عام

لماذا تنام الكائنات الحية؟

لطالما قضيت طفولتي مع جدتي؛ إذ يسافرُ والداي كثيرًا بحكم عملهما. 

وكان هذا يفرحني كثيرًا؛ فقد اعتادت جدتي أن ترعى طيورًا منزليةً لا أراها في منزلنا.

 كم أحب جدتي وأحب العيش معها! 

فهي ترعاني وترعى “بندق” -عصفورها المفضل.

أنا أيضًا أحبه وألعب معه طوال الوقت. يقفز في القفص هنا وهناك، دون أي فتور أو كسل. 

ولا يكاد يقف على المجثمِ إلا في فترات الراحة أو لشرب الماء أو الأكل.

أما أنا فأستمتع معه كثيرًا وأقضي أوقاتًا طويلة بجوار قفصه، وأما جدتي فتجلس أمامنا مراقبة لنا بابتسامةٍ مرحة… 

حتى إذا جاء وقت الغروب، أجدها تُظلم المكان وتجعله هادئًا حتى ينام “بندق”؛ فأتذمر ساخطًا: 

“ولكن يا جدتي، أريد اللعب معه وسماع تغريده!”

فتشرح لي جدتي ما خفي عني في تلك السن الصغيرة، عن أهمية النوم المنتظم لجميع الكائنات الحية.

سأعرض لكم في هذا المقال ما شرحته لي جدتي، وما بحثت عنه لاحقًا؛ لأجيب عن سؤالي: لماذا تنام الكائنات الحية؟

ما الذي يحدث للدماغ في أثناء النوم؟

على الرغم من معرفتنا بأن النوم يجدِّد الطاقةَ بعد تعب يوم طويل، إلا أن معظمنا لا يعرف تحديدًا ما الذي يحدث في الدماغ عندما يكون الشخص نائمًا!

لذلك حدد العلماء عددًا من الأمور التي تفسر لماذا تنام الكائنات الحية، وهي:

1- تنظيف الجسم من السموم:

وجد الباحثون بعد سلسلة من الدراسات التي أجريت في (جامعة روشستر) على أدمغة الفئران، زيادة تباعد خلايا الدماغ عندما تكون في حالة الاسترخاء والنوم؛ مما يتيحُ لها طرد السمومِ التي تراكمت خلال ساعاتِ الاستيقاظ. 

الأمر الذي يجعل للنوم دورًا كبيرًا في الوقاية من الأمراض العصبية، مثل: الزهايمر والشلل الرعاش.

2- الربط بين الذكريات القديمة والحديثة:

إذ يعزز الدماغُ الذكريات القديمة ويشكل ذكرياتٍ جديدة، علاوةً على الربط بينها بتناسق.

فإذا أردت -عزيزي القارئ- أن يتعلم أطفالك بكفاءة عالية وقدرة فائقة على استقبال المعلومات؛ فاحرص على نيلهم قسطًا وافرًا من النوم الجيد المنتظم.

تستطيع زيادة ذكاء طفلك من هنا أيضًا.

3- ربط الأمور بطريقةٍ مدهشةٍ وغير عادية:

تزيد قدرة الشخص النائمِ على ربطِ الأفكارِ التي تبدو بعيدة الصلة بنسبة 33%، وفق دراسةٍ مقدمةٍ من (جامعة كاليفورنيا) عام 2007.

مما يجعل الدماغ قادرًا على إيجاد حلول منطقية ورائعة عند الاستيقاظ.

كما يٌجري الدماغُ في أثناء النومِ ارتباطات إبداعية جديدة مثيرة للدهشة، قد لا يمكنه إجراؤها في حالته الواعية طوال النهار.

ومن الجدير بالذكرِ أن الدماغَ يعالج المعلوماتِ ويستعد للعمل في أثناء النوم. 

فمع أن الدماغ يكون في حالة من فقدانِ الوعي، إلا أنه يرتب القرارات التي سوف يتخذها بعد الاستيقاظ!

ماذا لو حُرمنا النوم؟!

نسمع كثيرًا جملًا مثل: “لا أستطيع النوم”، “أنا كائن ليلي”، “أعشقُ السهر”…

إليك 5 أسبابٍ تقنعك بأن تنام مبكرًا:

1- النوم المبكر يزيدُ من إنتاجية عملك، ويدعم مهارات التفكير الإبداعي لديك؛ مما يزيد من قدرة الدماغ على الانتباه والتركيز.

2- بقاؤك ساهرًا لفترات طويلة يضعف جسدك ويعكر مزاجك، ويجعلك أكثر عرضةً للتفكير السلبي. 

بينما يمنحك النوم المبكر قدرةً أكبر على الشفاء من الأمراض والتفاؤل بالغد.

3- يرفع النوم المبكر معدلاتِ حرق الدهون عند البدينين؛ مما يمكنهم من الحصول على جسم ممشوق ورشيق. 

وأيضًا يزودهم بالطاقة اللازمة لممارسة الرياضة بشكلٍ سليم.

4- نومك المبكر يقوِّي جهازك المناعي لمواجهة الكثير من الأمراض؛ مما يفسر لنا لماذا تنام الكائنات الحية.

تستطيع أن تدعم جهازك المناعي أيضًا من هنا.

5- إذا كنت من سائقي السيارات، فاحرص دومًا على الحصول على  قسطٍ كافٍ من النوم كل يوم؛ لسلامتك وسلامة من حولك. 

فمعظم حوادث السيارات تحدث مع سائقين بالكاد ينامون سويعاتٍ من الليل.

وتشير الدراساتُ إلى أن الأطفال الذين يعانون اضطرابات النوم، أكثر عرضةً للوفاة المبكرة، بمعدلاتٍ أعلى من الأطفال الذين ينعمون بما يسمى بـ “النوم الآمن” طوال فترة نومهم.

تَظهر اضطرابات الحرمان من النوم لدى الأشخاص ذوي المهن الليلية كأفراد الأمن، وأصحاب التغطيات الإعلامية الليلية. 

وكذلك تظهر لدى من يعملون في خدمات على مدار الساعة.

إن الحرمان من النوم يسبب بطئًا في التمثيل الغذائي في المخ، ويؤثر سلبًا في شبكة التركيز في المخ. 

في تجربة أجريت على شخص تعرض فيها للألمِ بعد ليلةٍ بلا نوم، حدث ما لم يكن متوقعًا: 

إذ أدى ذلك إلى تضخيم مناطق الإحساس بالألم في الدماغ، بل وتثبيط عمل مراكز تقليل الألم الطبيعية كذلك!

لذلك؛ فإن قضاء ليلةٍ هادئةٍ يعمل بشكلٍ فعالٍ على زيادة استجابة الدماغ لتسكين الألم. 

مما يتطلب أن يكون لدى المستشفياتِ أساليب وطرق دوائية ونفسية تزيد من فترات النوم لدى المرضى دون انقطاع.

وفي المقابلِ، فإن الحرمانَ من النوم يرتبط بشدةٍ بوقوع الحوادث والأخطاء الصناعية.

هل تعني أنه كلما زادت ساعات نومي، كان هذا أفضل؟

على الرغم من أهميةِ النوم؛ إلا أن زيادة عدد ساعاته عن الحد المطلوب يزيد فرص الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.

فقد توصلت دراسةٌ حديثةٌ نُشرت في مجلة القلب الأوروبية إلى أن:

من ينامون أكثر من 8 ساعات أكثر عرضةً لخطر الموتِ والإصابةِ بجلطات الدماغ عن من ينامون بين 6 و8 ساعات. 

(وهي المدة المثلى لنوم البالغين).

وتعالَ معي -عزيزي القارئ- نتدبر قدرةَ الله في عادات النومِ للكائنات المختلفة:

أغرب 5 عادات لنوم الكائنات الحية

  • الأبقار
الأبقار

هل تعلم أن الأبقار تنام أحيانًا وهي واقفة؟

تشير الدراساتُ إلى أن الأبقار تقضي بالفعل أكثر من نصف حياتها مستلقية، ولكن جزءًا صغيرًا من هذا الوقت للنوم. 

وأحيانًا تنام وهي واقفة!

  •  سمكة القرش
سمكة القرش

لسنا متأكدين من أن أسماك القرش تستطيع إيقاف وعيها كما في النوم! 

فهي تحتاج إلى السباحةِ باستمرار؛ لتُبقي المياه متحركة فوق خياشيمها. 

مما يجعلها تستعيضُ عن النوم العميق بنومٍ متقطعٍ في أثناء السباحة، يتناوب بين فترات نشاطٍ للوعي وفتراتِ راحة.

وقد شوهدت أسماك القرش مستلقية في قاع (البحر الكاريبي)، بعينين مفتوحتين. 

يبدو أنها كانت تراقب ما يدور حولها أكثر من كونها نائمة!

  • الزرافة
الزرافة

تنام الزرافات ما يقرب من 20 دقيقة فقط في اليوم؛ حتى تكون في أهبة الاستعداد لمواجهة الصيادين والحيوانات المفترسة.

  • ثعالب البحر

تأمل معي -عزيزي القارئ- هذه العادة الغريبة في النوم: 

إذ تنام ثعالب البحر على ظهورها في مجموعات كبيرة “يدًا بيد”؛ لضمان عدم انجرافها أو تعرضها للافتراس! 

أراك الآن -عزيزي القارئ- قد فهمت لماذا تنام الكائنات الحية، وأن الله لم يخلق النوم عبثًا، بل لحكمة بالغة تتجلى فيها قدرته جل وعلا. وعلى الرغم من تقدم العلم وتطوره الهائل ما زال العلماء يجهلون كثيرًا من الأمور الدقيقة التي تدل على عظمة الخالق.

فسبحان الله!

اظهر المزيد

د. رحاب مجدي

رحاب مجدي، صيدلانية، كاتب ومراجع محتوى طبي ومحاضر في أكاديمية بن سينا الكتابة والبحث عن المعلومات الطبية هواية قديمة لذا فإن العمل في المجال يسعدني ولا أشعر أني مجبرة على العمل بل استمتع به

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق