عام

لوم الضحية | عندما تدخل الضحية قفص الاتهام!

“هي السبب فيما حدث لها”…

“لا بُدَّ وأنها استفزت المعتدين، ودفعتهم لمهاجمتها”…

“لماذا تسير في شارع هادئ مثل ذلك؟!”…

ترددت هذه التعليقات وغيرها في مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام.

تناسى الجميع بشاعة المجرمين وما ارتكبوه، وانصبَّ تركيزهم على تبرير جريمتهم ولوم الضحية، وكأنَّ ما مرت به لم يكن كافيًا ليستجلب تعاطفهم معها.

ما هو لوم الضحية؟! كيف يُمكن أن نترك المجرمين ونلقي اللوم على ضحيتهم؟!

هل هذا الوقت الأنسب لتحليل موقف الضحية وتصرفاتها، بدلًا من محاسبة المخطئين؟!

في هذا المقال، سنفهم سويًّا ظاهرة لوم الضحية، ونتعرف إلى أسبابها، وكيفية تجنُّبِها.

ما هو لوم الضحية؟

ما هو لوم الضحية؟

لومُ الضحية ظاهرة تلام فيها الضحية على الجريمة أو الاعتداء الذي تعرضت له، وتتَّهم بإمكانية تجنُّبِها الضرر الذي وقع عليها. وصور لوم الضحايا متعددة، منها:

  • لوم ضحايا التحرش أو الاغتصاب واتهامهن بأنهن الحافز وراء ما حدث.
  • إلقاء اللوم على ضحية العنف الأسري، واتهامها أنها مَنْ سمحت بذلك، أو أن طريقتها في التعامل مع زوجها تبَرِّر ما يحدث لها. 
  • لوم ضحايا عمليات النصب، وأنهم من سمحوا باستغلال الآخرين لهم.

أسباب ظاهرة لومِ الضحية

على الرغم من استنكارها، فإن ثقافة لوم الضحية منتشرة، وقد يكون ذلك للأسباب الآتية:

  • الاعتقاد بعدم حدوث أمر سيئ لشخصٍ جيد

يعَدُّ هذا السبب وسيلة دفاع يعتمدها البعض حتى يشعروا بالأمان، واستحالة تعرُّضِهم -هم أو مَنْ يحبون-  لمثل ما تعرَّضت له الضحية؛ حيث يتبنون اعتقاد عدم حدوث الأمور السيئة للأخيار، وأن الضحية قد استحقت ما حدث لها.

  • التحيُّز ضد الآخرين 

يعرَف بـ”خطأ العزو الأساسي – Fundamental attribution error“، وهو سلوك الشخص اتجاهًا متناقضًا عند تفسيره سلوكه الشخصي وسلوك الآخرين.

فهو يميل إلى التركيز على العوامل الخارجية عندما يتعلق الأمر به وبقراراته، بينما يعزو سلوك الآخرين إلى عوامل داخلية متعلقة بهم (مثل السمات الشخصية).

مثال على هذه الظاهرة: إلقاء الطالب اللوم في رسوبه على صعوبة الاختبار أو تَعَنُّت المصحِّح، بينما يرى السبب وراء رسوب الآخرين إهمالهم وعدم استعدادهم للاختبار.

  • انحياز الإدراك المتأخر (Hindsight bias)

ينطوي على اعتقاد أن الأحداث الماضية كان يُمكن التنبؤ بها وتجنُّب حدوثها. وفي هذه الحالة، يرى الشخص أن الضحية أخطأت عندما لم تتوقع الضرر -الذي وقع عليها قبل حدوثه- ولم تمنعه.

لا يقتصر انحياز الإدراك المتأخر على ضحايا الجرائم فقط؛ لكنه يستخدَم في حياتنا اليومية، مثل اتهام المصاب بمرضٍ ما بالإهمال في صحته، وأنه كان في الإمكان تجنُّب هذا المرض بممارسة الرياضة أو اتباع نظام غذائي مناسب.

إلى جانب الأسباب السابق ذكرها، قد تساهم العوامل الآتية -أيضًا- في اعتناق البعض ثقافة لوم الضحية:

  • التنشئة

يستمد الإنسان معتقداته وأفكاره من بيئته الأولى وهي أسرته. نشأة الشخص في أسرة غير متعاطفة معه، أو ملاحظته المستمرة لإلقاء والديه أو المسؤول عن رعايته اللوم على الضحايا قد يتسببان نهجه نفس الطريق.

  • المجتمع

مثلما يتأثر الإنسان بأسرته، يتأثر بمجتمعه وأفكاره؛ فبعض المجتمعات تبرر ما حدث للضحية لمجرد اختلاف الضحية عنها، وترى أن الضحية هي مَنْ تسبَّبَت في الضرر الواقع عليها.

  • مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام

تؤثر مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام في آراء الأشخاص وتتلاعب بها؛ فيُمكن تشويه الضحية بمنتهى السهولة وتحويلها إلى الشخص المُلام، بغض النظر عما حدث لها، والجُرم الذي ارتُكِب في حَقِّها.

بعد تعرفنا إلى بعض الأسباب التي قد تؤدي إلى لوم الضحية، يجب أن نسأل أنفسنا…

هل يفيد إلقاء اللوم على الضحية في شيء؟! هل يمحو بشاعة ما تعرَّضت له؟! مَنْ الأولى باللوم: الضحية أم المجرم؟!

قد تقع على الضحية -في بعض الأحيان- مسؤولية ما حدث، لكن إلقاء اللوم عليها لا يفيدها، بل على العكس؛ يصعِّب عليها التعافي مما مرَّت به، ويشعِرها بالظلم وعدم تحقق العدالة التي تنشدها.

ذلك لا ينفي إمكانية مناقشة الضحية في أية أخطاء ارتكبتها، لكن يفضَّل أن يكون ذلك بعد تعافيها، وتلقيها العلاج النفسي المناسب إذا لزم الأمر حتى تتقبل أي نصائح تقدَّم إليها.

كيف تتجنب لومَ الضحية؟

كيف تتجنب لومُ الضحية؟

محاولتنا إقناع أنفسنا بأمان العالم حولنا أمر طبيعي، حتى نتمكن من الاستمرار في الحياة.

لكن يجب ألا يصل الحال بنا إلى إلقاء اللوم على الضحية لكي نوهم أنفسنا أن الأمور السيئة تحدث فقط لمَنْ يستحقها، وأننا في مأمن من أي ضرر.

حتى تتجنب لوم الضحايا، يمكنك تجربة الآتي:

  • الوعي بلوم الضحية

وعيك بهذه الظاهرة، ومعرفة الطريقة المثلى للتعامل مع الضحايا سيفيدانك في تجنب لوم الضحايا. 

جميعنا يحلم بعالم مثالي خالٍ من الشرور، لكن ذكِّر نفسك أن حتى الأشخاص الجيدين يتعرضون لأمور سيئة، وأن لا أحد يرغب في أن يصبح ضحية.

  • التفهم Empathy

التفهمُ هو قدرتك على فهم ما يشعر به الآخرون، ورؤية الأمور من وجهة نظرهم. التفهم هو أن تضع نفسك مكان الضحية وتستشعر ما تشعر به.

التفهم مهارة يُمكن اكتسابها والتمرُّن عليها، والخطوات الآتية ستساعدك على ذلك:

  • كن مستمعًا جيدًا، ولا تقاطع الشخص الآخر.
  • انتبه إلى لغة جسدك وتعبيرات وجهك.
  • تخيَّل نفسك مكانه.
  • تَفهَّم مشاعره وأفكاره حتى وإن لم تتفق معه.
  • لا تصدر أحكامًا.
  • لا تتردد في سؤاله ومعرفة المزيد عمَّا مَرَّ به.

تذكَّر ألا تُجبر الضحية على الكلام، واترك لها حرية اختيار الوقت المناسب لتعبِّر عما بداخلها.

التفهم غير مرتبط بمَنْ تعرفهم فقط؛ يمكنك تفهم أي ضحية؛ ضع نفسك في موقفها واستشعر ما مرَّت به، وتيقن أنك لن تستطيع إصدار الأحكام عليها أو لومها.

  • الدعم

دعم الضحية ضروري في رحلة التعافي؛ فالأحداث السيئة في حياة الفرد قد تجعله أكثر عرضة للأذى في المستقبل. لذلك تحتاج الضحية إلى استرداد ثقتها في النفس، حتى لا تقع فريسة اعتداء آخر.

قد يستلزم الأمر تلقي الضحية علاجًا نفسيًا، وهنا ستحتاج إلى دعم وتشجيع أقرب الناس إليها.

كذلك يجب التحقق من معرفة الضحية لتعليمات الوقاية والسلامة، ويفضَّل -أيضًا- تعلم الدفاع عن النفس، حتى تحمي نفسها ضد أي تهديد.

  • تجاهل ما يقوله الناس

قد يؤثر كلام الآخرين عن الضحية فيك، ويدفعك إلى إلقاء اللوم عليها. تجنَّب متابعة مواقع التواصل الاجتماعي فيما يخص الحادثة، وركِّز طاقتك في مساعدة الضحية ودعمها. 

الضحية إنسان مثلك، كانت لديه أحلام وتوقعات عن حياة سعيدة لا يصيبه فيها الضرر، لا يستحق ما مرَّ به.

ضع نفسك دائمًا مكان الآخرين قبل الحكم عليهم، استشعر ما يشعرون به، وانظر من خلال أعينهم حتى ترى الموقف على حقيقته.

لا تنسَ… ما تحتاجه الضحية منك هو التَفَهُّم، والدعم، والحب.

المصدر
Why Do People Blame the Victim?Three Simple Steps You Can Take to Avoid Victim-BlamingWhat Is Empathy?
اظهر المزيد

د. أروى صبحي

صیدلانیة وباحثة. لدیها شغف دائم للبحث وفهم كل ما حولها؛ خاصة فیما یتعلق بجسم الإنسان. أشعر بالرضا عند تبسیط العلوم للغیر، ووجدت في الكتابة وسیلة لمساعدة الآخرین في الاستمتاع بالمعرفة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق