ترياق الأمراض النفسيةترياق الطفل
أخر الأخبار

لغز الفزع الليلي

في ليلة من ليالي الشتاء الباردة، نسمع صرخة مدوية تهز سكون الليل. نرى الأب يهرع إلى مصدر تلك الصرخة: غرفة طفله الوحيد. 

نجد الطفل جالسًا على حافة سريره، يتصبب عرقًا، ويرتجف جسده الصغير. ويصرخ صراخًا هستيريًا بينما يصوب نظراته الوجِلة نحو سقف غرفته. لا نرى شيئًا غريبًا في السقف. 

يربت الأب المذعور على كتفي ابنه في رفق ويناديه، ولكن لا يبدو لنا أن الطفل يشعر بوجوده. يستمر في البكاء قبل أن يعاود النوم من جديد. 

قد يبدو لك الأمر مشهدًا من فيلم رعب عن بيت تسكنه أرواح شريرة تطارد الأطفال الصغار، لكن ذلك الطفل بالتحديد كان يعاني من فزع النوم أو الفزع الليلي.

 

ما هو الفزع الليلي؟

هو نوبة مفاجئة من الصراخ والهلع والبكاء في أثناء النوم. قد تصاحبها حركات عنيفة غير متوقعة مثل الرفس أو الضرب في الهواء أو السير خلال النوم. تستمر هذه النوبة لثوانِ معدودة، وقد تمتد لدقائق قليلة يصعب خلالها إيقاظ النائم. وعلى عكس الكوابيس، يعجز النائم عن تذكر ما حدث خلال نوبات الفزع.

يعد الفزع من النوم نوعًا من أنواع اضطرابات النوم أو الخلل النومي، المعروفة بوجود حركات جسدية غير طبيعية؛ إذ يبدو الأمر وكأن جسد المريض قد استيقظ بينما ظل عقله حبيس كابوس مخيف.

 

ما هي أعراض الفزع؟

  • تسارع ضربات القلب.
  • التصبب عرقًا، وزيادة معدل التنفس.
  • الصراخ والبكاء المستمرين.
  • التمتمة ببضع كلمات غير مفهومة أحيانًا.
  • فتح العينين بنظرة مرعبة.
  • لا يشعر النائم بوجود من حوله.

يصيب الفزع عادة الأطفال في صورة نوبات متكررة، وتقل هذه النوبات مع بلوغهم سن المراهقة أو تختفي تمامًا دون الحاجة إلى علاج. كذلك يمكن أن تصيب نوبات الفزع بعض البالغين. ولا يمثل الأمر مشكلة طالما لا يحاول النائم إيذاء نفسه أو من حوله.

يتراوح عدد النوبات من مرة أو مرتين في الأسبوع، إلى عدة مرات في الليلة الواحدة. تبدأ النوبة في الساعات الأولى من دورة النوم، في مرحلة النوم العميق بالتحديد، لذا دعنا نلقي نظرة سريعة على مراحل النوم المختلفة.

 

ما مراحل دورة النوم؟

الفزع الليلي

يمكننا تقسيم دورة النوم الطبيعية إلى نوعين أساسيين

  • نوم حركة العين غير السريعة: يتركز في الساعات الأولى من النوم.
  • نوم حركة العين السريعة: يمثل المرحلة النهائية من دورة النوم.

نوم حركة العين غير السريعة

يتكون من 3 أو 4 مراحل، تستمر الواحدة منها من 5 إلى 15 دقيقة، تهدف في نهاية المطاف إلى الوصول للنوم العميق.

  • المرحلة الأولى: تبدأ هذه المرحلة عندما تغلق عينيك استعدادًا للنوم، ولكن لا يزال من السهل إيقاظك. أنت الآن مسترخِ.
  • المرحلة الثانية: في هذه المرحلة، تهدأ ضربات قلبك، وتسترخي عضلاتك وتقل درجة حرارتك تمهيدًا للدخول في مراحل أعمق من النوم.
  • المرحلة الثالثة: أنت الآن تغط في سبات عميق، حركة عينيك بطيئة، ولن تستيقظ بسهولة، في هذه المرحلة يجد جسدك الفرصة المناسبة لتجديد نشاط أنسجتك وعضلاتك. وتحدث نوبات الفزع -إن وجدت- في هذه المرحلة.

نوم حركة العين السريعة

يتكون هذا النوع من مرحلة واحدة، تتكرر خلال فترة النوم، وتزداد مدتها كلما اقتربنا من الساعات الأخيرة من النوم.

  • المرحلة الأخيرة: تصبح حركة عينيك سريعة، ويصبح عقلك أكثر نشاطًا، بينما يظل جسدك خاملًا لحسن الحظ، فلا تؤذي نفسك. تلك هي فترة الأحلام والكوابيس.

تتناوب هذه المراحل خلال ساعات نومك؛ إذ تستمر دورة النوم الواحدة حوالي 90 دقيقة، ويتكون النوم غالبًا من 4 إلى 6 دورات، ويختلف عدد الدورات ومدتها من شخص لآخر ومن سن لآخر.

 

ما الفرق بين الفزع والكابوس؟

مما سبق يمكننا أن نصل إلى مجموعة من الفروقات الجوهرية بين الفزع والكابوس:

  • التوقيت: يحدث الفزع في الجزء الأول من دورة النوم أو نوم حركة العين غير السريعة، في حين تظهر الكوابيس في المرحلة النهائية.
  • القدرة على تذكر التفاصيل: يمكن للنائم تذكر تفاصيل الكوابيس بوضوح، في حين يعجز عن ذلك في حالة الفزع.
  • سهولة الإيقاظ: قد يوقظ الكابوس النائم بكل سهولة، في حين تبوء محاولات إيقاظ طفل الفزع بالفشل، وقد يؤدي ذلك إلى توتره واضطرابه.
  • شدة الخوف: يبدو المصاب بالفزع أكثر ذعرًا وهلعًا ممن رأى كابوسًا عاديًا.

 

ما هي أسباب الفزع؟ 

الفزع الليلي

يؤثر التاريخ المرضي لعائلتك على احتمال تعرضك لنوبات الفزع، إلا أن هناك أسبابًا بعينها قد تؤدي لظهور النوبات أو تكرارها، مثل: 

  • الإرهاق الشديد والحرمان من النوم.
  • تغيير مكان النوم لظروف سفر أو غيرها.
  • ارتفاع درجة الحرارة (للأطفال).
  • بعض الاضطرابات النفسية كالقلق والاكتئاب.
  • بعض الحالات المرضية المتعلقة بالنوم (انقطاع النفس في أثناء النوم).
  • بعض الأدوية التي تؤثر على الجهاز العصبي المركزي.

 

كيفية التعامل مع نوبات الفزع

التعامل في أثناء نوبة الفزع

إذا دخل طفلك في نوبة فزع فعليك اتباع الخطوات التالية حرصًا على سلامته: 

  • لا تحاول إيقاظه من النوم: انتظر بهدوء إلى أن تنتهي النوبة، ولا تتدخل إلا إذا حاول إيذاء نفسه، ثم عليك طمأنته وإعادته إلى النوم.
  • أبعد الأثاث الصلب والأدوات الحادة عن طريقه: قد يركض الطفل في أثناء تلك النوبات؛ حاول إفساح الطريق له، وخذ بيديه برفق وأبعده عن السلالم.
  • تحدث معه في اليوم التالي: قد يساعدك ذلك في معرفة ما يخيفه، والتخفيف من توتره.
  • دوِّن عدد نوبات الفزع وتوقيتها: يساهم ذلك في فهم أعراضه ونمط نومه.

التعامل بعد نوبة الفزع

الفزع الليلي

يمكنك الالتزام ببعض عادات النوم الصحية لتقليل عدد النوبات قدر الإمكان:

  • الحصول على قسط كاف من النوم: احرص على أن يخلد طفلك للنوم باكرًا، في مواعيد ثابتة كل يوم، وتجنب الإجهاد والضغط النفسي.
  • الاسترخاء قبيل النوم: ساعد طفلك على الاسترخاء، احكِ له قصة مسلية، أو أعطِه حمامًا دافئًا.
  • الابتعاد عن الشاشات الذكية والهواتف المحمولة: يفضل القيام بذلك قبل النوم بساعة أو ساعتين، ولابد من ترك الهواتف المحمولة خارج الغرفة.
  • تناول الطعام باعتدال: احرص على ألا ينام طفلك بمعدة خاوية أو ممتلئة أكثر مما ينبغي، اجعل عشاءه معتدلًا قبل النوم بساعتين.
  • الإيقاظ المتعمد: إذا تكررت النوبات في نفس التوقيت، يمكن إيقاظ الطفل قبل موعد حدوث النوبة بربع ساعة ثم إعادته إلى النوم. لابد من الرجوع للطبيب المختص قبل الإقدام على تلك الخطوة.

من المحتمل أن يختفي الفزع تلقائيًا بمرور الوقت، ولكن إذا استمرت الأعراض بشكل يؤثر على صحة المرء وسلامته، أو سلامة من حوله، أو اقترنت بوجود اضطرابات نفسية أخرى، فينبغي حينها زيارة الطبيب. 

علاج حالات الفزع الشديدة (للبالغين)

قد يصف الطبيب، في حالات نادرة، بعض الأدوية المهدئة ومضادات الاكتئاب، لبعض البالغين الذين يعانون من نوبات الفزع. بالإضافة إلى جلسات من العلاج السلوكي المعرفي إذا لزم الأمر. 

كذلك يعمل الطبيب على علاج أي أمراض أخرى مصاحبة للنوبات مثل انقطاع النفس في أثناء النوم، أو الاكتئاب أو اضطراب الهلع.

وختامًا، عزيزي القارئ، مهما بدا لك الأمر محيرًا أو مرعبًا، فإن فهمك لطرق التعامل الصحيحة مع الأمر، وسبل تجنب تكراره، يجعل بين يديك درعًا يحميك وطفلك من رعب هذه الصرخة!

اظهر المزيد

د. لميس ضياء

صيدلانية إكلينيكية، قضيت شطرًا من عمري بحثًا عن العلم، وأنوي قضاء الشطر الآخر في تبسيط ما تعلمته وتقديمه بلغة سهلة مستساغة للجميع. تستهويني النفس البشرية وأسعى دومًا لسبر أغوارها، وفك طلاسمها، وفهم ما قد يؤرقها من اضطرابات واعتلالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق