ترياق الأمراض النفسية
أخر الأخبار

لوم النفس: ما هي الأسباب وكيف تتعامل معه؟

تمثل المشاعر جزءًا طبيعيًا من تكويننا، وهي تؤثر على طريقة عيشنا وتفاعُلنا مع العالم من حولنا.

فمن الطبيعي أن تجد بعض قراراتك وخياراتك وأحكامك على الأمور متأثرة بمشاعرك أو ناتجة عنها.
بعض هذه المشاعر يمكن تصنيفها على أنها مشاعر إيجابية، وبعضها الآخر سلبي. ومن هذه المشاعر لوم النفس.. 

فيمكن تصنيفه في مجموعة المشاعر السلبية، وأحياناً يكون دافعاً لتتوقف عن أخطائك، أو لتبذل بعض الجهد للحفاظ على علاقاتك التي تقَّصر فيها.
ولكن الأمر المؤكد أنه ليس شعوراً سهلاً على أي شخص، فما تعريف لوم النفس في علم النفس، وكيف تتعامل معه بطريقة أفضل؟ وما هي أنواعه؟ 

تعريف لوم النفس من الناحية النفسية

يعرف لوم النفس على أنه شعور بالذنب أو التقصير نتيجة خطأ ارتكبته، أو أمر سلبي تظن أنك قد تسببتَ فيه، أحياناً يكون بدافع حقيقي، وأحياناً أخرى كثيرة يكون أمراً متوهمّاً أو لا علاقة لك به، ولكنه بكل تأكيد يُثقلك ويسبب لك شعوراً بالضيق أو الأرق أو الإحساس بالذنب، وقد يؤثر على إنتاجيتك في العمل، أو تركيزك، أو اختياراتك في بعض الأحيان.

لذا فهو أمر ليس بالسهل على بعض الأشخاص. فهل هناك أنواع مختلفة لهذا الشعور؟ 

دوافع ومسببات لوم النفس 

يمكن تقسيم مشاعر لوم النفس في علم النفس إلى خمسة أنواع رئيسية..

فالنظرية المعرفية تفترض بأن المشاعر تنبع من أفكارك، ففكرتك عن أنك مسئول عن ما قد يحدث لشخص ما على سبيل المثال، يجعلك تشعر بالذنب بشكل تلقائي لأي أمر سيء قد يمر به، بغض النظر عن صحة وعقلانية هذه الفكرة. 

لذا فالعلاج المعرفي هنا يعتمد على: 

  • تخليصك من هذه الأفكار التلقائية في حال عدم صحتها.
  • إدراك حجم الموقف ونتائجه في حالة تسبُبك بخطأ ما.
  • أنه قد لا يكون الأمر بهذا السوء الذي تتخيله.

وتفترض هذه النظرية المعرفية أن علاج لوم النفس وتغيير مشاعرك ينبع من تغيير طريقة تفكيرك، فعندما تدرك حجم الموقف بعقلانية، قد تدرك أنك لست مسئولاً عن كل خطأ يحدث بالعالم. 

دوافع ومسببات لوم النفس، وكيف تتعامل معها

لوم النفس على ما فعلته

لوم النفس على ما فعلته

فمن الشائع الشعور بالذنب ولوم النفس على الأخطاء، أو شعورك أنك قد تسببت بأذى نفسي أو جسدي لشخص آخر.

كما قد تلوم نفسك لكسر بعض القيم الأخلاقية والقوانين التي وضعتها لنفسك؛ كأن تقع في الخيانة، أو السرقة وغيرها.
كذلك كسرك لوعود قطعتها على نفسك مثل التوقف عن التدخين، أو الكحوليات، أو عدم الالتزام بنظامك الغذائي. 

وهنا يكون شعورك بالذنب أو لوم النفس على الأخطاء أمرًا طبيعيًا، بل وصحيًا أيضاً؛ فإذا لم يؤثر فيك تسببك بأذى لغيرك أو كسرك لقيم أخلاقية فهذا قد يعني بُعدك عن السواء النفسي، أو قد يكون إشارة لمرض نفسي. 

ولكن المشكلة تظهر عندما تركز على هذا الخطأ ويأكلك الشعور بالذنب بدرجة أكبر من اللازم. لذا فالتعامل الأمثل هنا هو: 

  • أن تتقبل أن ما حدث قد حدث، وأن تعتذر لمن تسببت له بالأذى. 
  • أن تُعطي نفسك الفرصة لتقبل عدم كمالك وأنك مُعرَّض للخطأ؛ فلا أحد منا يستطيع الوصول للكمال. 
  • كما يمكنك طلب المساعدة من الآخرين، كأن يشجعوك على الالتزام بنظامك الغذائي.
  • وإذا كان الأمر متعلقاً بالعلاقات فيمكنك أن تطلب من شريكك التحدث في الأمر، ومشاركة مشاعركما سوياً. 
  • هذا بالإضافة إلى أنه أحياناً نظراً لتمركزنا حول أنفسنا، قد نعطي أمرًا ما أكبر من قدره، فتتوهم أنك قد تسببت بإحراج كبير لزميلك أو أهنته، في حين أنه لم يُعطِ لفعلك هذا القدر من الاهتمام في الحقيقة. 

لوم النفس على أمر لم تفعله، ولكن أردت فعله

فأنت هنا قد تتصور نفسك بصورة أخلاقية مثالية، أنت شخص متفانٍ في علاقته مع شريكه، ولا يمكنك بأي حال التفكير في شخص آخر وأنت معه.

وفجأة تجد نفسك تفكر في شخص آخر، ثم تتذكر تفانيك وأخلاقك، فيتملكك شعور بالذنب ولوم النفس، أنت الآن خائن؟
أنت لا تستحق هذا الشريك المخلص لك؟ والكثير من الأفكار السلبية الأخرى التي تأكلك وأنت لم تتعد خطوة تفكير عابرة. 

الأمر هنا يتعلق بفكرتك عن نفسك وصورتك الأخلاقية غير القابلة للخدش.
أنت شخص مثالي، لا يكذب، لا يخدع، لا يقوم بذنب ما. فكيف فكرت بهذا الأمر؟ وتحاسب نفسك حساباً عسيراً على فكرة مرت برأسك. 

وهنا قد تقوم بإنكار الفكرة وطمسها، كأنها لم تتدافع لك، إنكار فكرة أنك قد تُذنِب. ولكن العلاج النفسي بالقبول والالتزام يساعدك على تقبل فكرة أنك ببساطة قد تُخطئ، وتقبل عدم مثاليتك، وتُلزِم نفسك بتغيير الأفعال التي قد تؤدي بك لمواجهة أي أفكار سيئة، بدلاً من إنكار هذه الأفكار والرغبات فتقع فريسة سهلة لها في إحدى المرات. 

لوم نفسك على أمر تظن أنك قد فعلته

فقد ترى زوجين متحابين وتشعر ببعض الغيرة لطريقة تعاملهما مع بعضهما البعض، وفجأة يندفع بداخلك شعور بتمني فراقهما.
وبعدها بشهرين تسمع بخبر فراق هذين الزوجين، يا إلهي أنا السبب! أنا من دمرت هذه العلاقة لأنني تمنيت في لحظة ما أن يفترقا.
أنا من تسببت بانهيار هذا المنزل الذي أعجبني ولم أستطع تحمل تكاليف شرائه. هل مررت بهذا الموقف من قبل؟ 

والتفكير المعرفي هنا يدفعك لتحليل الأمر بطريقة عقلانية تبعاً للمعطيات والأسباب الملموسة، فتسأل نفسك: 

  • هل أوقعتَ بين هذين الزوجين ونقلت بعض الأخبار الكاذبة من أحدهما للآخر؟ 
  • هل قمت بالتخطيط للأمر؟ 
  • هل أمسكت بمطرقة وذهبتَ لتخريب ذلك المنزل؟ 

كلها أسئلة منطقية لن تجد لك علاقة بها، فهذان الزوجان كانت بينهما خلافات أنت لم تعرف عنها شيئاً، وهذا المنزل لم يكن أساسه بخير منذ فترة ويحتاج لإصلاحات.

لذا فقبل أن تتهم نفسك بالأمر وتبدأ بلومها، تأكد من قيامك بما يستحق هذا الشعور، بعض العقلانية مطلوبة هنا. 

لوم نفسك على عدم مساعدة الآخرين بشكل كاف

لوم نفسك على عدم مساعدة الآخرين بشكل كاف

كأن تكون في خدمة أحد أفراد عائلتك في مرضه، وتصل لمرحلة الإرهاق فتحتاج لبعض الراحة، وهنا يتولد لديك شعور بلوم النفس على هذا الاحتياج، فهو مريض ولا تستطيع أن تتركه، هو أولى بجهدك منك.

ومثلها أن تجد أحدًا ما بحاجة لمساعدة مالية ولا تستطيع أن تعطيه أكثر من مبلغ ما لتستطيع تحمل نفقاتك الشخصية، ولكنه لا يزال محتاجاً. 

وهنا يأتي مصطلح “إرهاق التعاطف” وهو يشبه أن تحترق من أجل الآخرين.

فالتعاطف شعور جيد، ولكن أحياناً لن تستطيع الإكمال إلا بأخذ بعض الراحة، لتستعيد نشاطك، وتقدر على إمدادهم بالمساعدة اللازمة.

كما أنه من حقك أن تقرر التوقف عن التضحية إذا شعرت بثقل الأمر عليك وعدم استطاعتك الاستمرار في العطاء. 

لوم النفس على أنك بحالٍ أفضل من غيرك

كأن يشعر شخص ما بلوم النفس لأن حاله أيسر من إخوته، أو لأنه يتمتع بصحة جيدة وعمل مرموق، وهناك من يموتون من المرض والجوع. فلا يستطيع التمتع بحاله، أو قد يقدم بعض التنازلات ظناً منه أنه يراعي مشاعر أفراد عائلته الأقل منه حالاً، فيترك وظيفته الجيدة ويقبل بوظيفة أقل دخلاً أو أن يكتفي بعمل العائلة المشترك. 

وهو ما يُسمى “شعور الناجي بالذنب“، وهي مشاعر غير منطقية من التعاطف الشديد الذي قد يؤذي صاحبه.

والتفكير العقلاني هنا يقول بأن تحسُّن حاله يعطيه فرصة أكبر لمساعدة الآخرين بشكل أفضل، فيترجم تعاطفه لفعل مفيد. 

فالأمر معقد قليلاً، ما بين الشعور بالتعاطف، والشعور بالذنب، ينقسم لوم النفس إما لشعور بناء، أو هدّام.
والمهم هنا هو أهمية إدراكك لمنطقية مشاعرك والتحكم في طريقة تفكيرك بالأمور، وبالطبع يا صديقي العزيز يمكنك طلب المساعدة النفسية متى ما خرج الأمر عن سيطرتك. وتمنياتي لك براحة البال. 

اظهر المزيد

د. آلاء عمر

آلاء عمر، صيدلانية، أم، وكاتبة محتوى طبي، أهدف إلى إيصال المعلومة الطبية للقارئ بسهولة وزيادة الوعي الطبي لدى الناس. مهتمة بمجال الصحة النفسية وما يخص الطفل والمرأة طبياً. مؤمنة بقدرة الإنسان على اكتساب الوعي والتغيير الإيجابي للإرتقاء بمستوى حياته للأفضل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق