ترياق الأسرة

كيف تتخطى صدمة موت الابن ؟ | اختبار لم يكن في الحسبان!

في هذه الحياة، لا تجد أحدًا معافا من الابتلاءات؛ فلكلٍ نصيبه منها. لكن بعض هذه الابتلاءات يترك في القلب جرحًا لا يُشفَى بسهولة.

أن تفقد شخصًا عزيزًا وتكمل حياتك دونه اختبارٌ صعب بالتأكيد، لكن المصاب يكون جللًا في حالة موت الابن؛ قطعة منك رعيتها وبنيتَ أحلامًا لها، وتمنيتَ رؤية يوم تخرجه، ويوم زواجه، وحمل أحفادك منه، لكن أجله قد حان قبل أن تدرك كل هذا!

وبعد أن ينفضَّ المُعَزُّون، ويذهب كلٌ لحياته، تبقى وحدك تختبر تلك المرارة، ويزيدها ضغط مَنْ حولك بأن عليك أن تصبر ولا تجزع، وتعود لحياتك سريعًا كي تنسى، فأنى لك النسيان؟!

في هذا المقال، نتحدث قليلًا -عزيزي القارئ- عن بعض النصائح التي قد تساعدك على التأقلم مع صدمة موت الابن، وكيف يمكنك أن تتماسك وتهتم لصحتك النفسية بعد هذا الاختبار. فهيا بنا…

ما أثر موت الابن على الأسرة؟

لا يمكن لأحد أن يغفل عن مقدار الحزن الذي يخلفه موت الابن على أسرته، لكن الأمر لا يقتصر على الحزن فقط؛ إنما يخلف كثيرًا من الآثار النفسية والاجتماعية، منها:

  • يزيد نسبة تعرُّض الوالدين للاكتئاب.
  • يؤثر في نظرة بقية إخوته للحياة ومعناها.
  • حزن الأم على ولدها المتوفى قد يؤثر في اهتمامها ببقية أطفالها، مما يسبب فجوة بينهم.
  • قد تتوتر العلاقة بين الوالدين، وتصل في بعض الأحيان إلى الانفصال، خاصة في حالة عدم قدرة أحد الطرفين على تخطي الصدمة والعودة للحياة مجددًا.
  • تزيد نسب إصابة الوالدين بالأمراض الجسدية بسبب إهمال صحتهم الجسدية والنفسية كذلك.
  • قد لا يستطيع أحد الوالدين مواصلة عمله بسبب الصدمة، مما يؤثر في دخل الأسرة.

كيف تتماسك نفسيًا بعد صدمة موت الابن ؟

تختلف طريقة تعامل كل أسرة مع استقبال الفقد وتخطيه مع الوقت، والنصائح التالية توضِّح بعض الأمور التي يمكنك اتباعها كي تتخطى الصدمة وتعود لحياتك تدريجيًا:

الجأ إلى قوة العائلة

الجأ إلى قوة العائلة

بقاؤكم معًا كعائلة، واستمداد الدعم من بعضكم البعض يخفف من صعوبة الأمر قليلًا، بالرغم من احتياج بعضكم إلى
البقاء بمفرده، لكن يمكنكم استمداد القوة من أحدكم الآخر، وتذكير أنفسكم بأنكم ستتخطون الصدمة سويًا.

في النهاية تظل كلمات التعازي ممَّنْ حولكم اجتهادًا لتخفيف الألم عنكم، لكنكم كعائلة تشاركون نفس الخسارة سويًا،
33ئ3صكوتستطيعون الشعور بما في دواخل أحدكم الآخر.

وبالرغم من شيوع فكرة ورود الانفصال بعد موت الابن، فقد أثبتت الدراسات عكس تلك الفكرة، إذ يلجأ الوالدان إلى
تخفيف ألم بعضهما، وتزيد علاقتهما عمقًا بتخطي هذا الاختبار الأليم سويًا.

اقبل المساعدة

أعلم أن من الصعب على كثير منا الإجابة على سؤال “أخبرني كيف أساعدك؟”، خاصة في الأوقات الحرجة،
إذ نحاول تجنُّب أن نكون حملًا ثقيلًا على أحدهم.

لكنك الآن في وقت هو الأنسب للمساعدة، لا تُثقِل على نفسك وترهقها بقيامك بجميع مهامك المعتادة، ووكِّل المهام لمَنْ حولك.

لا تفكر كثيرًا في الأمر، إذا وجدت مَنْ يساعدك -بدون سؤالك له- فتقبَّل صنيعه واشكره عليه. وإن سألك أحد عمَّا
يمكنه مساعدتك فيه فقدِّم له مهمة كانت ستشغل تفكيرك، أو تتطلب جهدًا لا تقوى عليه في الوقت الحالي.

بعض الملاحظات قد لا يعرفها من ينوي المساعدة، كأن ترغب في الاحتفاظ بملابس طفلك دون غسلها لإبقاء رائحته
فيها قدر الإمكان، لذا، تأكَّد من توضيح ذلك الأمر له.

تجهَّز لما بعد فضِّ العزاء

تجهَّز لما بعد فضِّ العزاء

عادة ما يلتهي أفراد الأسرة في الساعات الأولى بعد صدمة موت الابن في تفاصيل الدفن والعزاء، وبعد انتهاء مدة العزاء وعودة المُواسين لحياتهم، تبقى أنت وزوجك وأبناؤك وحدكم في المنزل، تواجهون غياب طفلكم عنه، وتستوعبون فكرة عدم عودته مجددًا. 

في تلك اللحظات، يكون الأمر صعبًا جدًا، إذ تزداد مرارة الحزن بوجودك في المنزل خاويًا من صغيرك!

وعلى عكس ما يتوقعه البعض أن اللحظات الأولى تكون هي الأكثر ألمًا، إلا أن ألم غياب المتوفى سيظل مستمرًا كما
هو؛ فموت الابن جرح في الفؤاد لا يندمل، وكل أركان المنزل ستتأثر بغيابه.

ربما يخفف عنكم قليلًا تمسُّككم ببعضكم البعض، واستمدادكم القوة والدعم من حديثكم معًا عن مشاعركم، فمن المهم
جدًا في تلك اللحظات جلوسكم سويًا، والإفضاء بما في دواخلكم، والتفكير في كيفية مواصلة الحياة بوجوده في قلوبكم
وغيابه عن أعينكم.

اقرأ أيضًا: اضطراب ما بعد الصدمة، ألا يا قلب اتئد!

فكِّر فيما ستفعل له بعد موته

أوضحت بعض الدراسات تأثُّر عودة الأهل للحياة مجددًا بعد موت الطفل بتفكير الأهل في القيمة التي سيقدمونها له بعد موته.

فوجود معنى للحياة في نظر الأهالي الثكالى، كتقديم المساعدة للمحتاجين، أو التبرع لإنقاذ حيوات أطفال مثله،
أو قيامهم بأي عمل خيري آخر كصدقة له، يخفف من وطأة الألم، ويعطي دافعًا لمواصلة الحياة من بعده بدرجة ما.

لذا، ربما يكون الوقت مناسبًا للتفكير في أبواب الصدقات أو الأعمال الخيرية التي ترونها مناسبة لروح صغيركم بحسب مقدرتكم.

عُد إلى روتينكم المعتاد تدريجيًا

يساعد الروتين على استعادة الأنشطة اليومية تدريجيًا، ويُشعِر الأسرة -خاصة الأطفال- بالطمأنينة. لذا، حاول البدء مجددًا في أقرب فرصة.

إذا كان لديك أطفال آخرون فساعدهم على العودة للمدرسة، وكذلك ممارسة الأنشطة والتمارين الرياضية كما كانوا يفعلون من قبل.

كذلك الحال بالنسبة لعاداتكم اليومية كعائلة؛ كاجتماعكم على مائدة الطعام وقت تناول العشاء أو غير ذلك.

إذا كانت هناك بعض الأنشطة تحتاج إلى تعديل، فالعودة إلى الروتين لا تعني تجاهل موت الطفل وكأنه لم يحدث؛
بالطبع يمكنك إجراء بعض التعديلات على الأنشطة المتعلقة بوجوده.

اقرأ أيضًا: وسواس الموت، أين المفرّ!

ابتعد عن الأشخاص المؤذيين

ابتعد عن الأشخاص المؤذيين

البعض يظن أنه يخفف عنك إذا قال لك: “الحمد لله أنك لديك أطفال آخرون”، أو: “أنت لا زلت صغيرًا وتستطيع أن
تنجب غيره!”، وغيرها من العبارات التي يظنونها مواساة، خاصة في حالة موت الابن الصغير أو موت الجنين، لكنها لا تحترم مشاعرك تجاه طفلك بالقدر الكافي.

ما يحتاج هؤلاء الناس معرفته هو أن كل طفل لا يُعوَّض؛ هو هِبَّة من الله، وحُبّه ومكانته في قلب والديه لا يمكن انتقاصها أو تلاشيها مع الوقت.

نعم، سيداويك الوقت، وستعود للضحك والتبسم مرة أخرى، وستسترجع أنشطتك تدريجيًا، لكنك ستعود لسريرك كل
يوم تتذكر صورة قرة عينك وتشتاق إليه، مهما أنجبت بعده!

فإذا شعرت بضيق لسماع تلك العبارات، يمكنك تقليل فرص التقائك بهؤلاء الأشخاص مع الوقت، أو -إن استطعت- وضِّح لهم مشاعرك.

اهتم لصحتك الجسدية

حالة الحزن والحداد لا تشجع كثيرًا من الآباء على الإقبال على تناول الطعام، بل قد يهمل البعض أدويته أيضًا!

لكن اهتمامك بصحتك الجسدية بتناول طعام صحي، والنوم لمدة كافية، والحفاظ على لياقتك البدنية إن أمكن،
يساعد كثيرًا على تحسُّن صحتك النفسية، واستعادة تماسكك بعد الصدمة بوقت كافٍ.

أعلم أنه قد يصعب عليك إعداد الطعام الصحي الشهي وأنت غارق في حزنك، لكن يمكنك البدء بخطوات بسيطة
بإضافة بعض الخيارات الصحية كثمرة فاكهة، أو تناول بعض الخضروات، إلى جانب وجباتك الجاهزة،
وزيادة كميتها تدريجيًا.

الاستشارة النفسية

لعلَّ مما يغيب عن أذهان الكثير من الأهالي المكلومين بموت طفلهم هو احتياجهم إلى المساعدة النفسية في مرحلة ما
إذا عجزوا عن تخطي الصدمة.

لا تتجاهل هذا الاختيار سيدي القارئ؛ فقد يكون هو الحل لخروجك من محنتك أنت أو أحد أفراد عائلتك،
خاصة الأطفال الصغار، إذ قد لا يجيدون استيعاب الفقد وكيفية التعامل معه.

اقرأ أيضًا: متى أحتاج إلى طبيب نفسي؟

هَوِّن عليك!

يصعب على الكثير منا فهم الموت، برغم معرفتنا جميعًا أننا لسنا مخلَّدين في هذه الدنيا، وأن كل منا سيذهب حينما يأتي موعده.

لكن صعوبة تقبُّل موت الابن تكمن في كونه لم يختبر شيئًا من الحياة بعد، وفي كونه قطعة منك تودُّ لو تفديه بحياتك،
وتراه يكبر أمامك حتى تودعه في لقائك الأخير، وليس بهذه الأقدار قد حلمت!

لكنها الحياة، أقدارنا لا نَعلمها إلّا حين يقع أجلها، وكلنا إلى الله راجعون. فمَنْ منا يستطيع أن يفلت من قدره؟!

الصبر على موت الابن من أبواب النعيم الأخروي العظيمة، فاصبر واحتسب عزيزي القارئ؛ فكما كنت ستبني له بيتًا
في الدنيا ليتزوج فيه، ابنِ له بيوتًا في الجنة بأعمال صالحة تطيِّب ذكراه، وهوِّن على نفسك بما وعدك الله من جزاء الصابرين… فاللُقيا في دار البقاء!

المصدر
Coping With the Sudden Death of a ChildLong-Term Effects of the Death of a Child on Parents’ Adjustment in MidlifeLong-Term Effects of the Death of a Child on Parents’ Adjustment in Midlife
اظهر المزيد

د. آلاء عمر

آلاء عمر، صيدلانية، أم، وكاتبة محتوى طبي، أهدف إلى إيصال المعلومة الطبية للقارئ بسهولة وزيادة الوعي الطبي لدى الناس. مهتمة بمجال الصحة النفسية وما يخص الطفل والمرأة طبياً. مؤمنة بقدرة الإنسان على اكتساب الوعي والتغيير الإيجابي للإرتقاء بمستوى حياته للأفضل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق