علماء ومشاهير

مارتن سليجمان | جولة في عالَم علم النفس الإيجابي

“تبيَّن أن مهارات السعادة مختلفة عن مهارات تجنب الحزن والقلق.

لكن في أفضل الأحوال، كان علم النفس يعلمنا كيف نخفف المعاناة، وليس كيف نعرف الحياة جيدًا أو كيف نعيش أجمل ما فيها، وهذا هو النصف الآخر من العلم الذي عُرِف لاحقًا بعلم النفس الإيجابي”.

                                                                من كتاب (التفاؤل المكتسب) لمارتن سليجمان…

قرأتُ تلك الكلمات في إحدى صفحات التواصل الاجتماعي الشهيرة، نظرتُ لها بتمعن وبدأت العديد من الأسئلة تدور في ذهني:

“مَن هو مارتن سليجمان؟ وماذا يُقصَد بعلم النفس الإيجابي؟”…

ثم بدأتُ في رحلة البحث عن الكاتب والمؤلفات الشهيرة الأخرى له، والتي كان أشهرها:

  • كتاب تعلم التفاؤل لمارتن سليجمان.
  • كتاب السعادة الحقيقية لمارتن سليجمان.

في السطور القادمة، سأشارككم ما توصلتُ إليه خلال جولتي في البحث عن مارتن سليجمان، هيا بنا…

مارتن سليجمان… مَن يكون؟

كان عام 1942 هو العام الذي وُلِد فيه مارتـن سليجمان، الأمريكي الذي بدأ رحلته في الطب من جامعة بنسلفانيا.

شقَّ مارتن سليجمان طريقه بجد في عالم الطب النفسي، وكانت له العديد من النظريات والأفكار حول علم النفس الإيجابي.

في عام 1998، تقلَّد منصب رئيس جمعية علم النفس الأمريكية (APA) باكتساح غير مسبوق.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

وكانت تلك علامة فارقة في حياته المهنية بوجه خاص، وفي تاريخ علم النفس بوجه عام؛ ففي خطاب تنصيبه، ألقى الضوء على ضرورة تركيز الأطباء النفسيين على الطُرق التي تجعل المرضى أكثر سعادة.

مارتن سليجمان وعلم النفس الإيجابي

في خلال فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية، كان تركيز علم النفس على فهم الأمراض والاضطرابات النفسية المختلفة وعلاجها.

وبجانب هذا، أغفل العلماء الجزء الخاص بالسعادة، وأهمية المشاعر الإنسانية، وتأثيرها في الصحة النفسية والجسدية.

حتى ظهر علم النفس الإيجابي على يد مارتن سليجمان فكان أول مؤسسيه، واتخذ منه شعارًا لفترة رئاسته لجمعية علم النفس.

وقد استمد إلهامه من أستاذه (إبراهام ماسلو) الذي كان أول مَن لفت الانتباه لعلم النفس الإنساني، وأهمية التركيز على نقاط القوة لدى البشر، بالتوازي مع علاج الأمراض النفسية المختلفة، مثل: الاكتئاب، والعصاب، وغيرها.

عمل سليجمان على محاولة توفير إثباتات علمية تؤكد أفكار (ماسلو)، وتثبت أن:

  • للمشاعر الإيجابية تأثيرًا في صحة وحياة الإنسان. 
  • السعادة يمكن تعلمها واكتسابها.

أسَّس سليجمان مركز علم النفس الإيجابي في بنسلفانيا، وكتب ما يزيد عن مئتي مقال وعشرين كتابًا في هذا الصدد. وبجانب هذا، صاغ سليجمان العديد من النظريات الهامة التي نشرحها في الفقرات التالية.

نظرية مارتن سليجمان (العجز المكتسب بالتعلم) 

تعَدُّ تلك النظرية واحدة من أشهر نظريات مارتن سليجمان، والتي استُخدِمَت فيما بعد كحجر أساس للعديد من النظريات والأفكار في علم النفس بوجه عام، وعلم النفس الإيجابي بوجه خاص.

وقد ساعدت نظرية مارتن سليجمان على تفسير واحد من السلوكات الغامضة التي يقوم بها كلٌّ من الإنسان والحيوان، وهي: استسلامهم لظرف مزعج ومؤلم وتوقفهم عن مقاومته، وإيمانهم بأن الأمر خارج عن سيطرتهم، حتى في حال وجود طريقة للتخلص منه.

ونشأت تلك النظرية بعد عدة تجارب قام بها مارتن سليجمان بمشاركة عالم آخر يُدعَى (ستيفن ماير) على الإنسان والحيوان.

التجربة على الحيوان

في تلك التجربة، حاكى سليجمان تجربة بافلوف باستخدام مجموعة من الكلاب قُسِّمَت إلى قسمين:

  • القسم (أ) تعرض لصدمات كهربية متتالية لم يستطع الكلاب التنبؤ بها أو الهروب منها. 
  • القسم (ب) لم يتعرض لها.

وضِعَت المجموعتان مع بعضهما في صندوق -مُقسَّم بحاجز ضعيف- لنصفين؛ نصف ذو أرضية مكهربة، والنصف الآخر طبيعي.

كانت النتيجة أن معظم الكلاب بالقسم (أ) استسلمت ولم تحاول القفز للنصف الآمن من الصندوق، في حين أن الكلاب في القسم الآخر كان رد فعلها هو الهروب ومحاولة النجاة.

التجربة على الإنسان

بعد مرور عدة أعوام، أجرى سليجمان تجربة مشابهة على البشر، وأخبر فيها المتطوعين أنهم سيتعرضون لضجيج مزعج يستطيعون التخلص منه فور الضغط على عدة أزرار.

وكالعادة، قسِّمَ المتطوعون إلى قسمين:

  • قسم لم تتوقف الضوضاء التي يسمعونها مهما ضغطوا على الأزرار بشكل صحيح.
  • والقسم الآخر تتوقف الضوضاء بمجرد ضغطهم على الأزرار كما أخبِروا.

بعد مدة، توقف أفراد القسم الأول عن مقاومة الضجيج حولهم، وانتظروا في انزعاج زوال الضوضاء دون محاولة التخلص منه.

وكان الاستنتاج أن العجز يمكن أن يكون شعورًا مكتسبًا يتعلمه الإنسان والحيوان عند تعرضهم لألم مستمر لم تفلح مقاومتهم له.

نظرية مارتن سليجمان (نموذج PERMA) 

آمن مارتن سليجمان أن المعاناة والرفاهية مكونان أساسيان من مكونات الشخصية. 

وآمن أيضًا أن المهارات التي نحتاجها للتخلص من المعاناة مختلفة عن تلك التي نحتاجها للحصول على الرفاهية.

تتساءل كيف يمكنك الوصول للرفاهية؟ تجيبك عن هذا نظرية علم النفس الإيجابي، والتي يؤكد فيها سليجمان أن هناك خمس لبنات أساسية تسهم في ازدهار الإنسان.

وقد جمع تلك المكونات الخمسة فيما يُعرَف بـ”نموذج PERMA”، حيث يشير كل حرف فيه إلى مكون معين، وهذه المكونات كالتالي:

  • المشاعر الإيجابية (Positive emotions) 

تعَدُّ المشاعر الإيجابية بمثابة حجر الأساس لسعادة الإنسان وازدهاره، وقد أكد أنه يمكن تعزيز تلك المشاعر عن طريق:

  1. التصالح مع الماضي والامتنان له.
  2. تبنِّي الأمل والتفاؤل بالمستقبل.
  3. وأخيرًا، البحث عن السعادة في الحاضر.
  • المشاركة (Engagement

كم مرة انخرطت -عزيزي القارئ- في عمل ما تحبه بكل كيانك، ووضعت فيه كل تركيزك ونسيت همك؟!

هذا بالضبط ما نقصده هنا؛ فالاندماج في عمل ما يوظف فيه الإنسان مهاراته ونقاط قوته، وينجز فيه مهمة ويخوض تحديًا، من عوامل الوصول للسعادة.

وهناك عدة أمثلة بسيطة تندرج تحت هذا البند، مثل: قراءة كتاب، عزف آلة موسيقية، محادثة عميقة، ممارسة رياضة، إنجاز مهمة.

  • العلاقات (Relationships)

تعَدُّ علاقتنا بالآخرين مكونًا أساسيًا من مكونات الوصول للسعادة؛ فهناك العديد من القيم التي نحصل عليها من خلالها وتسهم في بناء سعادتنا، مثل: الفرح، والشعور بالانتماء، والسعادة.

  • المعنى (Meaning)

إن وجود معنى كبير وسامٍ يقف وراء وجود الفرد -يؤمن به وينتمي إليه بكل كيانه- يشعِره بأهميته، ويسهم في صنع سعادته. وهناك عدة أمثلة لأشياء تمثل المعنى، مثل: الدين، العائلة، العلم، السياسة، المجتمع.

  • الإنجاز (Accomplishment)

إن صناعة البشر لإنجاز ما -سواء على مستوى العمل، أو الرياضة، أو غيرها- يساعد على صناعة مشاعر إيجابية، ويسهم في تكوين علاقات مختلفة بالآخرين، وبالتالي يشارك في صناعة السعادة.

كتب مارتن سليجمان

أثرى سليجمان -خلال مسيرته- علم النفس الإيجابي بالكثير من المؤلفات الهامة والمشهورة التي ترجِمَت لعدة لغات. وكان من أشهر كتب مارتن سليجمان:

  • كتاب السعادة الحقيقية لمارتن سليجمان.
  • كتاب التفاؤل المكتسَب لمارتن سليجمان.
  • كتابُ الطفل المتفائل.
  • كتاب (انتعِش).
  • كتاب (ما الذي يمكن تغييره؟).

في النهاية، أود أن أختم هذا المقال بمقتطَف مهم من كتاب (تعلم التفاؤل) لمارتن سليجمان، وهو:

“السعادة مفهوم صعب من الناحية العلمية، لكن لها ثلاثة أشكال يمكن أن تتمثل فيها لتصبح هدفًا يسعى الإنسان لتحقيقه…

  •  الحياةُ الممتعة، وفيها تعيش أكبر كم ممكن من المشاعر الإيجابية.
  • الحياةُ الفعالة، وفيها تعرف قدراتك ومواهبك، وتستخدمها قدر الإمكان في عملك وحياتك، وحتى وقت فراغك.
  • الحياة الهادفة، وفيها تستخدم قدرتك ومواهبك لخدمة غرض في الحياة أكبر منك”.

المصدر
Martin SeligmanBuilding ResilienceMartin Seligman BiographyLearned Optimism: Is Martin Seligman’s Glass Half Full?The Original Theory: Authentic HappinessLearned Optimism: Martin Seligman on Happiness, Depression, and the Meaningful LifePERMA™ THEORY OF WELL-BEING AND PERMA™ WORKSHOPSMartin Seligman
اظهر المزيد

د. مروة إسماعيل

مروة إسماعيل صبري، طبيبة بيطرية وكاتبة محتوى طبي، مهتمة بالبحث في مختلف العلوم الطبية وتبسيطها وإثراء المحتوى الطبي العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى