفهموا أكثر كيف تبدأ المظاهرات ؛ ففي نهاية المطاف،
ينبغي أن نفعل كل ما بوسعنا لنحظى بأكبر قدر من السلامة والأمن في مجتمعنا!

بقلم د / نرمين الشريف

المصدر
Understanding Why People RiotThe Riots: a comment specialBaltimore riots mainly fuelled by thrill-seeking teens, not genuine racial justice concerns, says psychologistA social identity model of riot diffusion: From injustice to empowerment in the 2011 London riots“They should have followed the rules”: Trade-offs Between Fairness and Authority Values Predict Judgments of Social Justice ProtestsThe psychology of riots – and why it’s never just mindless violenceExperts Explain the Psychology Behind Riots and Looting by Looking at Recent Film JokerThe Intergroup Dynamics of Collective Empowerment: Substantiating the Social Identity Model of Crowd Behavior
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق